“تفكيك ثقافة ثقة القيادة” ضرورة لإعادة بناء المشهد السياسي السوري!
أمجد إسماعيل الآغا*
ثقافة “ثقة القيادة” في المشهد السياسي السوري ليست مجرد ظاهرة عابرة أو عنصر هامشي يمكن التعامل معه بالتهوين أو التجاهل، بل هي نسيج ثقافي وسياسي متأصل ومتجذر بعمق في بنية المجتمع والسياسة السورية. هذه الثقافة تمثل أحد أبرز الحواجز التي تمنع نشوء نقاش سياسي حر وبنّاء، إذ تُغلق الباب أمام المشروعية الحقيقية للمساءلة والشفافية، وتكرّس نظام تبعية سياسية تجعل من تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية مطلباً معقداً وشبه مستحيل.
في جوهر هذه الثقافة هناك ميل إلى التطبيل السياسي بشكل يتجاوز الولاء البسيط للقيادة أو التماهي مع القرارات السياسية الانتقائية. هي حالة من التفويض المطلق للقيادة، حيث لا يُسمح بالنقد أو النقاش، بل يُفرض نوع من الإعجاب الأعمى الذي يخلق مناعة اجتماعية وسياسية ضد أي صوت معارض أو مشروع إصلاحي. هذا التطبيل لا يقتصر على دعم القيادة بوصفها شخصية أو مؤسسة، بل يشكل درعاً وسداً منيعاً يعزل المجتمع السياسي السوري عن الفرص التي تؤدي إلى تأسيس عقل سياسي نقدي ومنتج.
هذا العقل النقدي هو بالضرورة شرط أساسي لأي عملية تغيير حقيقية في سوريا، حيث يجب أن يتمتع المجتمع بوعي سياسي يدرك تحديات المرحلة الراهنة ويملك قدرة تحليلية تسمح بالمقارنة والتقييم والنقاش المستقل بعيداً عن خطاب الطاعة أو التبعية. غياب هذا العقل السياسي يعني أن المجتمع يجري في دائرة مفرغة من الجمود الفكري والسياسي، حيث تُكرس مواقف وآليات تتحكم بها قوى ضيقة تستغل ثقافة “ثقة القيادة” لإعادة إنتاج نفسها على حساب تطلعات الشعب الحقيقية.
علاوة على ذلك، فإن هذه الثقافة تعزز من صعوبة بناء مؤسسات مدنية وسياسية قادرة على استيعاب التنوع السوري وتقديم حلول واقعية لأزمات سورية، إذ يفضي هذا المناخ إلى توسيع الفجوة بين السلطة والمجتمع، حيث يتحول المواطن إلى متلقٍ سلبي يلتزم بالإجابات والسياسات الجاهزة التي تفرضها القيادة، بدل أن يكون شريكاً فاعلاً في صنع القرار ومراقبة الأداء، وهو ما يضعف فرص الإصلاح ويؤجل بناء دولة القانون والحقوق.
بالتالي، فإن مواجهة هذه الثقافة ليست مهمة سهلة، بل تتطلب جهوداً متضافرة على المستويات الفكرية والسياسية والاجتماعية. فهي تبدأ بكسر حاجز الخوف من النقد، وتشجيع الحوار السياسي المفتوح، وتعزيز دور التعليم والثقافة السياسية في زيادة وعي المواطن وتمكينه من ممارسة حقوقه السياسية بحرية ومسؤولية، وصولاً إلى دعم بناء مؤسسات سياسية مستقلة قادرة على ممارسة الرقابة والمساءلة الفعلية.
