من طهران إلى السويس وبالعكس!
جمال الطاهات
في اللحظات التاريخية التي تفرض التحولات التكنولوجية نفسها على الأسواق العالمية، يدخل العالم في لحظة فريدة وصفها ماثيو أرنولد، أحد الشعراء الإنجليز في العصر الفيكتوري، بأنها لحظة “بين عصر يموت، وعصر جديد عاجز عن الولادة”. فالمعركة على طهران وحرب السويس في خمسينيات القرن الماضي، لحظة تاريخية بين عصرين، عصر التحديث العالمي، والذي كان “عاجزاً عن الولادة” بشكل سلمي، وعصر الاستعمار الذي كان رافضاً أن يرحل بهدوء، بعد حربين عالميتين. فجاءت عواصف طهران وحرب السويس لتشكلان قابلة تاريخية تعلن ميلاد عصر جديد.
الدور التاريخي لحرب السويس
جاءت حرب السويس في خضم حركة تاريخية أبرز ملامحها استقلال الهند والصين، والتجربة النووية السوفياتية عام 1949، وعواصف طهران، فمثلت حضور مسرحي عالمي لإعلان نهاية المرحلة الاستعمارية بكل ما تضمنته حتى ذلك التاريخ. ولكنها أيضاً كانت القابلة التاريخية التي أعلنت ميلاد مرحلة جديدة، اتسمت بصعود تقنيات جديدة انتاجياً وإدارياً، إضافة إلى فاعلية وسائل الإعلام الجماهيري، التي مكنت رأس المال في تلك المرحلة من الانتقال من مرحلة السيطرة العسكرية المباشرة (كما كان الحال خلال المرحلة الاستعمارية)، إلى الهيمنة بوسائل غير مباشرة. ببساطة لم يعد الاستعمار ممكناً، كما أنه لم يعد ضرورياً.
انتقال مركز رأس المال العالمي من أوروبا الاستعمارية، إلى الولايات المتحدة، كان مصحوباً بإنشاء الأمم المتحدة ومؤسساتها والتي تم تطويرها خلال الحرب العالمية الثانية، واهمها منظمة عالمية للتجارة، وصندوق دولي للنقد يدير المنظومات النقدية عبر العالم، وبنك دولي يهندس مشروع التحديث والتنمية في الدول النامية. فالحروب الأوروبية (الحربين العالميتين الأولى والثانية) أنهكت أوروبا، وجعلتها غير قادرة على إدامة سيطرتها عبر الوسائل العسكرية على الأسواق العالمية. يضاف إلى ذلك صدمة الكساد الكبير عام 1929، التي مهدت (مع عوامل مركزية أخرى) للحرب العالمية الثانية. وبالتالي كانت تصفية السيطرة العسكرية لرأس المال الأوروبي، ونشوء مركز هيمنة رأسمالي جديد، منطقياً، وممكناً. وتم تطوير منظومة متكاملة لإدامته.
المضمون الإستراتيجي والتاريخي للأزمة الراهنة
المشهد اليوم، له سمات مشتركة مع تلك الحقبة. تقنيات جديدة، تجعل من استمرار هيمنة رأس المال الأمريكي على حركة الأسواق العالمية مهمة شبه مستحيلة بالأدوات السابقة، كما أنه لم يعد مربحاً كما كان في السابق. كما تخدم هذه التقنيات الجديدة تفكيك أدوات الهيمنة التي سادت خلال القرن الماضي، وتفتح الباب لتعدد المنظومات المالية وكسر احتكار المركز الأمريكي. فلم يعد صندوق النقد ولا منظومات التحويل العالمية التقليدية قادرة على السيطرة على حركة الأسواق العالمية، وايضاً لم تعد قادرة على تحصيل هامش او عائد من هذه الهيمنة. والأهم أن التحولات التقنية الجديدة، تمنح السوق العالمية فرصة حقيقية للاستقلال عن مراكز الهيمنة.
