عرب وين .. وطنبورة وين؟
د. عمر ظاهر
صديقي القارئ، قبل بضعة أيام مررت بتجربة مثيرة، وغريبة حقا، وفكرت في نقل تفاصيلها إليك علك تشاركني مشاعر الاستغراب. باختصار، أنا قمت بسفرة عبر الزمن، وعدت أكثر من مئة وخمسين سنة إلى الوراء، أي إلى الماضي، ووجدت نفسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولعلك تريد أن تسألني على الفور عن وسيلة هذا السفر قبل أن تسألني عما رأيت، وبمن التقيت، وأنا أجيبك أولا أني التقيت بكارل ماركس وفريدريك انجلز بينما كانا يجلسان إلى طاولة قديمة، وأمامهما أكوام من الأوراق والوثائق، ولم يعيرا أي اهتمام لوجودي إذ كانا مشغولين بكتابة البيان الشيوعي الذي صدر لاحقا في عام 1848. أما وسيلة سفري فلم تكن تأملات الصوفيين، ولا ماكنة السفر عبر الزمن، ولا مركبة فضائية سرعتها تفوق سرعة الضوء، بل كانت بسيطة، وغاية في البساطة، عبارة عن مقال لأحد الشيوعيين العراقيين، ما إن بدأت بقراءته حتى أحسست أني صرت أطير عبر الزمن، فأغادرمنتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وأعود إلى الماضي. كان شعورا مخيفا في البداية، فبقيت متشبثا بالمقال، ممسكا به بكلتا يدي، أواصل قراءته مخافة أني إن توقفت عن القراءة قد أقع في زمن غير مناسب، مثلا في زمن الحرب العالمية الثانية أو االأولى. رأيت من بين من رأيت نيكيتا خروشوف، وستالين، وفلاديمير إيليتش لينين (تعرفه بلا شك) وتروتسكي. وحين انتهيت من قراءة المقال كنت قد وصلت إلى المحطة الأخيرة، فسقطت في زمن كارل ماركس وفردريك انجلز.أصابني شعور بالغربة هناك، وبالرعب أيضا حين اكتشفت أن المقال كان أشبه بصاروخ ينطلق باتجاه واحد، فيوصل راكبيه أو قارئيه إلى زمن سحيق في القدم، ويتركهم، بل يحبسهم، هناك غرباء يستوحشون مما حولهم، فلا عودة لهم إلى الزمن الذي كانوا يعيشون فيه. لذلك لا أنصحك بقراءته أو ركوبه، ففي تلك مخاطرة كبيرة، إذ يمكن أن تعود إلى ذلك الزمن، وتبقى عالقا هناك، ولا تكون محظوظا مثلي. أنا استطعت أن أعود من هناك بفضل قراءاتي الكثيرة عن وسائل المشعوذين وأساليبهم، وكيفية التخلص من شرور السحر، وعمل الشياطين، فجربت أن أقرأ المقال بالمقلوب، يعني من آخر كلمة فيه إلى أول كلمة، وطبعا كل كلمة من آخر حرف إلى أول حرف، ونجحت، فعدت إلى أهلي وزمني سالما غانما. ولكن إذا قرأته أنت وسافرت، وعلقت هناك وشعرت بالوحدة، ولم تستطع قلب السحر والعودة، فأنصحك بأن تبحث عن كاتب المقال فهو بالتأكيد عالق هناك، وليس عنده من وسيلة للعودة إلى زمننا؛ إنه سيسليك. لكن لا تطاوعه كثيرا وتقرأ مقالات يكتبها في ذلك الزمن لأنه ربما يعيدك إلى العصر الحجري الأول.
