فرنسا:
ماكرون يائس ورئيس وزرائه يعرض التّنازل عن منجز “التقاعد”!
التنازل الذي قدمه سيباستيان ليكورنو بتعليق إصلاح التقاعد يلخص أزمة “الماكرونية”: تكتيك البقاء الأخير لرئيسٍ معزولٍ محاصر بين مطرقة الدائنين وسندان البرلمان، يقايض فيه أهم انجازاته الأيديولوجية ببضعة أسابيع من الوقت في السلطة
سعيد محمد*
يتجاوز التراجع المذهل الذي قدمه سيباستيان ليكورنو، بعرضه تعليق التطبيق الكامل لقانون رفع سن التقاعد حتى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة (عام 2027)، كونه انتصاراً متأخراً لاحتجاجات 2023، ليصبح استجابة مباشرةً وصريحةً للغةٍ أخرى لا يفهم إيمانويل ماكرون سواها: لغة الأسواق. لقد تجاهل ماكرون، في ذروة غطرسته، تلك الاحتجاجات الشعبية التاريخية وفرض قانونه بالقوة مستخدماً سلاح المادة 49.3 الدستوريّ. أما اليوم، فإن تراجعه المذهل يُقرأ في ضوء الإشارات الحمراء الوامضة على شاشات الأسواق المالية.
إن ما طرحه رئيس الوزراء المكلف للمرة الثانية هو فعل إذعانٍ بائسٍ. لقد نجح ماكرون في قمع الطبقة العاملة، لكنه فشل في طمأنة الطبقة التي يمثلها: طبقة رأس المال. جاء تنازل ليكورنو استجابة مباشرة لسلطة فوق الإليزيه والبرلمان مجتمعين: سلطة أسواق السندات.
فلكي يتمكن ليكورنو (الثاني) من تمرير ميزانية تقشفٍ قاسيةٍ (تطالب بها الأسواق)، كان عليه أولاً أن يقدم تضحية رمزية ومكلفة (قانون التقاعد) لشراء الصمت المؤقت للحزب الاشتراكيّ. إنه يحاول إطفاء حريق سياسيٍّ في البرلمان، ليمنع انفجاراً مالياً في البورصة. هذه المناورة، التي قد تسمح له بالنجاة من تصويت سحب الثقة، لا تحل الأزمة، وإنما تعمقها وتكشف عن التناقض النهائي للمشروع الماكرونيّ: لقد بات النظام عاجزاً عن تلبية متطلبات رأس المال دون أن يفقد شرعيته السياسية، وبات عاجزاً عن استرضاء القوى السياسية دون إثارة هلع رأس المال.
لفهم دوافع استسلام ماكرون الآن، ينبغي النظر إلى الأرقام التي أرعبت النخبة المالية الفرنسية والأوروبية. فالشلل السياسيّ في باريس لم يعد مجرد دراما سياسية داخلية، بل تحول إلى نزيف مالي تُسعّره الأسواق يومياً. فلأول مرةٍ، ارتفعت تكاليف الاقتراض الفرنسيّ لأجل عشر سنوات لتتجاوز نظيرتها الإيطالية. هذا الانقلاب، الذي كان أمراً غير واردٍ حتى وقت قريب، هو أكثر من مجرد إشارة تقنية؛ إنه حكمٌ مبرم من السوق بأن ثاني أكبر اقتصادٍ في منطقة اليورو بات أكثر خطورة من الاقتصادات “الطرفية” التي طالما نُظر إليها بتعالٍ. لقد فقدت فرنسا ثقة الأسواق في قدرة نظامها السياسيّ على “الحكم بشكل فاعل”، على ما يقول محمد العريان في الفاينانشيال تايمز.
الضربة الثانية كانت اتساع الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية إلى أكثر من 85 نقطة أساس. هذا الفارق لا يجعل خدمة الدين الفرنسيّ البالغ 114% من الناتج المحليّ الإجماليّ أكثر تكلفةً فحسب، بل يهدد بكارثة ماليّة لمنطقة اليورو بأكملها، ويعقّد مهمة البنك المركزيّ الأوروبيّ. لقد تحولت فرنسا من “قاطرة” تجر أوروبا إلى عربة معطلة تهدد بإخراج القطار برمته عن مساره.
غير أن تصويت رأس المال تجاوز سوق السندات، ليتحول إلى تصويت فعليٍّ “بالأقدام”. فقد حفلت صحف باريس بتقارير متزامنة عن تسارع وتيرة هروب رؤوس الأموال من قبل الأثرياء ورجال الأعمال الفرنسيين نحو “ملاذات آمنة” تقليدية مثل لوكسمبورغ وسويسرا، وسجلت تدفقات الاستثمار الفرنسية في منتجات التأمين في لوكسمبورغ وحدها مستوى قياسياً بلغ 13.8 مليار يورو في عام 2024.
