استيعاب حركات التحرر والاحتواء الصامت!
بقلم / عنان بدر
منذ فجر التاريخ لم ينفك البشر عن غزو بعضهم البعض وقد تطور هذا الغزو مع تطور العالم والحضارة, فمنه ما تحول لفتوحات تحفظ للناس اموالهم وانفسهم وحتى معتقداتهم كما نظمه الإسلام ومنه ما هو إستعماري متوحش يهدف الى سرقة ثروات البلد بأكبر قدر ممكن ومنها ما هو إحلالي ويهدف الى إستبدال السكان الأصليين بسكان جديدين قادمين من خلف البحار، والقاعدة تقول بأنه أينما وجد هناك إحتلال فلا بد أن يكون هناك مقاومة، وأينما وجدت المقاومة وجد الخون والعملاء من المتسلقين والإنتهازيين الذين دائماً ما يتحالفوا مع القوي.
وحيث أن العالم لا يتوقف عن التطور سواءً بالخير او بالشر فقد طورت القوى الإستعمارية العديد من الأساليب كي تسيطر على الشعوب المقهورة من خلال إحتواء وإستيعاب أي محاولات للتحرر.
في هذا المقال سأستعرض خمس خطوات جميعها طبقت على الشعب الفلسطيني من اجل استيعاب ثورته التحررية واحتوائها ضمن خطة طويلة الأمد تعتمد الخداع والتضليل والأوهام سبيلاً لها.
1. مرحلة صناعة المنقذ (منظمة التحرير الفلسطيني)
عندما أعلنت الدول العربية قرارها بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية لم يكن أحد ليتصور بأن هذه المنظمة ستقوم بمخالفة السبب الرئيسي لإنشائها وبدلاً من تحرير الأرض ستقوم بالتفريط بها، بل وبتكريس الإحتلال وشرعنته.
لقد خلص لنفس هذه النتيجة احد القادة الأمنيين في حركة فتح غازي الحسيني بعد سنوات طويلة من العمل الوطني وقالها صراحةً في إحدى المقابلات التلفزيونية بأن تأسيس المنظمة لم يكن إلا لتصفية القضية الفلسطينية.
وإننا لو سألنا أنفسنا عن سبب إصرار جامعة الدول العربية على ان تحصر تمثيل الفلسطينيين بالمنظمة سنجد بأن ذلك لم يكن إلا ليعطيها الشرعية في التنازل فيما بعد لتحقيق الهدف الحقيقي الذي انشئت لأجله وقد كان ذلك. ورغم ان ميثاقها الوطني الفلسطيني نص على تحرير كل فلسطين لعشرات السنوات إلا ان جميع البنود التي تتحدث عن تحرير فلسطين تم شطبها إضافة لشطب كل البنود التي تتحدث عن الكفاح المسلح الذي تغنت به عشرات السنوات لتصفه بالإر.هاب ومن ثم تجرمه رغم ان كل المواثيق والمعاهدات الدولية كفلت ذلك الحق.
2. مرحلة “الفجوة الاقتصادية” (الارتهان)
لقد ساهمت الرجعية العربية التي تتحالف بالسر مع المحتل وتخدع شعوبها بعدائه ساهمت بصناعة القائد الرمز، ورغم الفشل المتكرر سيطر القائد الفاشل على حركة تحرر وطنية كبيرة من خلال حصر المال بيده، وبهذا تحولت تجربت التحرر الى مغامرة مهرج يريد ان يرقص على الحبل بل وان يقفز عليه والنتيجة لم تكن سوى سقوطه على رقبته ليأتوا بمهرج آخر يكمل عملية الإحتواء التي تتطلب القائد الملهم الذي لا يتوقف عن إطلاق الشعارات البراقة والوعود التواقة بينما الحقوق على الأرض في ضياع والفساد عم البلاد والعباد واصبحت الطريقة الوحيدة للصمود هي التملق لهذا المهرج المجرم.
كان هذا قبل توقيع اوسلو، أما بعدها فقد تم توقيع إتفاقية باريس التي أعطت الكيان الغاصب سيطرة مطلقة على مقدرات الشعب الإقتصاد الفلسطيني، فالمعابر والضرائب والجمارك كلها بيد الإحتلال بل وتعدى الأمرالى منع الفلسطينيين من اصدار عملة خاصة بهم ولم يقدم القائد الملهم اي مشروع اقتصادي سوى كازينو أريحا وشاليهات للسياح الصهاينة على شواطئ غزة.
وإزاء تردي الأحوال الإقتصادية وضمور الصناعات المحلية تم إغراق الفلسطينيين وتوريطهم بقروض ربوية جعلت من سدادها همهم الأول وبذلك تحول العامل الإقتصادي الى سيف مسلط على رؤوس الشباب الذين لا يجدوا مهرباً من البطالة إلا بالعمل عند المحتل او بالعمل على حراسته من خلال اجهزة الأمن الخاصة بهذه المهمة.
