المضيقان يضيقان هرمز والمندب .. ومجال الرؤية لا يتسع إلا لغزّة!
كامل المعمري *
الشرق الأوسط يترنح عند حافة الهاوية، في لحظة تاريخية تُشبه العد التنازلي نحو حرب إقليمية قد تُعيد رسم خريطة الأمن والاقتصاد العالمي.
مع استمرار مجازر الابادة والتجويع لسكان غزة وتصاعد المواجهة المباشرة بين طهران والكيان المحتل تندفع المنطقة، حرفيا نحو نقطة اللاعودة خصوصا بعد تلويح واشنطن، الحليف الأقوى لتل أبيب، بسيف التدخل المباشر، ضد ايران طهران تعد بردٍّ ساحق “لا يُمكن تخيل عواقبه”، محوّلة التهديدات الأمريكية إلى شرارة قد تشعل حريقاً لا يُطفأ.
لكن السؤال الكبير، ماذا لو تجاوزت واشنطن خط التهديدات إلى حيز الفعل العسكري المباشر؟
يرى مراقبون بأن تدخل واشنطن الى جانب العدو الصهيوني في توجيه ضربات على ايران سيواجه برد عسكري على مختلف المستويات فإلى جانب ضرب القواعد العسكرية الامريكية في المنطقة سيلجأ محور المقاومة الى خطوات أكثر ايلاما
الممرات المائية ستكون ساحة اضافية وأكثر حسماً للردّ الاستراتيجي ستتجه ايران فورا الى اغلاق مضيق هرمز شريان النفط الأكثر حيوية لكن طهران لن تكتفي بهذا الحدّ، بل ستُمدّد قبضتها النارية شرقاً عبر المحيط الهندي، مستهدفةً نقاط الارتكاز الحيوية للقوات الأمريكية، وعلى رأسها القاعدة العسكرية العملاقة في جزيرة دييغو غارسيا قلب المحيط الهندي الاستراتيجي، عبر منظومات صواريخ باليستية وكروز بعيدة المدى، وأسراب من الزوارق المسلحة والغواصات، في محاولة لحرمان واشنطن من قاعدة انطلاق حاسمة وكذلك فرض حظر بحري
إغلاق هرمز، بالرغم من جسامته، لن يكون نهاية المطاف في سيناريو الردّ الإيراني المتعدد المستويات. فمن أعماق الخليج العربي وصولاً إلى المياه الدولية الزرقاء في المحيط الهندي، ستُحاول القوات الإيرانية وحلفاؤها فرض سيطرةٍ مُعقدة على محورٍ بحريٍّ شاسع، مستخدمةً مزيجاً فتاكاً من الألغام البحرية المتطورة، الهجمات بالزوارق السريعة المفاجئة، وصواريخ كروز المضادة للسفن المنطلقة من البر والجو.
سيدخل الجيش اليمني بقدراته العسكرية المتنامية باعتباره جبهة اسناد لغزة حلبة الصراع بقوة ليطبق على شريان الحياة الثاني للطاقة والتجارة العالمية باب المندب وهكذا، يُصبح العالم أمام كابوس جيوسياسي بامتياز
قطع الرئتين الاستراتيجيتين اللتين يتنفس من خلالهما الاقتصاد العالمي – مضيق هرمز وباب المندب.
عبر هذين المضيقين الضيقين والحيويين، يمر يومياً تدفقٌ هائل من النفط الخام يُقارب 27 مليون برميل وهو ما يعادل 35% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى الكوكب.
ولا تقل أهمية حركة الغاز الطبيعي المسال (LNG)، حيث يُنقل عبرهما ما يقرب من 5 ملايين طن شهرياً من هذا المصدر الحيوي للطاقة، خاصة إلى أسواق أوروبا وآسيا المشهد يكتمل بمرور اكثر من 7000 آلف سفينة عملاقة شهرياً، حاملةً ليس فقط الطاقة، بل أيضاً حاويات البضائع الاستهلاكية، المواد الخام الصناعية، والسلع الغذائية الأساسية التي تربط مصانع آسيا بأسواق أوروبا وأمريكا. هذه السفن هي شرايين العولمة نفسها.
عواقب إغلاق هرمز وباب المندب، حتى لو كان جزئياً أو متقطعاً، ستكون بمثابة صدمة عنيفة وكارثية للنظام الاقتصادي العالمي الهشّ أصلاً.
