الحرب الأوكرانيّة: مفاوضات ثلاثية في إسطنبول وحزمة عقوبات أوروبيّة جديدة!
سعيد محمد *
سيجتمع وفدان من روسيا وأوكرانيا في اسطنبول (تركيا) اليوم الخميس في أول محادثات مباشرة بين الجانبين منذ مارس 2022، فيما يعتقد أن وفداً أمريكياً سيكون حاضراً أيضاً إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لضمان تفكيك الألغام التي قد تعيق فرص التوصل إلى تسوية لنزاع دموي مستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وحتى وقت متأخر من ليلة أمس حبس العالم أنفاسه بانتظار إعلان من موسكو عما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيقود وفد بلاده إلى المحادثات التي سافر من أجلها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أنقرة بعض ضغوط معلنة من طرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. واجتمع زيلينسكي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة التركيّة وقال إنه سيسافر إلى إسطنبول فوراً إذا حضر الرئيس بوتين.
واستبق زيلينسكي سفره إلى أنقرة بالقول إن دونالد ترامب بحاجة إلى إدراك أن (الرئيس) بوتين “يكذب”، ولذلك “يجب أن نقوم بدورنا. وسنتعامل مع هذه القضية بشكل عقلاني لإظهار أننا لسنا الطرف الذي يبطئ العملية. فإذا لم يأت بوتين واستمر في بهلوانياته، فهذا يعني بوضوح أنّه غير عازم على انهاء الحرب”، مؤكداً للصحفيين إنه نظراً لأن “كل شيء في روسيا على الإطلاق” يعتمد على بوتين، فإن الطريقة الوحيدة لتأمين وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب هي من خلال المحادثات المباشرة معه شخصياً.
وبينما أكدت مصادر الكرملين بأن روسيا سترسل وفداً بالفعل إلى إسطنبول، دون تحديد أسماء، فإن ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس الأوكراني زعم أن زيلينسكي سيلتقي فقط بالرئيس الروسي وليس مع أي شخص آخر لإجراء محادثات، وأضاف أنه إذا لم يحضر بوتين، فيجب على القادة الأوروبيين والأمريكيين متابعة فرض عقوبات إضافية ضد روسيا إلى أن تذعن.
وشدّد اندريه يرماك، رئيس المكتب الرئاسي الأوكراني، خلال خطاب له أمام قمة كوبنهاغن للديمقراطية 2025على أن بلاده لا تزال عند موقفها حول ضرورة أن يتم وقف إطلاق النار قبل أن تبدأ محادثات السلام بشكل جدي، وقال: “أوكرانيا مستعدة لأي شكل من أشكال المفاوضات مع روسيا، لكن وقف إطلاق النار يجب أن يأتي أولا لأن المفاوضات مستحيلة بينما يتعرض الشعب الأوكراني لهجومات بالصواريخ والطائرات بدون طيار الروسية على مدار الساعة”.
ورفضت روسيا دعوات متكررة لقبول وقف إطلاق نار غير مشروط لمدة 30 يوماً، وأكدت دائماً على ضرورة وقف الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا والنظر في الأسباب الجذرية للصراع قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
من جهته، قال الرئيس ترامب الذي يقوم بجولة له في دول الخليج بأنّه متفائل بشأن محادثات إسطنبول، وأن ثمة إمكانية لعقد اجتماع جيد بين بوتين وزيلينسكي. وأضاف أنه “يفكر في الطيران” بعد زيارته للدوحة وأبو ظبي لحضور المحادثات حال انعقادها، لكنه قال في وقت لاحق إن وزير الخارجية ماركو روبيو ومسؤولين آخرين سيسافرون إلى تركيا لحضور المحادثات.
ونقل عن صحافيين رافقوا الرئيس الأمريكي على الطائرة خلال رحلته من الرياض إلى الدوحة (أمس الأربعاء) أنه ليس متأكداً حتى تلك اللحظة إذا كان الرئيس الروسي سيحضر بنفسه محادثات إسطنبول.
واعتبر مبعوث دونالد ترامب إلى أوكرانيا، الجنرال المتقاعد كيث كيلوج، أن حضور الرئيس بوتين للاجتماعات قد يعني أن الرئيس ترامب سيأتي أيضاً، و”عندئذ يمكننا تحقيق السلام بسرعة كبيرة إذا جلس القادة الثلاثة وتحدثوا”.
من جانب آخر، قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (الأربعاء) إنه سيضغط على الرئيس بوتين شخصياً لحضور المفاوضات مع زيلينسكي في تركيا، وسيتوقف في العاصمة الروسية لهذه الغاية في طريق عودته إلى البرازيل بعد اختتام منتدى إقليمي حضره في الصين.
وكان نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف قد قال إن روسيا مستعدة لإجراء محادثات جادة بشأن تسوية للحرب في أوكرانيا، لكن “موسكو تشك في أن كييف مستعدة للتفاوض”. ونقلت وسائل إعلام روسيّة عن ريابكوف قوله: “من السابق لأوانه تقديم تنبؤات، على أن السؤال يجب أن يوجه إلى رعاة نظام كييف، هل كييف مستعدة للتفاوض؟”.
وأعتبر ريابكوف إنه ينبغي على الجميع – وكييف تحديداً – الاعتراف بالحقائق “على الأرض” في سياق الصراع في أوكرانيا، بما في ذلك اندماج أربع مقاطعات شرقي البلاد بالاتحاد الروسيّ.
