تشيلي – صناديق الإقتراع تُشَرْعِنُ عودة الدّكتاتورية !
الطاهر المعز
القسم الثاني
مغزى فوز اليمين المتطرف
تزامن تطبيق التّصويت الإلزامي مع فوز خوسيه أنطونيو كاست بالرئاسة في تشيلي بأغلبية مُريحة في جميع مناطق البلاد، فعادت البينوشيتية إلى السلطة عبر الانتخابات، مُزاوجةً بين الإصلاح النيوليبرالي والاستبداد ومعاداة الشيوعية كرد فعل على الأزمة التشيلية.
حصل مُرشّحو اليمين خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية يوم 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 على أكثر من نصف الأصوات ( 50,3% ) مما يؤشر على انتصار اليمين، وبالفعل فاز مرشح اليمين المتطرف خوسيه أنطونيو كاست يوم الأحد 14 كانون الأول/ديسمبر 2025 بفارق كبير (58,2%) في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية ضد منافسته، مرشحة الائتلاف الحاكم والمناضلة في الحزب الشيوعي، جانيت خارا (41,8% )، وأكّدت هذه النتيجة اتجاهاً سياسياً أوسع نطاقاً، كان واضحاً منذ الانتخابات التمهيدية التي جرت خلال شهر حزيران/يونيو 2025 داخل الائتلاف الحاكم…
يمثل انتخاب خوسيه أنطونيو كاست عَوْدَةَ تيار الدّكتاتورية العسكرية الذي حكم البلاد بين 1973 و 1989، لأن الرئيس الجديد ليس نَكِرَة بل كان قياديًّا لأكثر من عِقْدَيْن في حزب الاتحاد الديمقراطي المستقل (UDI) التاريخي، وهو حزب أنصار الدّكتاتورية العسكرية وزعيمها الجنرال أوغوستو بينوشيية، وكان عضواً في البرلمان لمدة ستة عشر عاماً متتالية من 2002 إلى 2018، وترشح ثلاث مرات لمنصب الرئيس، ثم أنشأ حزبه الخاص ( الحزب الجمهوري – Partido Republicano ) سنة 2019 الذي يدافع عن الفكر اليميني المسيحي المتشدّد الوارد في برنامجه الرئاسي منذ سنة 2017، وساهم بنشاط سنة 2020 في مبادرة “ميثاق مدريد” التي أطلقها اليمين المتطرف الدولي بهدف صريح هو كبح “تقدم الشيوعية” في أمريكا الجنوبية.
لم يعتنق خوسيه أنطونيو كاست العقيدة اليمينية المتطرفة بمحض الصّدفة، بل ورثها عن عائلته الألمانية، فقد كان والده، مايكل كاست عضوا في الحزب النازي وضابطًا في جيش ألمانيا النّازية، وبعد الهجرة إلى تشيلي استثمرت الأُسْرة في مزارع بوسط تشيلي، وأثبتت تحقيقات صحفية وقضائية موثقة ارتباط أفراد عائلة كاست، خلال فترة الدّكتاتورية العسكرية، بأنشطة إجرامية لصالح المركز الوطني للمعلومات (CNI) ومشاركتهم في مليشيات مُسلحة تقوم بدوريات مدنية إلى جانب قوات النظام القمعية، وفي عمليات تعذيب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وبحالات الاختفاء القسري.