لقد رأيت في طريق الإياب أكثر بكثير مما رأيت في طريق الذهاب، ذلك لأني كنت أكثر استرخاء وثقة بنفسي فأنا الذي أتحكم بالصاروخ الغادر عن طريق القراءة المقلوبة. وسوف أخبرك ذات يوم عما رأيت، خاصة إذا تمكن كاتب المقال أيضا من العودة إلى زمننا، وعاود إطلاق صواريخه ذات الاتجاه الواحد. أما الآن فاسمح لي أن أقول لك إني من الناس الذين لا ينظرون إلى الأشياء، وإلى الناس، بمنظار "أبيض أو أسود"، بل أنا أقتدي بلينين في أمور كثيرة، فهو الذي علمني أن النظرية رمادية اللون بينما شجرة الحياة خضراء. كان لينين رجلا عظيما إذ كان يدرك بنفسه أن ما كان يقوله ليس آيات منزلات من الغيب، بل آراء رمادية اللون ستغنيها بعده شجرة الحياة الخضراء. ومع أن الشيوعيين العرب، وخاصة العراقيين، لم يفهموا ما قاله الرجل فظلوا يدورون في دوامات أقواله الأخرى حتى أصيبوا بما يشبه دوار البحر، وباتو لا تنفعهم حتى البوصلة، فأنا أحترمهم، ولا أحكم عليهم من منطلق "أبيض أو أسود"، فصحيح أنهم لم يستطيعوا خلال قرن كامل أخذ مجتمعاتنا خطوة واحدة إلى الأمام، إلا إنهم لهم قدرات وطاقات أخرى يستحقون عليها الثناء، فهم يستطيعون، مثلا، أخذنا إلى الوراء حتى إلى زمن سابق على زمن لينين نفسه، فمن يقرأ ما يكتبون لا يملك إلا أن يقول لنفسه "الذكرى جرس يرن في وادي النسيان"، إذ يتذكر أيام الصبا حين كان ينجذب إلى مقالاتهم، ويحفظها عن ظهر قلب وكأنها قصائد عشق، وهي حقا – وإن كانت أشبه بصاروخ السفر عبر الزمن، قصائد جميلة تتوفر فيها كل الأوزان التي تطاوع الغزل الفكري الأجوف، والقافية فيها لا تشذ أبدا مهما طالت القصيدة؛ وتتوفر فيها كل الألاعيب اللغوية من البديع، والجناس والطباق، وسجع الكهان، وترصعها صور جميلة عن وطن حر وشعب سعيد، وعن حقوق المرأة. ثم إن أحجار الزاوية في شطر الأبيات وفي عجزها صلدة تتحدى عوادي الزمن: الطبقة العاملة، البروليتاريا، وسائل الانتاج، علاقات الانتاج، ملكية وسائل الانتاج، إلخ، إلخ.
دعنا نأخذ مثلا عن المفاهيم/أحجار الزاوية في بناء مثل تلك القصائد، الحديث عن الطبقة العاملة والصراع الطبقي. الشيوعيون العراقيون ما يزالون يتحدثون في هذا تماما كما كان أسلافهم يفعلون قبل ثمانين سنة. ما يزالون يرون أن الطبقة العاملة هي بانية المستقبل بفضل مزايا تتميز بها، وما أنزل الله بها من سلطان. أقول لا بأس إن لم يكن قادة الحزب الشيوعي يدركون بطلان أكذوبة الطبقة العاملة لأنهم بحكم إقامتهم الدائمة في جبال كردستان لا صلة لهم بالعالم من حولهم، لكن ماذا عن الشيوعيين الذين خرجوا لا جئين إلى أوروبا؟ هل حقا لا يستطيع هؤلاء أن يروا أن الطبقة العاملة في الحقيقة ليست أممية، بل هي أكثر طبقات المجتمع أنانية وعنصرية؟ هل إنهم فعلا لا يرون أن الطبقة العاملة ليست أكثر الطبقات الاجتماعية وعيا لمجرد أنها تستعمل أدوات الإنتاج، بل هي أكثر الطبقات الاجتماعية جهلا وتخلفا بحكم عدم قدرتها على الانخراط في البرامج الدراسية التي تتطلب قدرات عقلية؟ هل حقا لا يرى هؤلاء أن من يخلق المجتمع الجديد هو من ينتج المعلومات ويتحكم بها، والطبقة الوسطى خالقة الوعي، والقيم، والثقافة؟ أم أنهم يخافون من أن يوصموا بالتحريفية إن هم تحركوا قليلا عما قاله كارل ماركس الذي حولوه إلى واحد من الذين يطلق عليهم رجال الدين (رض)؟ هل حقا يؤمن الشيوعي المعاصر بأنه يريد أن يبني مجتمعا عصريا تحت دكتاتورية الطبقة العاملة بغبائها، وجهلها، وتخلفها، وأنانيتها؟ بئس المجتمع الذي تبنيه "الطبقة" العاملة!