هذا “النزيف” لا يعزى فقط إلى الخشية من فوضى توصل اليسار إلى السلطة، بل بسبب الخوف من “الماكرونية” نفسها. لقد أدرك الأثرياء أن الرئيس الذي ألغى ضريبة الثروة من أجلهم، بات اليوم، في محاولته اليائسة للبقاء، مستعداً لفرض ضرائب “استثنائية” جديدة على الشركات الكبرى والثروات العالية (كما لوّح ليكورنو في خطابه) لشراء ولاء الاشتراكيين. لقد خان رأس المال الدولة التي فشلت في حمايته من نفسها، وبدأ في البحث عن ملاذٍ.
وبالطبع، فإن الأزمة المالية هي مجرد انعكاسٍ للأزمة السياسية الأعمق: لم يعد ماكرون قادراً على تمثيل مصالح الكتلة البرجوازية بشكل متماسك، وتفكك التحالف الذي أوصله إلى السلطة، وبات حلفاؤه يرون فيه العائق الأكبر أمام الاستقرار.
جاءت الرصاصة الأكثر إيلاماً ليس من جهة المعارضة، بل من قلب نظامه. فعندما خرج إدوار فيليب، رئيس وزرائه الأسبق والشخصية الأكثر شعبية في يمين الوسط، ليطالب ماكرون علناً بـالاستقالة والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، لم يكن ذلك مجرد طموحٍ شخصيٍّ. كان ذلك إعلاناً من قبل فصيلٍ وازنٍ من الطبقة الحاكمة بأن “تجربة ماكرون” قد انتهت، وأنها تبحث عن مخرجٍ منظم من الفوضى التي تسبب بها.
ماكرون، الذي هوت شعبيته إلى 14%، أصبح معزولاً تماماً. حتى تلميذه السابق، غابرييل أتال، صرح بأنه “لم يعد يفهم قرارات الرئيس”. وفي الوقت نفسه، فإن التنازل الذي قدمه ليكورنو للاشتراكيين (تعليق التقاعد) أثار غضب الحليف المحافظ الآخر الذي كان يحتاجه لتمرير الميزانية، حزب “الجمهوريين”، الذي وصف زعيمه برونو روتيو القرار بأنه “غير مفهوم”.
وهكذا، يجد ليكورنو نفسه في وضعٍ مستحيلٍ: لإرضاء اليسار المعتدل، يخسر اليمين المعتدل. ولإرضاء الأسواق، عليه تمرير ميزانيةٍ ترفضها غالبية الكتل البرلمانية. لقد استنفد ماكرون كل تحالفاته الممكنة، ولم يتبقَ له سوى المناورة يوماً بيومٍ، في فراغ سياسيّ خانق.
المعضلة الآن ميزانية 2026. يسعى ليكورنو لتمرير حزمة تقشفٍ بقيمة 30 مليار يورو لخفض العجز إلى ما دون 5%، في محاولة لتجنب المزيد من تخفيض التصنيف الائتمانيّ لفرنسا. والمفارقة المأساوية هنا أنه اضطر للتضحية بإصلاح التقاعد (الذي يوفر 1.8 مليار يورو بحلول 2027) من أجل تمرير حزمة تخفيضات أكبر بكثيرٍ.
إنه يبيع الأصول الأيديولوجية للنظام ليحافظ على استمراره في السلطة. لكن تلك مقامرة عالية المخاطر . فالحكومة، إن نجت، ستظل حكومة “زومبي”، عاجزة عن تمرير أي تشريعٍ آخر. وأي محاولةٍ لفرض الميزانية بالقوة (عبر المادة 49.3 مجدداً) ستواجه باقتراع جديد على الثقة، وهذه المرة قد لا يتردد الاشتراكيون في الانضمام إلى المعارضة.
وإذا فشل ليكورنو في النهاية، وهو أمرٌ مرجحٌ، فلن يتبقى أمام ماكرون سوى خيارين أحلاهما مرٌّ: إما حل البرلمان مجدداً، والمخاطرة بتسليم رئاسة الوزراء لجوردان بارديلا زعيم أقصى اليمين، أو الاستقالة من منصبه كما يطالبه حلفاء الأمس.
إن ما يحدث في فرنسا لم يعد شأناً فرنسياً، وبات يعرض مستقبل المشروع الأوروبيّ برمته للخطر. فالشلل في باريس سيمس دون شك بروكسيل وبرلين أيضاً. لقد اشترى ماكرون بعض الوقت بالتنازل عن قانون التقاعد، لكنه فقد ما تبقى من سلطته مؤكداً للجميع أن “الماكرونية” انتهت، وأن نظامه يعيش في وقت مستقطع في انتظار إما انفجارٍ اجتماعيٍّ، أو انهيارٍ ماليٍّ، أو صعود، يبدو بشكل متزايد محتماً، لليمين الفاشيستي إلى السلطة.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2025-10-24