بيان المتوسط الأخير!
مهدى مصطفى
التحالف حول البحر المتوسط صار مسألة وجود، وخيارا فكريا وثقافيا، هذا البحر الذى صنع الذاكرة الإنسانية، وحمل الحضارات بين ضفتيه، يقف اليوم على حافة التحول من فضاء معنى إلى ممر قوة عمياء، وهذا التحالف المطلوب هو خط الدفاع الحضارى الأخير قبل انكسار العالم إلى كتل صماء، تحكمها الغلبة.
العالم يعيش زمنا فاصلا، فهناك خطر ساحق يزحف من كل الجهات، ونظام دولى يتآكل ببطء محسوب، وحروب تدور بإيقاع دائم، وأساطيل تتحرك قبل البيانات، وعقول مغلقة تصنع المصائر، فيما تراقب الشعوب المشهد، وكأنه بعيد.
فى هذا السياق، يغدو تحالف الحضارات ضرورة حياة، ويغدو المتوسط قلب هذا التحالف، لأنه نقطة التقاء الذاكرة والمعنى والإنسان.
سلام القوة الأمريكى خرج عن الإطار النظرى إلى حيز الممارسة الشاملة، تحول من جمهورية قامت على رفض الملوك إلى نموذج سلطوى يستدعى صورة الإمبراطور، فأمريكا التى رفضت موقع الملك منذ التأسيس خوفا من تجربة الملك الإله فى أوروبا، تعود اليوم إلى النموذج نفسه، والشارع الأمريكى يشعر بالخطر، يحتج ويقاوم ويخشى الانزلاق الذى يقود إلى إمبراطورية، وكل إمبراطورية تحمل فى جوفها بذور الفناء.
الحرب خرجت من دائرة الاحتمال، واندلعت على مساحة شاسعة تمتد من فنزويلا وجزيرة جرينلاند إلى إيران، وما يظهر من أزمات متفرقة، يتكشف أنه مسرح واحد لحرب عالمية ثالثة، تدار بسرعة وقسوة، وتحشد لها الأساطيل بهدف وحيد، نصر دون كلفة على المهاجمين، نصر بالوكالة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعى، والحروب السيبرانية التى تترك الدول خاوية من القدرة على القرار.
النظام الدولى يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويتراجع من استدعوا التاريخ لصناعة إمبراطوريات جديدة، ويتراجع من حلموا بخلافات عتيقة، والأوهام تتكسر، حتى تلك التى بدت منتصرة بقوة السلاح الهجين، فاللعبة خرجت عن السيطرة، والوحش الذى أطلقوه يتجه إلى التهام الجميع.
أوروبا تقف مكشوفة الأعصاب أمام الطموح الأمريكى، عالم قديم اسمه أوراسيا يستنزف، ويقسم، وعالم جديد مغلق يمنع أى قوة من دخوله، حتى الحليف الأوروبى، تنتزع منه الجغرافيا، والمساحات تضاف إلى أمريكا العظمى فى النصف الغربى، فيما تقف أوروبا مرتبكة، بلا مخالب ولا قدرة على الرد.
آسيا الغربية تجاوزت توصيف الساحة إلى مكان تصفية الحسابات، وصارت حصادا لأفكار زرعت منذ عقود، والمنطقة عرفت الخطر أو تركت نفسها ميدانا لاختبار القوة الاستعمارية القديمة، حتى جاء وقت الحصاد، وبدأ اقتلاع البشر والجغرافيا معا، فالحرب هنا صامتة ودائمة، وهى حرب على الوعى، وعلى الاقتصاد، وعلى معنى الدولة نفسه.
الخطر الأكبر يتجاوز الإقليم، والمسألة العربية قد تتحول إلى بند إدارى قابل للتسوية، وأوروبا نفسها تصبح مسألة قابلة للتفاوض، وجنوب المتوسط يقف أمام سؤال الوجود، فالوقود البشرى حاضر حين يغيب الوعى، والمصير واحد لمن يتأخر عن إدراك اللحظة.
أوروبا التى عبرت المتوسط منذ الحضارات القديمة ولم تستطع البقاء كاستعمار، تواجه اليوم زوالا رمزيا، فانتصارات الأمس منحتها شعورا بالاطمئنان، ثم اكتشفت هشاشتها، وباتت مجرد أعصاب عارية تتنفس بصعوبة، فى صورة تختصر لحظة العالم الراهنة.
ومن هنا تمكن الضرورة لبناء تحالف حضارات حول البحر المتوسط، تحالف أنداد وليس تابعين، تحالف ثقافى حضارى يسبق أى بعد آخر، تحالف يعيد للإنسان مكانته، وللمعنى سلطته، وللذاكرة دورها، تحالف يتسع لثقافات الجنوب والشمال، ويقيم توازنا فى عالم فقد توازنه.
هذه محاولة أخيرة للبقاء واقفين قبل طوفان الملك الأمريكى وتوابعه، الذين يدهسون الكوكب بحثا عن النفط والمعادن النادرة والسيطرة.
ثمة أصوات فى أوروبا وأمريكا تحذر من اندفاع فريق متعصب، يرى فى البشر فائضا، وأرقاما قابلة للتضحية.
بيان المتوسط هذا دعوة مفتوحة ضد منطق الإبادة الرمزية، وضد الهيمنة العمياء، فالوقت يضيق، والتاريخ لا ينتظر أحدا.
2026-01-15