تخرّج الخبير الإقتصادي ميغيل كاست، الشقيق الأكبر لخوسيه أنطونيو من جامعة شيكاغو، وشَغَل في ظل دكتاتورية بينوشيه منصب وزير العمل، ثم رئيس المصرف المركزي، ولما كان وزيرًا لمكتب التخطيط الوطني (أوديبلان) بين سنتَيْ 1978 و1980، كان من أبرز المؤيدين لتصنيف “الفقر المدقع”، الذي يهدف إلى حصر المساعدات الاجتماعية بأفقر شرائح المجتمع فقط لخفض الإنفاق الإجتماعي، وهي إحدى توجيهات صندوق النقد الدّولي الذي كانت تقاريره مليئة بعبارات المَديح والإطْراء للسياسة الإقتصادية الليبرالية للدّكتاتورية العسكرية، وكان ميغل كاست ( شقيق خوسيه أنطونيو كاست) من المُدافعين عن برنامج التكيف الهيكلي وتفكيك دولة الرفاه الذي روّجت له الديكتاتورية، ويفتخر بأنه تلميذ مخلص لأيديولوجية الديكتاتورية التشيلية، ومُنَظِّرُها الرئيسي ومؤسس حزب الاستقلال الوطني، السيناتور الراحل خايمي غوزمان الذي عارض الإجهاض “حتى لو كان الطفل غير طبيعي، حتى لو لم تكن الأم تريده، حتى لو كان نتيجة اغتصاب أو حتى لو كانت ولادته ستؤدي إلى موتها”، ولما كان خوسيه أنطونيو كاست عضواً في البرلمان ( بين 2002 و 2018)، عارض باستمرار توسيع الحقوق المدنية وصوّت ضد قانون مكافحة التمييز، وعارض التوزيع المجاني لحبوب منع الحمل الطارئة، ودعا إلى إلغاء التشريعات القائمة التي لا تسمح بالإجهاض سوى في ثلاث حالات محددة، ودعا خلال حملته الإنتخابية الرئاسية الثانية، إلى إلغاء وزارة المرأة والمساواة بين الجنسين، واستبدالها بوزارة الأسرة، وقصر بعض برامج المساعدة الاجتماعية – ذات الأهمية الخاصة للنساء الفقيرات – على النساء المتزوجات فقط.
ورَوَتْ زوجته التي أنجبت تسعة أطفال، في مقابلة صحفية، إنها خلال الحملة الإنتخابية الرئاسية الأولى، سنة 2017، استشارت طبيباً وصف لها حبوب منع الحمل، رغبةً منها في تأجيل الحمل قبل إنجاب طفلهما الثالث، لكن زوجها ردّ قائلاً: “هل أنتِ مجنونة؟ هذا مستحيل”. ثم اصطحبها إلى كاهن أخبرها أن استخدام حبوب منع الحمل محظور، وحظي خوسيه أنطونيو كاست خلال الحملة الإنتخابية بتأييد جمعيات المتقاعدين العسكريين ومنظمات عائلات المُدَانين بجرائم ضد الإنسانية كمرشح، وصرّح قائلاً: “اسمي خوسيه أنطونيو كاست، وأنا أدافع، نعم، بكل فخر، عن عمل الحكومة العسكرية، وأعتقد جازمًا أن العديد من العسكريين وأفراد القوات المسلحة ضحايا للاضطهاد، وأتعهد إذا انتُخبت رئيسًا، بحماية القوات المسلحة والعفو عن جميع من سُجنوا منهم ( وهم قلة قليلة نظر لعدم تصفية إرث الدّكتاتورية في تشيلي) ظلمًا أو بطريقة غير إنسانية”، وحصل على دعم المُدَاِنين، ومن ضمنهم ميغيل كراسنوف مارتشينكو، الضابط الذي كان يعمل إبان انقلاب عام 1973، ثم أصبح عميلاً في مديرية المخابرات الوطنية (دينا) – الشرطة السرية للنظام الديكتاتوري – وحُكم عليه بالسجن لأكثر من ألف عام في سبع وعشرين قضية بتهم الخطف والتعذيب والاختفاء القسري، ولما سُئل كاست، الذي زار كراسنوف في السجن، العديد من المرات، خلال الحملة الرئاسية لسنة 2025 عن نيته العفو عنه، لزم الصمت ورفض الإجابة…
