مفاوضات جنيف: الأوروبيّون يحاولون منح ترامب خيارات سوى الحرب!
اجتمع وزراء خارجية الترويكا الأوروبيّة في جنيف مع عباس عراقتشي في محاولة لنزع فتيل الحرب بين إسرائيل وإيران، بعد التهديد أمريكي بالتدخل، وتصاعد القصف المتبادل بين الطرفين.
سعيد محمد*
في لحظة مشحونة بالتوترات العسكرية والتهديدات السياسية، وصل وزراء خارجية المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، برفقة مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إلى جنيف للقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، في مسعى دبلوماسي وصفه مراقبون بـ”سباق مع الزمن” وربما “الفرصة الأخيرة” لتفادي انزلاق الشرق الأوسط نحو حرب إقليمية شاملة قد تتورط فيها الولايات المتحدة.
وأتت هذه المفاوضات بعد أسبوع دامٍ شنّت فيه إسرائيل سلسلة من الغارات الجوية العنيفة على منشآت نووية وعسكرية في إيران، مما أسفر عن مقتل مئات الأشخاص، من بينهم مدنيون. وردّت إيران بسيل من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، أصابت أهدافاً داخل إسرائيل من حيفا إلى بئر السبع، وتسببت بسقوط قتلى وجرحى. وعلى الرغم من تصاعد العنف، يعتقد الأوروبيون بضرورة التمسك بالخيار الدبلوماسي مهما كان هشاً خشية من الأسوأ الذي قد ينعكس على أسعار الطاقة، ويصل شرره إلى الدول الحليفة التي تستضيف قواعد أمريكيّة في الإقليم.
وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، الذي وصل مباشرة من واشنطن بعد لقائه بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، صرّح بأن “نافذة زمنية تمتد لأسبوعين فقط قد تكون الفرصة الأخيرة للتوصل إلى حلّ دبلوماسي”. وأضاف أن “الوضع في الشرق الأوسط بالغ الخطورة، وعلينا منع تفاقمه قبل فوات الأوان”.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كان أعلن (الخميس) عن أن قرار التدخل العسكري الأميركي سيتخذ خلال أسبوعين، ما يقول مراقبون أنّه فتح الباب أمام حراك الترويكا الأوروبيّة التي يتأمل أنها ستقدم للرئيس الأمريكي مخرجاً مقبولاً من ربقة ضغوط متناقضة يتعرض لها من قبل حلفائه الإسرائيليين ومن بعض أجنحة حزبه التي ترفض الانخراط مباشرة في حروب خارجية جديدة.
وقالت وزيرة الثقافة البريطانية، ليزا ناندي، إن الإدارة الأميركية قدّمت “إطارًا زمنياً واضحاً” للدبلوماسية، مؤكدة أن كل الجهود تتجه الآن نحو “خفض التصعيد”. أما في باريس، فقد شدد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو على أن بلاده “تقف مع القانون الدولي”، معلنًا استعداد فرنسا للمساعدة في صياغة اتفاق شامل يراعي المخاوف الإسرائيلية والإقليمية، وفي نفس الوقت يضمن لإيران الحق في برنامج نووي سلمي.
من جانبه، أبدى الوزير الإيراني عباس عراقتشي استعداد بلاده للانخراط في مفاوضات “شريطة وقف العدوان الإسرائيلي”، وقال أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: “كنا على وشك توقيع اتفاق سلام مع واشنطن في 15 يونيو، قبل أن تتعرض بلادنا لهجوم غادر”. واتهم الوزير إسرائيل بـ”خيانة الدبلوماسية”، وأكد أن طهران “لن تفاوض والسيوف مسلطة فوق رؤوسها”.
إلا أن الموقف الإيراني لا يخلو من المناورة، حيث صرّح مسؤولون أوروبيون أن طهران قد تقبل بصيغة تفاوضية “موازية” تبدأ مع الدول الأوروبية دون الولايات المتحدة، بهدف استكشاف إمكانية التوصل إلى اتفاق إطار، يمكن البناء عليه لاحقًا بمشاركة واشنطن إذا ما توفرت ظروف التهدئة.