وفي تلك الأثناء، كان وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي يتهم الرئيس الروسيّ بالمراوغة بشأن محادثات السلام مع أوكرانيا.
وخلال حديثه في مجلس العموم، سأله النائب عن حزب المحافظين ووزير الخارجية السابق جيمس كليفرلي عن الخطوات التي تتخذها المملكة المتحدة لضمان بقاء دونالد ترامب “ملتزما بالدفاع عن وحدة التراب الأوكرانيّ”، ولضمان أن البيت الأبيض يدرك أن السماح للسيد بوتين “بالانتصار” في أوكرانيا سيشجع غزوات مستقبلية، أجاب لامي: “إننا نرحب بالرغبة في الحصول على سلام دائم، ولكن يجب أن يكون هناك وقف لإطلاق النار من أجل الانخراط في تلك المحادثات، على ما يبدو لي. وبوتين هو الذي يراوغ، وهو الذي يشوش، ونحن نستقي بذلك من خلال خبرتنا الطويلة في التدقيق في هذا الشخص بالذات”.
وفي باريس قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الثلاثاء) إنه يؤيد فرض عقوبات جديدة على روسيا في الأيام المقبلة إذا فشلت موسكو في الموافقة على وقف إطلاق النار مشيرا إلى الخدمات المالية والنفط والغاز كأهداف محتملة. وكرر في مقابلة تلفزيونية موقف فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا التي قالت يوم السبت إن روسيا ستتعرض لإجراءات عقابية جديدة إذا لم تستجب لدعوات وقف إطلاق النار لمدة 30 يوما في غضون أيام، مؤكداً أن العمل جار في هذا الصدد.”
وكشف ماكرون إن أوكرانيا تعترف بأنها لا تستطيع استعادة جميع الأراضي التي استولت عليها روسيا منذ عام 2014 وحذر من أن الغرب لا يريد “حربا عالمية ثالثة”، ومع ذلك فإن بلاده مستعدة لبدء المناقشات مع الدول الأوروبية الأخرى لنشر طائرات حربية فرنسية مسلحة بأسلحة نووية على أراضيها كما تفعل الطائرات العسكريّة الأمريكيّة حالياً. وقال ماكرون: “الأمريكيون يحملون القنابل على متن طائرات في بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وتركيا”، و”نحن مستعدون لفتح هذه المناقشة في الأسابيع والأشهر القادمة”.
ورددت تصريحات ماكرون أصداء تعليقات المستشار الألماني فريدريش ميرز في وقت سابق من أول أمس، الذي قال إن الحلفاء الأوروبيين سيفرضون تشديداً كبيرا للعقوبات على روسيا إذا لم يوافق الرئيس بوتين على وقف إطلاق النار، كما أشار ميرز بدوره إلى قطاعات الطاقة والأسواق المالية كأهداف محتملة.
وقال ميرز في أول كلمة له أمام البوندستاغ (البرلمان) بعد تعيينه مستشاراً لألمانيا إنه يجب ألا يكون هناك “أي خضوع لقوة الأمر الواقع التي تم فرضها بمحض القوة ضد إرادة أوكرانيا”، ويجب ألا تكون أي تسوية هناك على شكل “سلام مفروض وفق إملاءات موسكو”، مشدداً على ضرورة تجنب الانقسام بين الشركاء الأوروبيين والأمريكيين بشأن كيفية إنهاء الحرب.
وقد أعلن الاتحاد الأوروبي (صباح الأربعاء) عن حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، وهدد بالمزيد.
ووافق دبلوماسيون يمثلون الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة على الحزمة السابعة عشرة من العقوبات في اجتماع لهم في بروكسل، وفقاً للرئاسة البولندية للكتلة. وتشمل الحزمة – التي سيتم اعتمادها رسمياً يوم الثلاثاء القادم – إدراج 200 ناقلة نفط في القائمة السوداء يدعي الأوروبيّون أنها تستخدم للتحايل على القيود المفروضة على صادرات النفط الروسية. كما ستواجه شركات في دول من بينها فيتنام وصربيا وتركيا المتهمة بالمساعدة في توريد السلع للجيش الروسي قيوداً. ومن المقرر أن تشمل الحزمة الجديدة أيضاً إضافة أسماء عشرات المسؤولين الروس إلى ما يقرب من 2400 شخص وكيانات يواجهون بالفعل حظراً على التأشيرات وتجميداً للأصول.
وقال جان نويل بارو، الوزير المنتدب المكلّف بالشؤون الأوروبية لدى الحكومة الفرنسية إنه سيجتمع مع السناتور الأمريكي ليندسي غراهام في تركيا يوم الخميس لمناقشة مشروع قانون العقوبات الأمريكية الذي كان يعمل عليه الأخير.
وحشد جراهام العشرات من المشرعين لدعم خطة لفرض عقوبات إضافية على موسكو بالإضافة إلى فرض رسوم جمركية على الدول التي تشتري الطاقة الروسية. وقال الوزير الفرنسي إن جراهام “صمم حزمة من العقوبات القوية للغاية”، مع فرض رسوم جمركية بنسبة 500٪ على الدول التي تواصل استيراد النفط الروسي.
لندن
2025-05-16