سوق النفط سيشهد زلزالاً غير مسبوق، مع توقعات من كبار المحللين بأن يتجاوز سعر البرميل حاجز 400 دولار في ظل شحّ مفاجئ وذعرٍ في الأسواق. أزمة الغاز ستكون أشدّ قسوة، خاصة على أوروبا التي لا تزال تتعافى من صدمة تقليص الإمدادات الروسية، متسببة في شحّ حاد قد يُعيد مشاهد الشتاء القارس وارتفاع الفواتير إلى الواجهة.
سلاسل الإمداد والتوريد العالمية، التي لم تتعافَ كلياً من جائحة كورونا والاضطرابات اللاحقة، ستنهار تحت الضغط متسببة في اختناق الموانئ الكبرى من شنغهاي إلى روتردام، ونقصٍ حاد في السلع من الإلكترونيات إلى الأدوية.
الاقتصاد العالمي سيدخل في عاصفة كاملة لم يشهد لها مثيلاً منذ أزمات النفط في السبعينيات أو الكساد الكبير، مع توقعات بارتفاع معدل التضخم العالمي بنسبة صادمة قد تصل إلى 50%قاضيةً على مكاسب سنوات من النمو ومدفوعةً بارتفاع جنوني في كلفة الطاقة والنقل.
75% من صادرات نفط دول الخليج العرب، العمود الفقري لاقتصاداتها وللإمدادات العالمية، سيكون معلقاً في الميزان، مهدداً بتعطيل عشرات الصناعات الثقيلة والتحويلية حول العالم التي تعتمد على هذه التدفقات النفطية المستمرة.
هذا السيناريو الكابوسي لن يبقى حبيس أروقة البورصات ومراكز التحليل فآثاره ستضرب حياة الملايين المباشرة.
احتجاجات الغضب والجوع ستشتعل في أكثر من 60 دولة حول العالم، من الدول النامية الأكثر فقراً والتي ستواجه أزمات وقود خانقة توقف وسائل النقل وتعمّق العزلة والفقر، إلى الدول الصناعية حيث سيتحول الغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة إلى تهديد حقيقي للاستقرار الاجتماعي والسياسي الداخلي. الدول الفقيرة المستوردة للطاقة والغذاء ستكون الأكثر عرضة لخطر الاضطرابات المدنية والانهيارات الجزئية. أزمة الطاقة ستجرّ وراءها أزمات غذاء عالمية، حيث ترتفع تكاليف الإنتاج الزراعي والنقل، وتتقلص الإمدادات.
وبينما تتسارع التطورات في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، تتجه المنطقة بخطى متسارعة نحو مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود الجغرافيا إلى قلب الاقتصاد العالمي ونظامه السياسي. من مضيق هرمز إلى باب المندب، الى مياه المحيط الهندي، تتراكم المؤشرات على تحولٍ كبير قد لا يكون بالإمكان احتواؤه.
في طهران، لهجة التهديد لم تعد محض تصريحات ، وانما استراتيجية قائمة على تغيير قواعد الاشتباك. وفي واشنطن، تتأرجح المواقف بين الردع والتدخل، وسط مخاوف من الرد الإيراني واتساع رقعة النزاع بما يهدد أمن الممرات البحرية الدولية ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبارات غير مسبوقة.
أما في غزة، فالمشهد مختلف تماما… مدينة محاصرة، شبه مدمرة، لازالت تقدم قوافل الشهداء منذ عامين وهي ترزح تحت الحصار والتجويع ومجازر الابادة
غزة المدينة الصغيرة التي اشعلت الطوفان ها هي قاب قوسين او ادنى من ان تتحول – ربما دون أن يدرك كثيرون – إلى مركزٍ لنقطة تحوّل تاريخية…
وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة تصريحا لافتا لزعيم حركة حماس في غزة، يحيى السنوار، قبل طوفان الأقصى قال فيه: سنقوم بمعركة كبرى ضد الكيان ستكون تداعياتها كبيرة وستغيّر شكل الكرة الأرضية.
وفيما كان يُنظر إلى تلك الكلمات في وقتها على أنها تعبيرٌ عن موقف سياسي حاد، فإن المشهد الحالي يمنحها بعدا جديدا، وربما واقعيا خصوصا مع تنامي احتمالات الحرب الشاملة، وتشكل معادلات إقليمية جديدة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط وما بعده.
2025-06-22