فكما تحررت حركة الأسواق العالمية من الاستعمار القديم بفاعلية حربين عالميتين وتحولات تقنية وإدارية مذهلة، وجاءت المركزية الرأسمالية الأمريكية، لتحكم الأسواق العالمية على مدى تسعة عقود، يبدو ان العالم يتجه لمنظومة جديدة لإدارة السوق العالمية، بحيث تمتلك السوق العالمية هوامش حقيقية من الاستقلال عن المراكز المهيمنة.
إذ أن الصراع الذي يجري الآن ليس بين اقتصاديات سوق، واقتصاديات اشتراكية تديرها الحكومات، كما كان في الحرب الباردة. بل بين اقتصاد سوق حر، واقتصاديات سوق تهيمن عليه مراكز احتكارية رأس مالية. وعليه فخط المواجهة المركزي هو حول هوامش استقلال الأسواق عن هيمنة ومركزية رأس المال الأمريكي. وبالمناسبة، تحدي هيمنة رأس المال الأمريكي على الأسواق العالمية ليست حركة من خارج الولايات المتحدة فقط، بل هناك قوى فاعلة في المجتمع والاقتصاد الأمريكي تسعى لأن يكون للشعب الأمريكي سوق أكثر استقلالاً عن هيمنة رأس المال داخل الولايات المتحدة.
مسارات الصراع والحروب التي يفرضها
ما يجري الآن هو محاولة أمريكية للحفاظ على الهيمنة والمركزية لرأس المال الأمريكي، واعتراض محاولات السوق العالمي أن يوسع هوامش استقلاله بعد اقتراب قرن الهيمنة الامريكية من نهايته. ولكن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي، بل ستخوض معركتها للدفاع عن مركزيتها في السوق العالمية، عبر العمل المتزامن على ثلاث مسارات. مسار تقني، عبر استرداد السيطرة على منظومات التكنولوجيا المعاصرة. ومحاولة الهيمنة على آفاق الذكاء الاصطناعي، والسيطرة على وسائط التواصل الاجتماعي للحفاظ على فاعلية الإعلام الجماهيري، بعد أن فقدت وسائله فاعليتها. مسار أمني عسكري، باستخدام وسائلها العسكرية الأكثر تطوراً، لإخضاع أي طرف يرفض هيمنتها ويتحداها. ومسار ثالث هو السيطرة على النفط باعتباره هو عصب السوق العالمي، وعلى المعادن النفيسة الضرورية لتطوير التقنيات المعاصرة بما فيها الطاقة المتجددة، فلا استقلال للسوق العالمي إذا كانت موارده من الطاقة، وما يحتاجه من معادن لتطوير تقنياته مهيمن عليها أمريكيا.
النتائج والمآلات
ولكن هل ستنجح الولايات المتحدة في مسعاها للحفاظ على مركزيتها المهيمنة على الاقتصاد العالمي؟ أم ستنتصر النزعة الاستقلالية للسوق العالمية؟ الإجابة العلمية والموضوعية على هذا السؤال غير ممكنة في ضوء ما يتوفر من معلومات. كما أن الصراعات محكومة بعدد كبير من العوامل لا يمكن للآن تصميم مصفوفة موثوقة لوصفها والتنبؤ بنتائجها. هناك العديد من عناصر القوة المتاحة للولايات المتحدة، ولكن أيضاً هناك حقيقة ملتبسة (من حيث إنها تعمل باتجاهين، وقد تؤدي إلى تحولات مفاجئة في موازين القوى)، وهي محدودية القوة مهما تعاظمت والتناقص الحدي لفاعلية الوسائل العسكرية، يضاف إليها أنه لا توجد قوة صفرية في الصراعات، وهناك إمكانية لاستنزاف “القوة العظمى” إذا ما توسعت دعوة رئيس الوزراء الكندي التي أطلقها في مؤتمر دافوس الأخير، واستجابة رئيس وزراء إحدى القوى الاستعمارية القديمة (بلجيكا) لهذه الدعوة بخطاب ناري. يضاف إلى ذلك محدودية القدرات السياسية الحالية على حشد كل الموارد المتاحة لدى الولايات المتحدة. فضبابية خط المواجهة الراهن (سوق عالمية أكثر استقلالاً، وهيمنة مركز رأس المال الأمريكي على الأسواق)، ووجود تيارات اجتماعية وقوى اقتصادية تتحدى هيمنة رأس المال الأمريكي داخل الولايات المتحدة، قد تخلق صعوبات وتحديات لا يمكن حسابها، وتجعل الولايات المتحدة عاجزة عن تكرار نجاحها في حشد مواردها كما حصل في الحرب العالمية الثانية وأثناء الحرب الباردة.
