فرص مهدورة وتجارب مُهمّشة: الأكاديمية العربية في الدنمارك نموذجًا!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
منذ عقود، والمهجر العراقي يُنتج ثمارًا معرفية وثقافية وإنسانية يُفترض أن تكون جزءًا أصيلاً من نسيج الدولة العراقية الحديثة، لو كانت الدولة راغبة فعلًا في احتضان طاقاتها. إلا أن واقع الحال يقول غير ذلك: لا تزال كثير من المبادرات التي وُلدت في المنافي أو بلدان اللجوء تتعرض للإهمال أو الإنكار، لا لضعف في مشروعها، بل لأن من يقود القرار العراقي غالبًا ما يُخاصم الكفاءة إذا لم تأتِ عبر قنوات الولاء والمحسوبية.
الريادة في المنافي: مشروع الأكاديمية العربية في الدنمارك
من بين هذه المبادرات التي تمثل مفخرةً للتعليم العربي في المهجر، تبرز الأكاديمية العربية في الدنمارك كنموذج ناصع على إبداع وطني طوّقه التجاهل المحلي واحتضنته أوروبا. هذه المؤسسة، التي تأسست قبل أكثر من عشرين عامًا، مثّلت نقلة نوعية في تاريخ التعليم العالي العربي، وسبقت جامعات عربية وأوروبية في اعتماد نظام التعليم الإلكتروني متعدد الأنماط، الذي يجمع بين المحاضرات التفاعلية، وإدارة المحتوى الرقمي، والتقويم الإلكتروني، والتواصل الحي مع الطلبة والباحثين.
ولم يكن ما قدمته الأكاديمية مجرد نسخ للمحتوى عبر الإنترنت، كما تفعل أنظمة “التعليم عن بُعد” التقليدية، بل صممت بيئة معرفية إلكترونية متكاملة، تستند إلى التفاعل المباشر، والحوكمة الأكاديمية، والاعتماد على الطاقات العلمية المهاجرة.
وقد حصلت الأكاديمية على الموافقة الرسمية من السلطات الدنماركية كمؤسسة تعليمية تعمل ضمن القوانين الأوروبية، وتُدير برامجها التعليمية باللغة العربية لخدمة الناطقين بها داخل أوروبا وخارجها.
الموقع الإلكتروني للأكاديمية:
???? www.ao-academy.org
مجلة علمية مُحكّمة: صوت معرفي مستقل
إلى جانب العمل الأكاديمي، تُصدر الأكاديمية منذ أكثر من ثمانية عشر عامًا مجلة علمية مُحكّمة نصف سنوية بعنوان “مجلة الأكاديمية العربية في الدنمارك للعلوم الإنسانية والاجتماعية”، وهي منصة رصينة لنشر البحوث باللغة العربية تخضع لمعايير التقييم الدولي. وقد:
• حصلت على معامل التأثير العربي ضمن التصنيفات المعتمدة للمجلات الأكاديمية.
• تم إيداعها رسميًا في المكتبة الوطنية الملكية الدنماركية، ما يمنحها رقم إيداع ونشر دولي دائم.
• نالت عضوية العديد من المنظمات التعليمية والأكاديمية الدولية، بما في ذلك هيئات معنية بضمان الجودة والبحث العلمي.
تجاهل رسمي في العراق… ورعاية رسمية للزيف
رغم كل هذه الإنجازات، بقيت الأكاديمية في نظر مؤسسات الدولة العراقية مجرد “كيان غير معترف به”، والسبب لا يكمن في خلل أكاديمي أو قانوني، بل في البنية السياسية نفسها، التي تتعامل مع المشاريع العلمية كما لو كانت ملفات أمنية، وتُقيم المؤسسات ليس وفق جدواها أو أثرها، بل وفق من يقف خلفها.
في الوقت الذي كان فيه الطلبة العراقيون يُقبلون بأعداد كبيرة على التسجيل في الأكاديمية من داخل العراق وخارجه، لم تحظ المؤسسة بأي اعتراف رسمي أو حتى تنسيق معنوي من وزارة التعليم العالي. على العكس، فُتحت الأبواب لجامعات تجارية محدودة الكفاءة، بعضها تابع لدول أجنبية أو لجهات حزبية، لا همّ لها إلا منح الشهادات لمن يشغلون المناصب العليا، أو لأولئك الذين يبحثون عن “لقب دكتور” من دون جهد أو استحقاق.
العراق يخسر، والآخرون يربحون
ما يُؤلم في هذا السياق أن دولًا عربية وخليجية ومراكز بحثية أوروبية استفادت من تجربة الأكاديمية، بل واعتبرت خريجيها جزءًا من سوق العمل المحلي والعلمي لديها، في حين بقي العراق يُعاني من هجرة العقول وتآكل البنية الأكاديمية.
كم كانت الأكاديمية ستُقدّم لو تم احتضانها وفتح فروع رسمية لها داخل العراق؟
وكم من الوقت والجهد والمال كان يمكن توفيره لو أُعيد دمج هذه الكفاءات العائدة من المنافي ضمن منظومة التعليم والبحث الوطني؟
الجواب واضح: نحن أمام فرصة ضائعة ما لم يُعاد النظر جذريًا في طريقة تعاطي الدولة العراقية مع كفاءاتها في الخارج. العراق لا يفتقر إلى الطاقات، بل يفتقر إلى من يصغي لها، ويمنحها فرص الحياة.
دعوة أخيرة
الأكاديمية العربية في الدنمارك ليست سوى مثال واحد من عشرات، وربما مئات، المشاريع التي تُحاصرها البيروقراطية والمحاباة وتُقصيها الذهنية الريعية التي باتت تُدير قطاعات الدولة العراقية. وحين تُهمّش المعرفة، فلا عجب أن يُختصر الوطن بصفقة، والجامعة بمنبر سياسي، والعلم بلقبٍ يُشترى.
آن الأوان أن نُعيد الاعتبار للعقل العراقي، أينما وُجد، وأن نُقيم المبادرات العلمية بمقاييس المنجز، لا بأمزجة المتنفذين.
2025-06-01
