روسيا صمام أمان لسوريا وإدارتها الجديدة!
رسلان داود
تحاول الإدارة السورية الجديدة إعادة بناء الدولة بعد سقوط (نظام الأسد البائد) وإنعاش الإقتصاد والبدء بعملية إعادة الإعمار، إلا أن التحديات التي تواجهها لا تزال كبيرة وعميقة ومؤثرة على هذا المسار. ولعل من أبرز هذه التحديات تأتي الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على البلاد، والتي تنعكس سلباً على مسألة بسط سيطرة الدولة وتعزيز الطائفية والمناطقية.
فقد بات التصعيد الإسرائيلي الأخير في سوريا مرتبطاً بشكل وثيق بالتنافس مع تركيا، التي تسعى مع إسرائيل لفرض معادلات عسكرية وسياسية جديدة في البلاد. وتبرر إسرائيل ضرباتها الأخيرة ضد مواقع سورية بأنها “رسالة تحذيرية” ضد أي تهديد لأمنها، في إشارة غير مباشرة إلى أنباء عن نية تركيا إنشاء قواعد عسكرية في سوريا.
حيث سبق وأن شنت إسرائيل ضربات جوية استهدفت مطاري حماة العسكري ومحيط مطار تي-فور (T4) في محافظة حمص وسط البلاد، مما أسفر عن تدمير شبه كامل لمطار حماة العسكري وإصابة عشرات المدنيين والعسكريين. هذه الغارات جاءت بحسب المراقبين بعد يوم واحد من زيارة عسكريين أتراك الى المطارين لتفقدهما بهدف تحويلهما الى قاعدتين جويتين تركيتين.
وتعمل إسرائيل، التي تتخوف من سطوة أنقرة على دمشق، على جعل جنوب سوريا منزوع السلاح بالكامل. فبعدما ضغطت على واشنطن كي تبقي سوريا دولة ضعيفة وفجرت الكثير من الأسلحة والعتاد العسكري السوري الثقيل في الأيام التي تلت سقوط الأسد، استولت على أراض في جنوب غرب البلاد وأعلنت استعدادها لحماية الأقلية الدرزية، محذرة بعدم قبولها بوجود القوات الأمنية التابعة للسلطات الجديدة في سوريا قرب حدودها.
فيما تتمتع تركيا بعلاقات قوية مع القيادة السورية الجديدة، وهي تسعى لملئ الفراغ في سوريا والاستفادة من تكثيف التجارة والتعاون في مجالات إعادة الإعمار والطاقة والدفاع. كما تسعى أنقرة مرة أخرى إلى تثبيت وجودها العسكري في سوريا من خلال السعي لإبرام اتفاقية للدفاع المشترك، يفضي لإعادة الانتشار العسكري التركي في سوريا بناء على التحديات الأمنية التي تهدد البلدين، والتي تتضمن نشاط تنظيم الدولة الإرهابي وفلول النظام السوري التي تحاول زعزعة الاستقرار في سوريا.
وبنظر الخبراء، فإن تصاعد التوترات بين تركيا وإسرائيل في سوريا، ليس من مصلحة الإدارة السورية الجديدة، فقد يؤدي ذلك إلى أزمات عسكرية ذات أبعاد إقليمية ودولية، نظرا لأن تركيا عضو في حلف “الناتو”، وفي “منظمة الدول الإسلامية”، و”منظمة التعاون الإسلامي”، بينما تشكل إسرائيل حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وهي الطفل المدلل لهما.
وعليه، وفقاً للخبراء المتابعين للشأن السوري، فإنه من الأنسب الإستعانة بقوة دولية تمتلك نفس المسافة بين البلدين وعلى علاقة جيدة بالإدارة السورية الجديدة، قادرة على ضبط حالة من توازن القوى والنفوذ وتوفير ضمانات أمنية لكِلا البلدين بعدم تهديد أحد منهما للآخر، وروسيا هي هذه القوة وخصوصاً في ظل إستمرار تواجدها على الأراضي السورية في قاعدتيها على الساحل السوري.
فالعلاقة بين روسيا وإسرائيل وإن إختلفت مصالحهما في سوريا ومناطق أخرى، مبنية على التفاهمات والإحترام المتبادل. وهو ما أكدته صحيفة “يديعوت أحرونوت” في مقال سابق لها، بأن إسرائيل تعمل على تعزيز علاقاتها مع روسيا، من أجل تحقيق هدف أبعد هو كبح النفوذ التركي في سوريا، فهي تفضل النفوذ الروسي على موطئ قدم لتركيا في سوريا، وتعمل بنشاط على الحد من نفوذ أنقرة فيها.
كما أن العلاقة التركية الروسية المميزة في الآونة الأخيرة بفعل الخبرة الطويلة الممتدة لقرون في مجال المواجهة والتعاون فيما بينهما، تنعكس إيجابياً على مصالحها في سوريا، ومن أهمها منع تنظيم الدولة من إقامة موطئ قدم له من جديد، والتصدي لأجندة واشنطن بما يخدم أهداف البلدين.
حيث سبق وأن قلصت عملية أستانا من مستوى العنف في سوريا عبر تجميد خطوط الحرب من خلال عقد اتفاقيات برعاية تركية روسية ابتداء من عام 2017، وفرت ممراً آمناً للثوار المسلحين للاستقرار في إدلب. كما عملت القوات الروسية والتركية جنباً الى جنب في تسيير دورياتها المشتركة للحفاظ على الأمن في عدة مناطق في شمال سوريا.
من جهتها، أكدت روسيا في مختلف المحافل الدولية على استعدادها لأداء دور إيجابي نشط في ملف الحوار السوري الداخلي، وترتيب الوضع في المرحلة الانتقالية، واستخدام نفوذها بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي للمساهمة في رفع العقوبات المفروضة على دمشق. كما تحدثت موسكو عن استعدادها للمساهمة في إعادة تأهيل البنى التحتية السورية، وتطرقت الى إعفاء دمشق من الديون المستحقة لموسكو في إطار مساعدة السلطات الجديدة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.
وبدأت روسيا وسوريا تعاون براغماتي في ظل التغييرات السياسية الحاصلة، إذ صار المسؤولون في موسكو ونظراؤهم في دمشق يتعاونون مع بعضهم بعضا، ويعربون عن وجود مصلحة مشتركة في الحفاظ على علاقات البلدين. حيث تعمل روسيا مع الحكومة السورية المؤقتة على رفع المستوى المعيشي في البلاد عبر تقديم موسكو المساعدات الإنسانية للشعب السوري وتوريد القمح والوقود والعملة المحلية، ناهيك عن العمل السياسي المشترك للحفاظ على وحدة سوريا وإستقرارها.
2025-05-18