والسؤال الثاني هو أثر هذه الحرب على الأردن. فكما أدت حرب السويس إلى اضعاف النفوذ البريطاني في الأردن، والتحاق الأردن السريع بالركب الأمريكي. والتحدي الآن هو هل ستنهي هذه الحرب هيمنة المستبد الفاسد (الملك عبد الله الثاني وعائلته )على الأردن، وتنهي وجودهم كإرادة وحيدة في الدولة، ويحرر الشعب الأردني إرادته ومؤسساته؟ الإجابة على هذا السؤال متعلقة بما يمكن للشعب الأردني أن يقوم به خلال الأزمة والمعركة وما بعدها. فكما أن الولايات المتحدة تعجز عن حشد كل مواردها في الصراع الدائر الآن، بما في ذلك تعاون حلفائها التقليدين المفيدين، يمكن أن يتحول تحالفها مع المستبد الفاسد إلى عبئ عليها، ويؤدي إلى ارباكها وتبديد قوتها.
ولكن ما يمكن تأكيده هو أن هناك مرحلة من التاريخ الإنساني قد انتهت، ولكن المرحلة الجديدة لم تتشكل ملامحها بعد، وهناك صراع حقيقي يجري الآن، وستكون نتيجته منظومة عالمية جديدة تعبر عن المرحلة الإنسانية الجديدة التي تشكلت بفاعلية التحولات التقنية والاقتصادية العالمية. إما أن تحقق السوق العالمية هامش واسع من حريتها، أو يستعيد مركز الهيمنة الأمريكي سيطرته على هذه السوق. مما يعني أن ما جرى في فنزويلا ودافوس خلال هذا الشهر لن ينتهي بانتصار نهائي أو بحسم للصراع خلال أسابيع. والحرب المتوقعة على إيران ليست إلا حلقة في سلسلة هذا الصراع الذي قد يمتد لسنوات على الأقل. ومن غير المتوقع أن تُهزم الولايات المتحدة قريباً، كما أنه من غير المتوقع أن تحقق واشنطن انتصاراً حاسماً قريباً. فهناك صراع لا يمكن حسمه بمعركة أو اثنتين، وخصوصاً إذا تمكنت إيران من جر الولايات المتحدة إلى حرب برية طويلة ومكلفة، عندها ستغوص ملامح العالم الجديد في غبار المعارك ودخانها إلى أجل غير مسمى.
أخيراً
من الضروري أن نشير إلى أنه يمكن اسقاط المستبد الفاسد (عبد الله الثاني وعائلته) في الأردن بغض النظر عن نتائج الحرب. شريطة عدم نجاحه بإقناع الولايات المتحدة بأنه كان حليفاً مفيداً لها. فإذا نجح، وبغض النظر عن نتائج هذه المعركة، فقد يخضع الأردن للنموذج الراهن في الحكم لعقود قادمة. ولكن إذ ثبت أنه حليف تافه ومكلف وغير مفيد وليس لديه ما يقدمه لحلفائه، فإنه سيكون بالإمكان التخلص منه بسهولة وسريعاً، بغض النظر عن مسارات هذه الحرب ونتائجها. وفي المحصلة الذي سيقرر إمكانية المستبد الفاسد أن يحشد الموارد لدعم حليفه الأمريكي والإسرائيلي في هذه الحرب هو الشعب الأردني وشعوب الإقليم وحكوماته التي تتمسك بالحد الأدنى من السيادة الوطنية. وليس مطلوباً إلا اثبات أنه (بسبب استبداده وفساده وتفاهته) عبئ على شعبه وعلى حلفائه.
2026-01-27