قمة برلين ترسم ملامح تسوية قريبة للصراع في أوكرانيا!
كييف تقايض عضوية “الناتو” بضمانات أمنية
تدخل الأزمة الأوكرانية منعطفاً حاسماً هذا الأسبوع مع نشاط دبلوماسي مكثف بدأ الأحد من برلين لتوحيد مواقف الفرقاء الغربيين تجاه خطة تسوية أمريكية تلحظ المطالب الروسية
سعيد محمد *
قد يكون العالم بصدد للتوصل إلى تسوية للأزمة الأوكرانية بعد نحو أربع سنوات من الحرب، حيث شهدت العاصمة الألمانية برلين، خلال اليومين الماضيين حراكاً دبلوماسياً مكثفاً يرى المراقبون أنه يرسم الملامح الأخيرة للصراع. وفي تحول استراتيجي لافت، أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداداً غير مسبوق للتخلي عن مطلب نظامه بعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مقابل الحصول على ضمانات أمنية ثنائية صارمة، وذلك تحت وطأة ضغوط أمريكية هائلة يقودها مبعوثو الرئيس دونالد ترامب للدفع بخطة سلام تتضمن تنازلات جغرافية وسياسية مؤلمة.
هذا الحراك أتى في خلفية استضافة المستشار الألماني فريدريش ميرتز قمة مصغرة تضم قادة أوروبيين بارزين ومسؤولين أمريكيين، في محاولة لتوحيد الرؤى قبل القمة الاتحاد الأوروبي المرتقبة في بروكسيل، وسط انقسام أوروبي داخلي حول مسألة تمويل كييف وتصلب روسي تجاه المقترحات المطروحة.
وفي خطوة وصفت بأنها “تنازل الضرورة”، أقر الرئيس الأوكراني خلال محادثات مغلقة مع الصحفيين عبر تطبيق واتساب، بصعوبة انضمام بلاده إلى حلف الناتو في المستقبل المنظور، عازياً ذلك إلى المعارضة الروسية الشرسة التي تضع حياد أوكرانيا شرطاً غير قابل للتفاوض، وطرح بدلاً من ذلك صيغة بديلة تتمثل في الحصول على ضمانات أمنية ثنائية من الولايات المتحدة ودول محورية.
وقال زيلينسكي: “نحن نتحدث عن ضمانات أمنية ثنائية بين أوكرانيا والولايات المتحدة، وتحديداً ضمانات تشبه المادة الخامسة (من ميثاق الناتو)، بالإضافة إلى ضمانات مماثلة من شركائنا الأوروبيين ومن دول أخرى مثل كندا واليابان”. وأضاف الرئيس الأوكراني واصفاً هذا التحول: “هذا بحد ذاته يعد حلاً وسطاً من جانبنا”.
وتشير المادة الخامسة في ميثاق الناتو إلى مبدأ الدفاع المشترك، حيث يعتبر أي هجوم على عضو في الحلف هجوماً على الجميع. وتسعى كييف عبر هذه الصيغة إلى تأمين مظلة حماية رادعة لأي عدوان روسي مستقبلي دون استثارة موسكو بمسألة العضوية الرسمية في الحلف، وهي نقطة التوازن الدقيقة التي يحاول المفاوضون الغربيون صياغتها قانونياً وسياسياً.
وكانت أروقة المستشارية الألمانية في برلين شهدت مفاوضات ماراثونية استمرت خمس ساعات أمس الأحد، جمعت زيلينسكي بفريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ضم صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف. وتركزت النقاشات حول الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب، والتي قوبلت بتحفظات أوكرانية شديدة، لا سيما فيما يتعلق بالترتيبات الجغرافية.
وتتضمن الخطة مقترحاً بإنشاء “منطقة اقتصادية حرة” منزوعة السلاح في أجزاء من شرق أوكرانيا، وتحديداً في منطقة الدونباس. ويتطلب هذا المقترح انسحاب القوات الأوكرانية من حزام القلاع الدفاعي الذي يضم مدناً استراتيجية فشلت موسكو في السيطرة عليها عسكرياً، مثل كراماتورسك وسلوفيانسك.
وبحسب مطلعين على أجواء المفاوضات، فقد رفض زيلينسكي هذا الطرح بشدة، واصفاً إياه بغير العادل. وتساءل: “إذا انسحبت القوات الأوكرانية مسافة خمسة إلى عشرة كيلومترات، فلماذا لا تنسحب القوات الروسية أيضاً إلى عمق الأراضي المحتلة بنفس المسافة؟”. وأكد أن هذا السؤال لا يزال بلا إجابة، واصفاً القضية بأنها “حساسة للغاية وساخنة”.
