خطيئة شارلي ايبدو
هكذا يخرق الغرب حرية الدين والمعتقد ويعمم العنف والكراهية
علي إبراهيم مطر
مرة جديدة، تشن مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية هجمة لإهانة المسلمين والمساس بالدين الإسلامي، من خلال المس بأعظم شخصية لدى المسلمين الرسول الأكرم محمد "ص"، خاتم الأنبياء وأشرفهم، نبي الرحمة والمحبة.
التعامل مع الهجوم الذي شن على مقر المجلة ـ وإن كان مستنكراً بالنسبة للكثيرين ـ لا يكون بأن يرد الغرب بالإساءة للإسلام ولنبي الرحمة.
مجلة شارلي ايبدو
في كل مرة، تحاول الدول الغربية التي تحدث الإساءة للإسلام على أراضيها، التهرب من مسؤوليتها بحجة أن حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريا لوسائل الإعلام تمنعها من التدخل للرقابة عليها أو منعها. فهل أن الهجوم على المجلة يسمح لها بالمساس بالنبي محمد "ص"؟ هل أن حرية الرأي والتعبير تعني توجيه الإهانات والسخرية وتشويه صورة الإسلام، التي لا تشبه لا من قريب ولا من بعيد ما يقوم به الإرهابيون لا سيما أن الإساءة للإسلام والنبي محمد من قبل هذه المجلة ليس بجديد بل تكرر مرات ومرات؟
أ: تعريف الحرية الدينية
تعتبر الحرية الدينية والعبادية من المبادئ التي تساعد على دعم الحرية الفردية، لممارسة الفرد طقوسه وشعائره بالتعليم أو الممارسة، دون المساس بهذه الحرية إلا في حال وصلت إلى حد التعدي على الاخر.
ويقصد بالحق في حرية الدين أو المعتقد في إطار منظومة حقوق الإنسان، حرية الفرد في اعتناق ما يشاء من أفكار دينية أو غير دينية.
يقول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة المادة 18 أن لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة ( لا بالإساءة)، كما تقول المادة 19 : لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير…
إن حرية التعبير لا تعني أبداً أنها حرية مطلقة، بل هي حرية مقيدة حتى في الدول الغربية، وفق ما تنص عليه مواثيق حقوق الإنسان، لأن حرية الشخص تنتهي عن حدود المساس بحرية الغير.
لقد أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالحق في حرية الدين أو المعتقد، لكنه قيد هذه الحرية بالمادة 18 منه بعدم تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره. كما لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية. وهذا التقييد هو لمنع التعدي على ديانات الاخرين ومقدساتهم.
ب: هل يجوز التعدي على دين الاخر؟
الغربيون يعلمون جيداً أنه لا يجوز لهم التعدي على الأديان الأخرى، لكنهم باستمرار يحاولون تشويه الدين الإسلامي، لذلك لا يذهبون نحو مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار يمنع الازدراء بالأديان.
لقد منع العديد من الإعلانات الدولية، التعدي على الأديان الأخرى، فقد أكد إعلان منع التمييز العنصري أن التمييز على أساس الدين أو المعتقد يمثل إهانة للكرامة الإنسانية وإنكاراً لمبادئ الأمم المتحدة، فكيف إذا كانت الإساءة لدين مثل الدين الإسلامي يعتنقه أكثر من مليار وخمسمئة مليون شخص عبر العالم؟
حذرت مواثيق حقوق الإنسان من خطورة عدم مراعاة أو التعدي على حقوق الإنسان وحرياته، وشددت على خطورة ذلك التعدي لما يمكن أن يؤدي إليه من صدامات ومعاناة للإنسانية .
هذه المواثيق أكدت وجوب الترويج لمبادئ التسامح والاحترام فيما يتعلق بالاديان .وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 50/183 بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب الديني ، وأكدت ديباجة هذا القرار على أن : " التمييز ضد البشر على أساس الدين أو المعتقد يشكل إهانة للكرامة البشرية وتنكرا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، كما أكدت ضرورة اتخاذ الدول ما يلزم لمواجهة التعصب وتدنيس الأماكن الدينية".
لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أصدرت ايضاً قرارا بشأن مكافحة ازدراء الأديان بتاريخ 12 ابريل 2005 يعتبر من أهم القرارات الدولية التي تحظر الإساءة إلى الأديان.
وصدر عن الجمعية العامَّة للأمم المتحدة قرار هام حمل رقم 65 / 224 يُجرِّم تشويه صورة الأديان، وقد أعربت الجمعية في القرار عن استيائها من استخدام وسائط الإعلام المطبوعة والسمعية والبصرية والإلكترونية، بما فيها الإنترنت، وأي وسيلة أخرى للتحريض على أعمال العنف والتعصب والتمييز ضد أي دين واستهداف الكتب المقدسة وأماكن العبادة والرموز الدينية لجميع الأديان وانتهاك حرمتها.
قرار الجمعية العامَّة للأمم المتحدة رقم 65 / 224
إذاً، إن الإساءة للرسول الأكرم من قبل مجلة شارلي ايبدو تعتبر استفزازاً لمشاعر المسلمين وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
هذه الاساءات المتكررة ستؤدي إلى توليد العنف وزعزعة الاستقرار والأمن والسلم الدولي، ولن تسمح بتعميم السلام العالمي، لأن هذه الأعمال هي التي تولّد الكراهية للغرب.
إن من يتحمل هذه المسؤولية هي الدول التي تسمح بالإساءات الموجهة إلى الدين الإسلامي، لأنه حتى لو لم يصدر قرار عن مجلس الأمن، وأتت بقية القرارات كتوصيات، فإن على الدول احترام المقدسات الدينية لدى الشعوب وعدم المساس بها.
2015/1/15