هذه نبذة عن المسيرة السياسية للرئيس التشيلي الجديد خوسيه أنطونيو كاست، فهو مدافع صريح ومستمر عن إرث دكتاتورية أوغوستو بينوشيه، سياسيا واقتصاديا، ويجمع برنامجه بين تكثيف القمع لاستعادة “سيادة القانون”، وتحويل الخدمات الاجتماعية إلى سلعة يُشرف عليها القطاع الخاص بهدف “تحسين ظروف الاستثمار وخلق فرص العمل”، ويُقدّم برنامجه مفهومًا للمجتمع قائمًا على “الدور المحوري للأسرة وهيمنة الملكية الخاصة وريادة الأعمال الفردية والسيطرة الأبوية على النساء والأطفال”، وأعلن خطّة للأشهر الثلاثة الأولى وتتمحور حول أربعة محاور رئيسية: إصلاح ضريبي مضاد، وإلغاء القيود، ومهاجمة العمال، وتعديل الميزانية…
استمر التّأثير العقائدي والسياسي للدّكتاتورية العسكرية في تشيلي بعد انهيارها رسميا، سنة 1989، رغم البطش والقمع والجرائم وتعميق الفجوة الطبقية، في ظلها، وعلى سبيل المثل فشلت – سنة 2023 – عملية تعديل الدّستور الموروث عن الدّكتاتورية، إثر عدد من الإنتفاضات الاجتماعية ( خصوصًا منذ سنة 2019)، غير إن المجلس الدستوري المُكلّف بإعداد مشروع الدّستور الجديد، والمتركب من خمسين عضوًا، كان يرأسه أحد زعماء “الحزب الجمهوري” ( حزب كاست اليميني المتطرف) ويضم اثنين وعشرين عضوا ينتمون إلى نفس الحزب الجمهوري، وشكّل مشروع الدستور الذي أعدته هذه الهيئة، عودة إلى النص الأصلي لدستور بينوشيه لسنة 1980، ولذلك رُفض المشروع في استفتاء كانون الأول/ديسمبر 2023 بنسبة 55,7% من الناخبين، ومثّلت هذه العملية انتكاسة للآمال التي خلقتها الدورة الدستورية التي بدأت سنة 2019، وعودةً قوية لرموز الدّكتاتورية العسكرية والمُدافعين عن إرثها، بعدما هيَّأت لها تيّارات “يسار الوسط” الأرضية من خلال برامج “اقتصاد السوق الاجتماعي” ومن خلال تحالفها مع جناح يميني سعى ت إلى النأي بنفسه عن الإرث الصريح للدّكتاتورية العسكرية، من أجل إدارة مرحلة “الانتقال الديمقراطي التَّوافُقِي”، ولمّا عاد اليمين التقليدي إلى التّحالف مع اليمين المتطرف، دعمت كل القوى اليمينية برنامج خوسيه أنطونيو كاست التي أعلن إلغاء الإصلاح الذي تم تنفيذه خلال الولاية الثانية لميشيل باشيليت ( رئيسة تشيلي من 2006 إلى 2010، ثم من 2014 إلى 2018)، وإقرار تخفيض الضرائب على الشركات المتوسطة والكبيرة وإلغاء الضريبة على أرباح الأفراد من رواد الأعمال، بهدف ضمان تحويل الدخل من الكادحين والفُقراء إلى الفِئات الأكثر ثراءً التي أعلن كاست خفض الضرائب المحصلة منها بقيمة ست مليارات دولار، ضمن مجموعة من الإجراءات تهدف تعزيز نفوذ رأس المال وإلغاء بعض “العَقبات ” مثل حماية البيئة والقيود المفروضة على قطاع العقارات، ودعمت الشركات الكبرى ووسائل الإعلام التي تملكها الكنيسة والأثرياء هذا البرنامج المعادي كذلك للعمل النقابي والدّاعي إلى زيادة عدد ساعات العمل الأسبوعي ( أربعين ساعة حاليا)
تلقّى كاست تهاني من شخصيات بارزة فيما يُعرف بـ”الدولية الفاشية” مثل رئيس الأرجنتين خافيير ميلي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبنيامين نتن ياهو، ومن أقطاب اليمين المتطرف في أوروبا، لأن فَوْز كاست يمثل جزءًا من “موسم ديمقراطي سيئ للاشتراكية في أمريكا الجنوبية التي أرست العنف اليساري والركود الإقتصادي” وفق صحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر 2025 ويتوقّع أن يصبح خوسيه أنطونيو كاست من أَقْطاب تيار “إعادة تشكيل اليمين الأمريكي الجنوبي” الحاكم حاليًا والمساند للعدوان الصهيوني، بدعم من الولايات المتحدة التي تُهدّد الأنظمة التي لا تلائمها في الجُزْء الجنوبي من القارة الأمريكية.