3. مرحلة “الجيش المحلي” (تفتيت النسيج الاجتماعي)
وربما ان هذه الخطوة هي احدى الخطوات الأخطر في استيعاب الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال نجاح الكيان الصهيوني بإحداث صدع عميق وإنقسام كبير بين ابناء الشعب الفلسطيني حتى وصل الإنقسام الى العائلة والأسرة الواحدة، فالتجنيد أصبح يركز على صغار السن من الذين لم يكملوا تعليمهم والقادمين من قراهم، فلا هم نازحين ولا هم لاجئين وأصبح التجنيد إنتقائي لجيش كامل جرى تدريبه وتطويره بل وإعادة صناعة عقيدة قتالية جديدة له. فأصبح المقاوم هو العدو للمشروع الوطني واصبح الحفاظ على حياة المستوطن يمثل قمة الوطنية والعقلانية. وقد أسهمت العديد من دول الرجعية العربية بتدريب هذه القوات ليس لغرض تحرير اوطانهم ولكن بغرض قمع وقتل المقاومين للإحتلال. وعلى عدة مراحل تم التخلص من كل شخص من الممكن ان يحمل أي فكر وطني من خلال التقاعد المبكر بعد ان أستوعبت وإحتوت آلاف المناضلين ليصبحوا رهائن لرواتب التقاعد تحت وطئت القروض وغلاء المعيشة.
وأصبح الشاب الفلسطيني لا يجد امامه الا مخرجاً وحيداً من حالة الذل والبطالة التي يعيشها، الإلتحاق بالسلطة ليتم تدريبه وإخضاعه لعملية غسيل مخ ليخرج بعدها يرى بأبناء جلدته العدو وبمحتله سيداً لا يمكن تجاوزه. وبهذا تورط جزء كبير جداً من الناس وأصبح الظلم يأتي من أبناء الشعب قبل أن يأتي من المحتل، مما يخلق ثارات داخلية تمنع الاتحاد وتوحيد الجهود للتحرر .
4. مرحلة “التهجير الناعم” (الإزاحة البطيئة)
إن عمليات حرق الزيتون وسرقة أو قتل المواشي وإعتدائات المستوطنين المتزايدة تترك الفلسطيني امام خبارات صعبة جداً. فسلاح التعطيش والإتصالات والمعابر والتموين كلها اسلحة فتكة يستطيع ان يُفعلها الإحتلال في دقائق معدودة. فلا يوجد أسهل من إغلاق حاجز امام مئات المركبات الفلسطينية وتركهم لساعات بل لأيام إن اراد المحتل، ولا يوجد أسهل من قطع الماء وتعطيش الفلسطينيين. إلا ان الخيار المفضل لدى الإحتلال هو في إطلاق يد قطعان المستوطنين يعيثون فسادا وإحراقاً وإعتداءً على النساء والأطفال والمحاصيل وحتى الأنعام وإذا ما ضل احد هؤلاء المستوطنين المجرمين طريقه ودخل لمناطق أ التي تشكل 18 بالمئة من الضفة الغربية فإن قوات الأمن الفلسطينية تهب الى انقاذه وتسليمه لجيش الإحتلال دون أن يمسه اي سوء.
على مدار ما يزيد عن الثلاثين عاماً، نمى التعداد السكاني للمستوطنين في الضفة الغربية من مئة وخمسين الفاً الى ما يقارب المليون مستوطن. قام بنغافير بتسليح اكثر من نصفهم بأسلحة هجومية وبدأت تظهر ميليشيات لهم تمارس الإرهاب ضد الفلاحين الفلسطينيين وتنظم دورات عسكرية تدريبية لمنتسبيها تمهيداً لتكرار سيناريو النكبة الفلسطينية بل وقام الكيان الغاصب مؤخراً بإزالة حقول ألغام على طول الحدود الأردنية الفلسطينية مما يؤكد على عزم المحتل تكرار سيناريو النكبة والتهجير.
5. مرحلة “السيطرة الفكرية” (الشرعنة)
ولأن المنتصر دائماً ما يسعى لإعادة كتابة التاريخ ولأن السلطة الفلسطينية لا تملك من زمام امرها إلا ما يوافق عليه ولي أمرها “المحتل” فقد كان لزاماً عليها ان تنزل عند رغبته في إعادة كتابة المناهج بما ينسجم مع توجهاته وتوجهات المانحين، وتم الإمساك بالمنابر بقبضة حديدية. واصبح الأئمة إما أن يسبحوا بحمد هذه السلطة العميلة ويبرروا عمالتها ويذكروا المصلين الف الف مرة بأن هؤلاء هم اخوتنا ولا يجوز تحت أي ظرف ان نقوم بتخوينهم. وبهذا أصبح الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني اشبه بالضائعين أمام كل هذه المتغيرات السريعة.
من جهة أخرى حافظ الإحتلال ومن خلفه السلطة على علاقات حميمة مع رؤساء القبائل وكبار العائلات وضمنوا لهم إمتيازات شخصية مقابل الحفاظ على هذه القبيلة او تلك العائلة بعيداً عن المقاومة التي تشكل خطراً على المشروع الوطني أو بالأحرى على إمتيازاته الشخصية.
ختاماً، لقد ابدع الصهاينة في الإمساك بخيوط اللعبة مع سلطة الذل والعار إلا أنه لم يكن يدرك بأن طائر الفينيق كان ينهض من تحت الرماد ليصفعه صفعةً يختل لها توازنه وتظهره على حقيقته امام عالم إستمر بخداعه اكثر من سبعين سنة. إن تأثير ما جرى في السابع من اكتوبر كبير بل هائل جداً وإنني أزعم بأن الإرتدادات الأخطر لم تأتي بعد.
لقد بدأ هذا الكيان في الإنهيار وأول ما أنهار فيه هو فكرته، فلم يعد الوطن الآمن ولم يتخدر كل الفلسطينيين ويتحولوا لعملاء للإحتلال. بل أثبتوا بأنهم مقاتلين جبابرة قل نظيرهم ولأول مرة في التاريخ أصبح شعوب الكرة الأرضية جمعاء تتقبل فكرة زوال دولة الكيان أكثر من اي وقت آخر.
2026-01-19