وفي المقابل، طرحت كييف رؤيتها القائمة على مبدأ “نقف حيث نقف”، أي تجميد الصراع عند خطوط التماس الحالية دون انسحابات أحادية الجانب، معتبرة أن أي انسحاب من المدن المحصنة سيعني تسليمها لروسيا سياسياً بعد أن عجزت عن أخذها عسكرياً.
على الجانب الآخر من المعادلة، تبدي موسكو تشدداً واضحاً تجاه المبادرات المطروحة. فقد استبقت القيادة الروسية قمة برلين بتصريحات يوري أوشاكوف، مستشار السياسة الخارجية للرئيس فلاديمير بوتين، الذي قلل من فرص نجاح خطة ترامب، مؤكداً أن روسيا سترفض “على الأرجح” جميع المقترحات المقدمة من أوكرانيا وأوروبا.
وأوضح أوشاكوف أن روسيا لن تقبل بأقل من السيطرة الكاملة على منطقة الدونباس، نافياً وجود أي نقاشات حول “سيناريو كوري” (تجميد الحدود الحالية). واعتبر أن المقترحات الغربية “من غير المرجح أن تكون بناءة”، محذراً من “اعتراضات حادة” إذا تبنت واشنطن المقترحات الأوكرانية المعدلة التي أرسلتها كييف الأسبوع الماضي ولم تتلق رداً عليها بعد.
من جهته، أكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أمس الاثنين، أن عدم انضمام أوكرانيا للناتو يظل قضية جوهرية بالنسبة لروسيا، ما يعزز القناعة بأن التنازل الأوكراني الأخير قد يكون شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ لإقناع موسكو بوقف الحرب.
هذا وتواجه القارة الأوروبية أسبوعاً مصيرياً، حيث يسعى القادة الأوروبيون لإثبات قدرتهم على التأثير في مسار التسوية قبل أن تفرض واشنطن وموسكو حلاً قد يكون على حساب الأمن القومي الأوروبي. ويقود المستشار الألماني فريدريش ميرتز جهوداً لتوحيد الصف، مستخدماً لغة تحذيرية حادة شبه فيها طموحات بوتين التوسعية بممارسات حقبة الحرب العالمية الثانية، قائلاً: “كما لم تكن سوديتنلاند كافية (للزعيم النازي أدولف هتلر) في عام 1938، فإن بوتين لن يتوقف”. وكان الزعماء الأوروبيّون حينذاك قد وافقوا على مطلب الفوهرر بضم إقليم السوديت إلى ألمانيا، بحجة حماية الأقليات الألمانية المضطهدة هناك ووقعوا ما صار يعرف باتفاق ميونيخ سعياً لتجنب الحرب، لكن بعد أقل من ستة أشهر، خرقت ألمانيا الاتفاق واحتلت باقي أراضي تشيكوسلوفاكيا، ثم غزت بولندا، ما أشعل الحرب العالمية الثانية.
وشهدت برلين أمس انضمام قادة تحالف الراغبين إلى المحادثات، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك، وقادة دول الشمال الأوروبي. وصرح ستوب الذي ينظر إليه كما سفير لترامب في أوروبا نظراً لعلاقته الجيدة بالإدارة الأمريكية الجديدة: “ربما نكون أقرب إلى اتفاق سلام مما كنا عليه في أي وقت خلال السنوات الأربع الماضية”.
لكن هذا التناغم الدبلوماسي قد يصطدم بواقع اقتصادي وسياسي منقسم داخل الاتحاد الأوروبي. فمع اقتراب القمة الأوروبية في بروكسيل يوم الخميس المقبل، تتصاعد الخلافات بين الدول الأعضاء حول خطة استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل قرض بقيمة 210 مليارات يورو لأوكرانيا. وانضم رئيس الوزراء التشيكي الجديد، أندريه بابيش، إلى المعسكر المعارض للخطة الذي تقوده بلجيكا وإيطاليا، قائلاً بصراحة: “لن نأخذ ضمانات لأي شيء ولن نضع أي أموال”.
ويشكل هذا التباين في المواقف تحدياً وجودياً لمصداقية الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد تصريحات ترامب الأخيرة التي وصف فيها القادة الأوروبيين بـ”الضعفاء والمترددين”. ويخشى الدبلوماسيون في بروكسيل أن يؤدي الفشل في تمرير حزمة المساعدات إلى إضعاف الموقف التفاوضي لأوكرانيا بشكل قاتل، مما يجعلها لقمة سائغة لتفاهم أمريكي/روسي.
إذن أسبوع أوروبي حافل قد يتضح مع نهايته شكل التسوية المرتقبة للنزاع في أوكرانيا، ويتكرس بنتيجتها نظام جديد للعلاقات الدولية يحكمه المنطق البارد للقوة المحض.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-12-17