ما يجري اليوم في سياق مشهد مجلس الشعب وطريقة التعيين يرتبط ارتباطاً عميقاً بثقافة “ثقة القيادة”، إذ تكمن خطورة هذه الثقافة وعودتها إلى المشهد السياسي في سوريا في أنها تبرر حالة الاستبداد السياسي والتسلط، حيث يُنظر إلى القيادات وما تقرره ككيانات فوق النقد. بالتالي، فإن ترسيخ سياسات تُلغي الإرادة الشعبية وتقفز فوق مطالب الشعب يُغيب النقاش السياسي الفعلي ويفرض جموداً فكرياً وسياسياً. هذا الإعجاب الأعمى بالقيادة وسياساتها يخنق المبادرات الفردية والجماعية التي قد تفتح آفاقاً جديدة للتغيير، ويخلق حالة من التبعية الذهنية التي تصعّب نشوء مشاريع سياسية حداثية وواقعية.
إن بدء أي مشروع تغيير داخلي وجذري في سوريا لا يمكن أن يُنجز دون تفكيك ثقافة “ثقة القيادة” نقدياً؛ فهي أداة تثبيت للهيمنة وتجسيد لرغبة البقاء في السلطة بأي ثمن، حيث أن إزالة مفعولها تعني تحرير الوعي السياسي وإطلاق الحريات السياسية الديمقراطية التي توفّر فضاءات نقاش حيّ وجماعيّ، وتشكّل قواعد جديدة لبناء المؤسسات الوطنية وفقا لمنطق المشاركة والشفافية والمساءلة.
ثقافة الولاء المطلق ليست مجرد عائق أمام التقدم السياسي والاجتماعي، بل تمثل سبباً جوهرياً في أزمة الثقة العميقة بين المواطن والدولة. المواطن الذي يعيش في ظل سياسات التبعية والتقيد الأعمى بالقيادة يفقد الشعور بالانتماء والقدرة على التأثير في مصيره، مما يولد حالة من العزوف واللامبالاة التي تعوق قيام علاقة مستدامة وصحية بين الحاكم والمحكوم. هذه الأزمة في الثقة تقود إلى تفكك النسيج الوطني، وتضعف الأسس الاجتماعية والسياسية التي تقوم عليها أي دولة مستقرة وفعالة.
نقد ثقافة “ثقة القيادة” ليس مجرد ترف فكري أو نقاش نظري محض، بل هو ضرورة وطنية عاجلة وأساسية من أجل إعادة بناء المشهد السياسي السوري على أسس سليمة وشفافة. هذه الثقافة، التي تكرس فكرة أن القادة فوق النقد والمسائلة، وأن سياساتهم يجب أن تُتبع أو تُكرس، تحرم المجتمع من أبسط حقوقه الديمقراطية في المشاركة الفعالة واختيار ممثليه بحرية كاملة. فغياب النقد والرقابة يقود إلى تعميق الاستبداد وتجديد دورة التسلط التي تكرس سلطة غير محدودّة ومتحكم بها خلال أدوات التعيين والسيطرة السياسية، ويُبعد النقاش السياسي عن الحيز الحقيقي للنقاش العام.
إن إعادة نقد هذه الثقافة تُمثّل انفتاحاً على رؤية جديدة للمواطنة الحقة التي توازن بين الحرية الشخصية والمسؤولية الجماعية، حيث يتم بناء نظام سياسي يحقق قدرات الشعب على اتخاذ القرار ومراقبة الأداء السياسي. في هذا الإطار، يجب أن ترتكز قواعد النظام على حرية الاختيار التي تعبر عن إرادة الشعب، لا على الولاءات الشكلية أو التبعية الذهنية التي تقمع المبادرات الفردية والجماعية.
الانخراط في نقد هذه الثقافة هو أيضاً خطوة ضرورية للكشف عن آليات السلطة الحقيقية التي تحكم سوريا اليوم، ولتحدي القوالب التقليدية التي تُسقط النقاش السياسي ضمن دائرة مغلقة من الولاءات والامتيازات الشخصية. بهذا النقد يُمكن إعادة رسم مصير سوريا ومستقبلها على قواعد تمكّن من بناء نظام سياسي مقبول ومعتدل، يعكس حقيقة تنوع المجتمع السوري ويضمن تمثيلاً فعلياً لشعبه دون إقصاء أو إلغاء للإرادة الشعبية.
كاتب وباحث سياسي.
2025-10-05