في المقابل، ترفض الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو أي حلّ دبلوماسي لا يتضمن “تفكيكاً كاملًاً للبرنامج النووي الإيراني وتدمير قدرات إيران الصاروخية”. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في مقابلة متلفزة: “نحن لا نؤمن بهذه المفاوضات. لقد خيضت سابقاً ولم تؤدِّ إلا إلى المزيد من التهديد”.
وأضاف ساعر أن إسرائيل “ستستمر في عملياتها حتى تدمير البرنامج النووي بالكامل”، مشيراً إلى أن الضربات الجوية الأخيرة أخّرت قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي “عامين على الأقل”. ومع ذلك، تتقاطع التقديرات على أن إسرائيل قد لا تتمكن بمفردها من تدمير المنشأة النووية المحصّنة في فوردو، مما يعزز احتمالات طلب دعم أميركي مباشر.
وفي الاجتماع المغلق بجنيف الذي بدأ من بعد ظهر أمس، حاول الوزراء الترويكا استكشاف مدى استعداد إيران للعودة إلى اتفاق جديد، قد يتضمن رقابة أكثر تشدداً على تخصيب اليورانيوم، وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية. إلا أن العقبة الكبرى تبقى في إصرار إدارة ترامب على مبدأ “الصفر تخصيب”، وهو مطلب ترفضه طهران بشكل قاطع.
وأفاد مسؤول إيراني كبير تحدث للصحافة أن “إيران مستعدة لمناقشة سقف معيّن للتخصيب”، لكنها “لن تقبل بتفكيك كامل لقدراتها النووية، خاصة في ظل القصف”.
وتُعدّ مفاوضات جنيف اختباراً حاسماً للأوروبيين الذين يسعون لإعادة تفعيل دورهم في الملف الإيراني بعد سنوات من التهميش. فبعد أن كانوا طرفاً محورياً في إنجاز اتفاق 2015 النووي، تراجعت مكانتهم إثر انسحاب ترامب منه عام 2018، وتفاقم النفوذ الإسرائيلي في عهد حكومته.
وتعكس الجهود الحالية محاولة أوروبية لإقناع طهران بإرسال إشارات “جدية” إلى واشنطن حول نواياها، في وقت يصعب فيه تنظيم محادثات مباشرة بين إيران وأميركا. ووفقاً لمصادر دبلوماسية، فإن الأوروبيين يسعون لإقناع ترامب بأن “الخيار الدبلوماسي لم يمت بعد”، وأن بإمكانه الادعاء بـ”نصر تفاوضي” بدل الدخول في حرب قد تُربك قواعده الانتخابية وتكلفه سياسياً.
وفيما يرى مراقبون أن مجرد انعقاد اجتماع جنيف، ووجود نافذة زمنية تفاوضية أعلنها ترامب، يمنحان فرصة حقيقية – ولو ضئيلة – لوقف الحرب وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض قبل أن تنفجر المنطقة برمتها، فإن فرص نجاح هذه الجولة تظل، أقله في الحسابات الجارية، محدودة للغاية. إذ أن إسرائيل لا تزال تصعّد ميدانياً وتُظهر تصميماً على استكمال العمليات العسكرية، بينما تبدي طهران تصلباً في مواقفها وترى نفسها ضحية عدوان خارجي، وتستمر في توجيه ضربات يوميّة بالصواريخ الباليستية والمسيرات تسببت بشلل كبير لمجتمع الكيان. أما الولايات المتحدة، فيبدو رئيسها وقد صعد بنفسه لأعلى شجرة لا يعرف كيفيّة النزول منها، وبدون (السلم) الأوروبي قد ينتهي إلى التورط بحرب ستتدحرج وتمس بالمصالح الأمريكيّة عبر المنطقة.
– لندن
2025-06-22