مذكرات ساركوزي عن سجنه الوجيز:بؤس الزنزانة المخملية!
سعيد محمد*
يُفترض بأدب السجون أن يكون وثيقةً إنسانية تعري توحش السلطة والسحق الممنهج لكرامة الفرد خلف الجدران الباردة. لكن، نيكولا ساركوزي، مهندس السياسات النيوليبرالية والرئيس الفرنسي الأسبق، بينما يدون يومياته في سجن “لا سانتيه”، حوّل هذا الجنس الأدبي الرفيع إلى فذلكة هزلية ملؤها النرجسية الفجة والعمى الطبقي. إن كتاب “يوميات سجين” ليس مجرد سرد لتجربة برجوازي سجن لفترة قصيرة – لم تتجاوز العشرين يوماً -؛ إنه بيان سياسي خطير يعكس تحولات عميقة في بنية اليمين الفرنسي، ومحاولة يائسة من نخبوي فاسد لإعادة تدوير نفسه عبر بوابة المظلومية واحتضان الفاشية الجديدة.
في زنزانة مساحتها 12 متراً مربعاً، مجهزة بتلفاز وثلاجة ومكتب، ومجاورة لزنزانة حراسه الشخصيين، يعيد ساركوزي – “السجين رقم 320535” – تعريف “الجحيم” ليصبح مجرد فقدان للامتيازات البرجوازية الفائقة، في حين يرزح السجناء الحقيقيون في فرنسا تحت وطأة الاكتظاظ والعنف والإهمال الطبي. خطاب مبتذل يكشف عن هشاشة النخبة عند مواجهة جزء يسير مما تفرضه على الآخرين، ويعري عقلية الاستحقاق المقيتة التي ترى في أي مساءلة قانونية لها تعدياً على قدسية مكانتها.
بيد أن الأخطر في هذه المذكرات يتجاوز بكائيات الرفاهية المفقودة، ليصل إلى الجوهر السياسي للكتاب. يُقدم ساركوزي في نصه عرضاً سياسياً مغرياً لليمين المتطرف، مكشراً عن أنياب تحالف طبقي جديد يتشكل في الأفق. إن إشادته الصريحة بمارين لوبان، وامتنانه لدعمها له خلال محنته القضائية، يمثلان لحظة مفصلية في سقوط “اليمين الجمهوري” التقليدي. يرفض ساركوزي بشكل قاطع استراتيجية “الجبهة الجمهورية”، ذلك العرف السياسي الذي طالما جمع اليسار واليمين المعتدل لقطع الطريق على وصول اليمين المتطرف للسلطة. وبتصريحه أن حزب التجمع الوطني (حزب لوبان) “لا يشكل خطراً على الجمهورية”، يمنح صك براءة تاريخي لورثة الفاشية، مشرعاً الباب أمام تحالف عضوي بين كل ما هو على اليمين إلى أقصاه. تقارب يعبر دون شك عن رغبة الرأسمالية الفرنسية في البحث عن حارس جديد لمصالحها في ظل تآكل القوى التقليدية، حتى لو كان هذا الحارس يحمل ما يحمله من العنصرية وكره الأجانب.
علاوة على ذلك، يمارس ساركوزي في كتابه عملية “تبييض” ممنهجة لسجل فساد طويل، محاولاً تقمص دور الضحية السياسية. تصل نرجسيته حد هذيان حين يقارن نفسه بألفريد دريفوس، الضابط اليهودي الذي تعرض لظلم تاريخي بسبب مناخ معاداة السامية. هذه المقارنة الفاسدة تمثل استخفافاً بالتاريخ وتزويراً للحقائق؛ فساركوزي لم يُسجن بسبب دينه أو عرقه، ولم يكن ضحية مؤامرة عسكرية، وإنما أدين في قضايا تتعلق بفساد مالي وتلقي أموال من النظام الليبي لتمويل حملته الانتخابية وتبدو محاولتة تحويل قضية “التمويل الليبي” إلى “مؤامرة يسارية” أو “انتقام قضاة” أقرب إلى تكتيك شعبوي يهدف إلى تدمير ثقة الجمهور في المؤسسات القضائية وتصوير الفاسدين كأبطال تراجيديين يحاربون “الدولة العميقة”.
وفي سياق تصفية الحسابات، لا يفوت ساركوزي الفرصة لجلد ربيبه السابق، إيمانويل ماكرون. إلا أن نقد الرئيس الأسبق للرئيس الحالي لا ينبع من خلاف مبدئي حول السياسات التي أفقرت الفرنسيين، بل من منطلقات شخصية بحتة تتعلق بـ “غياب الشجاعة” للاتصال به أو سحب وسام جوقة الشرف منه. هذا العتاب بين “الأصدقاء-الأعداء” يكشف عن خواء الصراع السياسي داخل النخبة الحاكمة؛ فهو إطلاقاً لا يتعلق بالبرامج أو الرؤى، بل كما دائماً، صراع ذوات متضخمة (إيغوز)، تتنافس على الرموز والمكانة، بينما يغرق المجتمع في أزماته المعيشية.
كتاب “يوميات سجين” وثيقة إدانة لكاتبه أكثر مما هو مرافعة دفاع، وكشف متجدد عن الوجه القبيح لنخبة سياسية لا تتورع عن التحالف مع الشيطان لحماية مصالحها، ولا تخجل من التباكي على رفاهيتها المفقودة بينما تدفع بالمجتمع نحو الهاوية. ويجب أن يقرأ كتحذير: التحالف بين الليبرالية المتوحشة والفاشية الصاعدة قد بدأ بالفعل، وتم تدشينه على يد الفاسد من داخل زنزانة مكيفة في باريس.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68

– لندن
2025-12-19