الشيوعيون العرب، والعراقيون خاصة، جبناء لأنهم يخافون من تطوير فكرهم، ويرون أنهم إن تخلوا عن تحجر مفاهيمهم فهم يفقدون هويتهم الشيوعية. طيب، إذا كان الأمر كذلك، ما معنى الاحتفاظ بهوية زائفة قائمة على إنكار الحقيقة؟ ثم إنهم منافقون، وإلا فليجيبوا عن هذا السؤال: كم عضو في اللجنة المركزية أو المكتب السياسي للحزب، أو حتى في القيادات الحزبية الوسطى يأتي من الطبقة العاملة؟ أعضاء المكتب السياسي في الحزب الشيوعي العراقي كانوا تقليديا إقطاعيين من الأكراد مقيمين في كردستان، وإن هم غادروها فإلى موسكو، أو صوفيا، أو براغ لأخذ التوجيهات من الأب الروسي القائد، والاستمتاع قليلا ببؤس الطبقة العاملة هناك؛ والآخرون هم من البرجوازية الصغيرة التي تطور نفسها خلال وجودها في الحزب إلى برجوازية كبيرة. حسنا، إذا كانت الطبقة العاملة لا مكان لها في قيادة حزبها الشيوعي، فكيف يمكنها إذن قيادة المجتمع كله؟ وبصفة دكتاتورية فوق هذا وذاك؟ هذا واحد من القوالب الكلاسيكية في إنشاء القصائد الثورية المعتقة، وهي قوالب موروثة، فقد وجد هؤلاء آباءهم على ملة وهم على آثارهم مقتدون.
ومسألة الصراع الطبقي! الصراع بين الفقير والغني صراع أزلي لا يمكن لأحد أن ينكره، ولكن ما أصبح واضحا لأي عقل فيه حركة، أي غير مقيد في قوالب جامدة، أن هذا الصراع صراع فردي، وأن ما أراد ماركس فعله بالحديث عن الصراع الطبقي هو افتراض أن الفقراء في المجتمع سوف ينتظمون في طبقة واحدة يكون العمال (وتعريف العامل في وقتنا يختلف بشكل جذري عن تعريف كارل ماركس له) قادرين على قيادتها في الصراع ضد الأغنياء الذين ينتظمون هم أيضا في طبقة. أما ما فعله لينين فكان، بناء على افتراضات ماركس، وضع هذا الصراع في إطار طبقي قسري طابعه وهدفه سياسي براغماتي بحت، ولا يستند إلى أرضية واقعية. من أسقط القيصرية لم تكن "الطبقة" العاملة الروسية، بل المثقفون الرجوازيون الروس من أمثال لينين الذين استخدموا العمال كوسيلة. القيصر كان من الممكن أن يسقطه، بل وأسقطه، الجنرالات باستخدام العسكر (وهم فقراء مثل العمال، بل وجزء من الطبقة المزعومة). المسألة هي أن هناك أذكياء في المجتمع عندهم هدف ويحتاجون إلى وسيلة لتحقيق الهدف، وهذه الوسيلة يجب أن تكون منظمة حتى ولو تنظيما قسريا، مثل الجيش أو العمال، أو الحزب. ولهذا فإننا رأينا خلال قرن منذ الثورة البلشفية في روسيا عشرات "التغييرات الثورية" التي قادها العسكر، ولم نر ولا طبقة عاملة واحدة في العالم تسقط الرأسمالية أو غير الرأسمالية، وذلك لسبب بسيط وهو أنه لم يظهر في أي بلد أشخاص أذكياء مثل لينين يستطيعون حشر الفقراء في طبقة قسرية تحت زعامة برجوازيي الأحزاب الشيوعية. ورأينا الشيوعية في أوروبا الشرقية وقد جاءت على دبابات الجيش الأحمر الروسي، ورأينا في الصين ماوتسيتونغ يقود جيشا من الفلاحين، ورأينا في كوبا عددا من الشباب المثقفين المغامرين يسقطون باتيستا. الشيوعيون العراقيون لا يريدون الإقرار بهذه الحقائق، بل إن القلة القليلة منهم الذين يصل إلى وعيهم أحيانا أن مسألة الطبقة العاملة والصراع الطبقي أكذوبة، يغمضون أعينهم ويتعوذون من الشيطان الرجيم، ثم يطمئنون عقولهم بأنها ما تزال سالمة فيرجعون سبب لخبطتهم إلى أن الطبقة العاملة لم تظهر بعد في بلدنا! فيقعدون، ويفلسفون بانتظار ولادتها الميمونة. إنهم مخطئون، فطبقة الفقراء العاملة التي يفترضونها ظهرت في العراق منذ أربعينيات القرن الماضي، وتوسعت إلى حد كبير في سبعينيات القرن الماضي، لكنها كانت شأنها شأن "الطبقات" العاملة في كل البلدان الأخرى، رجعية، وأنانية، وضيقة الأفق، ولم يكن جزء صغير منها فقط حثالة، بل كانت بغالبيتها العظمى مجمع الحثالات، لا يجمع أحدهم بغيره إلا المنافسة أو الصراع على كسب المنافع الشخصية، لا غير. ولذلك استطاع الحزب الشيوعي تجنيدهم لسحل الناس في الشوارع، ثم استطاع صدام حسين تجنيدهم لمآرب عديدة منها سحق الشيوعيين، والعمل كجيش من المخبرين لدى الأجهزة الأمنية، ومن ثم أيضا كجيش شعبي حارب بهم إيران، وكانوا يعرفون حق المعرفة أن من يقاتلونهم على الجبهة مع إيران كانوا في جلهم رفاقهم الطبقيين، فقراء إيران وطبقتها العاملة.