يُتوقّع أن تستفيد حكومة اليمين المتطرف في تشيلي من ارتفاع الإستثمار في استخراج وصناعة النحاس، مدفوعًا بارتفاع الطلب العالمي، مما قد يُؤدي إلى دورة اقتصادية ضخمة تُفيد الحكومة الجديدة لتتمكن من فرض برنامج الرئيس خوسيه أنطونيو كاست خلال السنوات القادمة، قبل الإنتخابات التي سوف تجري بعد أربع سنوات، ولذا فإن الطبقة العاملة التشيلية سوف تواجه تحدّيات على جبهتين مترابطتين: مقاومة الإصلاحات الرجعية للحكومة الجديدة، والقدرة على صياغة معارضة اجتماعية لا تخضع للقيادة “التقدمية” المسؤولة عن عودة الفاشية وإهْدار تضحيات سنوات من النضال ضد صعود اليمين المتطرف، والمطلوب الآن تجاوز الدفاعات الجزئية والإلتزام بإعادة تنظيم استراتيجية جديدة لليسار التشيلي تتناسب مع هذه اللحظة التاريخية الجديدة.
تجارب اليسار في أمريكا الجنوبية
اعتمدت حكومة بوليفيا التقدّمية برئاسة إيفو موراليس على عائدات الموارد الطبيعية لتحقيق تحسينات في مستويات المعيشة ووسعت سيطرة الدولة على الموارد الطبيعية، لكن اعتمادها على استخراج المعادن التي يرتبط سعرها بالأسواق العالمية، جعلها تمر بصعوبات أدّت إلى تصاعد التوترات السياسية، ولم تتمكن الحكومة من تعبئة المجتمع بما يتجاوز الولاء الانتخابي، وبلغت الأزمة ذروتها بانقلاب سنة 2019 والعودة المؤقتة للقوى اليمينية والعنصرية – المُعادية لحقوق الشعوب الأصلية – علنا، فكان ذلك تذكيرا بأن الإصلاحات الجزئية تبقى سطحية وهشّة ولا تُشكّل تحولا عميقا للسلطة والعلاقات الطبقية، مما يتيح عملية الإرتداد…
تمثل تجربة أندريس مانويل لوبيز أوبرادور (AMLO) في المكسيك نموذجًا آخر ضمن نفس المنطق، فرغم الخطاب المناهض للنيوليبرالية ورغم البرامج الإجتماعية التي حسنت ظروف قسم هام من الفقراء، تجنب مشروع مشروع الرئيس مانويل اوبيز أوبرادور أي مواجهة جِدّية مع المصالح الأساسية للرأسمالية المكسيكية، وظلت الأعمال التجارية الكبرى والقطاع المالي والإطار الاقتصادي بين الولايات المتحدة والمكسيك كما هي، في حين توسعت العَسْكَرة باسم الأمن، ولذا لم يقطع الرئيس وحكومته مع النظام السائد بل تم تغيير شكله وإلباسه ثوبًا تقدّميا، مما ترك جذور العنف وعدم المساواة والاستغلال دون حل…
تتماثل تشيلي مع هذا النمط الإقليمي تماما، فقد أثارت حكومة بوريك توقعات بقطع حاسم مع نموذج حقبة بينوشيه، لكن ومن الناحية العملية، ظلت المعاشات التقاعدية مخصخصة إلى حدّ كبير، وظلت القطاعات الاستراتيجية في أيدي القطاع الخاص، واستمر انعدام الأمن الوظيفي وهشاشة العاملين، كما أدى انهيار عملية مراجعة الدستور الموروث عن الجنرال بينوشيه ( دستور عام 1980) وأدّى تراجع الحكومة إلى الوسطية المؤسسية إلى تعميق الإحباط الشعبي، كما هو الحال في البرازيل وبوليفيا والمكسيك، حيث يؤدِّي عدم القطع مع المنطق الرأسمالي إلى تحويل الأمل إلى خيبة أمل، وخيبة الأمل إلى انسحاب سياسي أو دعم للقوى الرجعية.
