العرب: ثقافة موت وليست ثقافة حياة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
منذ قرون والعقل العربي يعيش في حالة من الانشداد إلى الماضي، حتى بات التاريخ بالنسبة لنا أكثر حضورًا من الحاضر ذاته. فنحن أمة تُعرّف نفسها عبر ما كان، لا عبر ما يمكن أن يكون. نغرق في أمجاد الفتوحات والغزوات، نُقدّس الموت في سبيل فكرة، بينما نهمل بناء الحياة في سبيل إنسان.
ثقافتنا العربية في جانب كبير منها، تحولت إلى ثقافة موت. لا أعني الموت البيولوجي فقط، بل الموت الرمزي والفكري والوجودي. فقد استقر في وعينا الجمعي أن البطولة تُقاس بمدى القدرة على الفداء والتضحية بالنفس، لا بمدى القدرة على إنتاج العلم والمعرفة والحضارة. يُعلّم الطفل منذ نعومة أظفاره أن المثل الأعلى هو الشهيد، بينما يغيب عن مخيلته صورة العالِم أو المخترع أو المصلح الاجتماعي.
إن تقديس الماضي جعلنا أسرى لعصور مضت، نُحاكم الحاضر بمعايير القرون الوسطى، ونقيس المستقبل على ما كان لا على ما يجب أن يكون. وعوض أن نستلهم التاريخ كخبرةٍ تُعيننا على التقدّم، جعلناه سجنًا نُعيد داخله إنتاج ذاتنا، فنكرر ذات الصراعات، ونكرّس ذات الانقسامات.
في المقابل، ثقافة الحياة التي تُعلي من شأن العقل والحرية والإبداع، ما تزال غريبة في بيئتنا. نُضيّق على المختلف، ونخشى النقد، ونستكثر على أنفسنا أن نعيش زمنًا نُنتج فيه قيمًا جديدة تتناسب مع واقعنا.
ثقافة الموت ليست قدرًا محتومًا. لكنها خيارٌ اجتماعي-سياسي جرى تكريسه عبر منظومات التربية والدين والسياسة والإعلام. ما لم نتحرر من هذا الانشداد المرضي للماضي، وما لم نؤمن أن قيمة الإنسان تكمن في حياته وفعله لا في موته ورمزيته، فسنظل نراوح في المكان ذاته.
لقد آن الأوان أن نعيد صياغة منظومتنا الثقافية على أساس ثقافة الحياة:
• أن يكون التعليم مشروعًا لبناء إنسانٍ ناقدٍ مبدع، لا ناقلٍ مقلّد.
• أن يُكرَّم الأحياء بإنجازاتهم قبل أن يُحتفى بالموتى.
• أن يتحول الحلم العربي من الموت في سبيل الوطن إلى الحياة الكريمة في كنف الوطن.
إن الحضارات العظيمة لم تُبنَ على الموت، بل على إرادة الحياة. وما لم نتعلم كيف نُحب الحياة ونبنيها ونُقدّس قيمتها، سيظل الماضي يبتلع حاضرنا، ويظل الموت سيّد المشهد العربي.
2025-09-13
تعليقان
يسعدني أن أتقدم إليكم بأسمى آيات التهاني والتبريكات على هذا المقال المتميز، الذي جمع بين عمق الفكرة وسلاسة الأسلوب، فأضفى قيمة معرفية وأثرًا إيجابيًا في القارئ. لقد كان جهدكم واضحًا وبصمتكم بارزة، ونسأل الله أن يوفقكم لمزيد من العطاء والإبداع.
يسعدني أن أتقدم إليكم بأسمى آيات التهاني والتبريكات على هذا المقال المتميز، الذي جمع بين عمق الفكرة وسلاسة الأسلوب، فأضفى قيمة معرفية وأثرا إيجابيًا في القارئ. لقد كان جهدكم واضحا وبصمتكم بارزة، ونسأل الله أن يوفقكم لمزيد من العطاء والإبداع.