تشير هذه التجارب إلى استنتاج أوسع، يتمثل في تطبيق الحكومات “التقدمية” أو “اليسارية” نُسخة منقحة من الدّيمقراطية الإجتماعية التي تطبق قواعد الرأسمالية تحت تسمية “اقتصاد السوق الإجتماعي” فتخفف من بعض القوانين المجحفة، وتعيد توزيع حصة محدودة من الثروة وتوفر الإغاثة المؤقتة، ولكنها لا تتحدى الآليات التي تعيد إنتاج الاستغلال وانعدام الأمن الغذائي والوظيفي، وبعض الإجراءات الإصلاحية الطفيفة التي لا تُؤَدِّي إلى التحرر، بل إلى إعادة تدوير البؤس الشعبي، مما يفسح المجال لخيبة الأمل و التشاؤم بسبب تكرار نفس التجارب التي تنتهي بمآسي، كما يؤدّي هذا الوضع إلى الفراغ السياسي بفعل تقارب برامج وممارسات اليمين واليسار…
خاتمة
تُعدّ الإنتخابات في تشيلي حدثًا محلّيًّا وطنيا ولكنها إنذار لليسار الذي يكتفي بتغييرات سطحية طفيفة ويُبقِي على أُسُس النظام الرّأسمالي بدل القَطْع معه، وفي نفس الوقت وصل اليسار إلى السلطة في أمريكا الجنوبية أو في سريلانكا أو في نيبال أو غيرها، في إطار وفاق أو بالفوز في انتخابات عامة تم تنظيمها وفق دستور أعدّته البرجوازية ليخدم مصالحها، ولتتمكن قوى أخرى تتبنى الفكر التقدمي أو اليساري من الوصول إلى السلطة عند حدوث الأزمات، وبذلك تبقى أُسُس النظام الرأسمالي قائمة ومَحْمِيّة بالدّستور، وإذا ما فَرَضَ ميزان القوى دستورًا ديمقراطيا أو تقدّميا فإن أي سلطة يمينية يمكنها الإلتفاف عليه لأن الدّستور فضفاض ويُحدّد الخطوط العامة، فيما تُدْرِج القوانين بعض التفاصيل، ثم تأتي المراسيم لتفسّر مغزى وأهداف القوانين وأخيرًا تُحدّد المناشير الحكومية والوزارية طريقة تطبيق القوانين التي يحاول الشرطي والقاضي والموظف الحكومي تأويلها لصالحه أو لغير صالح المواطن…
لم يطرح أو لم يتمكّن أو لم يُرِد اليسار في أمريكا الجنوبية وضْع حدّ لهيمنة الكنيسة والأثرياء على قطاعات التعليم والصحة والإعلام ( والتقاعد في تشيلي والأرجنتين)، ولم يحصل على ميزان قوى يُمكّنه من تغيير الدّستوزر ليكون في خدمة الكادحين والفُقراء، باستثناء فنزويلا، مع نواقص عديدة، كما يعتمد اقتصاد العديد من بلدان أمريكا الجنوبية ( وغيرها) على المواد الأولية واستخراج النفط والغاز والمعادن، والإرتهان لتقلبات الأسعار في الأسواق العالمية، واكتفى اليسار بتوزيع بعض الفُتات على العاملين وعلى الفُقراء، وعندما تنخفض أسعار المواد الخام والمعادن تنخفض موارد الحكومة فتخفض أو تُلغي المِنَح والإنفاق العام، مما يُثير خيبة الأمل والغضب وسحب التّأييد لمثل هذه الحكومات…
تُشير جميع الدّلائل إلى عودة مرحلة الدّكتاتورية العسكرية، بدون ضُباط أو بدون بينوشيه في تشيلي، من خلال انتخابات ديمقراطية، كما حصل في إيطاليا وألمانيا، خلال فترة ما بَيْن الحَرْبَيْن العالميّتَيْن، وكما يحصل في العديد من البلدان الأوروبية حيث يحكم اليمين المتطرف ( إيطاليا مثلا) أو يُشارك في السلطة ( أوروبا الشمالية وهولندا والنمسا وسويسرا…) أو على أبواب السلطة كما في فرنسا وعدد من البلدان الأخرى، مثل إسبانيا والبرتغال واليونان…
يندرج انتصار اليمين المتطرف ضمن موجة من انتصارات اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وفي أوروبا وأمريكا الجنوبية، بدعم أمريكي، مما يؤكّد الحاجة المُلِحّة لبناء جبهة تقدّمية مناضلة داخلية، وجبهة دولية مناهضة للفاشية وداعمة لحقوق الكادحين والفُقراء والشّعوب الأصلية والأقليات والنساء والمهاجرين ومناضلي المنظمات الأهلية والنقابية والسياسية والإجتماعية…
2026-01-17