أما الحديث عن وسائل الانتاج، وعلاقات الانتاج، وملكية وسائل الانتاج فيدلّ بشكل مأساوي على البؤس الفكري الذي يعيش فيه الشيوعيون، وعلى انقطاع صلتهم بالواقع. أيها الإخوة، في العراق عاد المجتمع إلى مرحلة المشاعية (إذا استخدمنا مفاهيم المادية التاريخية)، وصار الناس يجمعون قوتهم اليومي من الطبيعة. أليست عندكم فكرة عن كيفية معالجة المأساة التي نحن فيها، بدلا من اجترار حديث أكل عليه الدهر وشرب؟ أية وسائل انتاج، وأية علاقات انتاج؟ وأي انتاج؟ عليكم أن تتكلموا عن وسائل القتل فهذه حلت محل وسائل الانتاج. عليكم أن تتحدثوا عن العلاقات الطائفية، والعشائرية، والعلاقات مع أمريكا، وإسرائيل، ومخابرات العالم كلها، فهذه هي التي تتحكم بحياة شعبكم، وليست علاقات الانتاج. هناك الآن فقط خطان للانتاج في العراق يستخدمان نفس الأدوات، ويمتلكها نفس الأشخاص؛ الخط الأول هو انتاج النفط الذي يصب في جيوب "الرأسماليين الأمريكان" وفي جيوب المتنفذين في الحياة السياسية في البلد، والخط الثاني هو إنتاج الفقر، والبؤس، والجهل، والظلم، والاستغلال، والقوانين التي تشرعن اغتصاب الأطفال. أين أنتم من هذا. ألم تتعبوا من طحن الماء؟
صديقي القارئ، مع أن نقدي قد يكون لاذعا لكني أتعامل مع الشيوعيين دائما على أساس أن شجرة الحياة خضراء، وأحترمهم وأكبر فيهم روح التحدي والعناد في تمسكهم بهويتهم الشيوعية، فنحن نعيش في زمن الهويات، وكل يدافع عن هويته بشراسة، المسلم، والمسيحي، والشيوعي، والبعثي، والسني، والشيعي، الجميع، الجميع، وهذا أمر مفهوم لأن التخلي عن الهوية (الموروثة خاصة) يحتاج إلى أمور كثيرة، مثلا وجود هوية بديلة، وشجاعة وقدرة على الدفاع عن الهوية الجديدة، وعلى مواجهة الناس، والأخطر من ذلك مواجهة الآباء والأجداد الذين يمكن أن يلوموا الشخص لخروجه عن مذهبهم. وبالنسبة للشيوعيين العراقيين فالحق معهم، وكان الله في عونهم، فروح الآباء تحوم فوق رؤوسهم متجسدة في شخصية حسقيل قوجمان، فهو المأتمن على الإرث الشيوعي العراقي، وآراؤه تشكل الصراط المستقيم إلى المستقبل الشيوعي، ويا ويل من يشذ عنها ويقع في براثن التحريفية.
صديقي القارئ، لا تنس أبدا أن الحكم لا يكون بمقياس الأبيض أو الأسود، فشجرة الحياة خضراء، ولكن ليتمكن الإنسان من سقي هذه الشجرة، وجعلها تعيش، وتنمو، وتكبر، وتثمر فإنه يحتاج إلى مواصلة الحياة بنفسه، والحياة لا تحتاج فقط إلى زاد يدخل المعدة، بل أيضا إلى هواء نقي يدخل الرئتين ، وإلى زاد غني يدخل إلى الدماغ ويغذي العقل. وهنا لدي ملاحظة بسيطة حول مصادر الزاد العقلي. ينبغي للإنسان أن يتزود منها من مصادر عديدة، أعني أن يعرف، مثلا، كيف يفكر الشيوعيون في الأمم الأخرى، وماذا ينتجون، وكيف يطورون الفكر بعد كل تجربة. وهذا يتطلب أن يعرف الشيوعي لغة أو لغات غير لغته الأم. ولدي انطباع بأن الشيوعيين العراقيين يتقاسمون مع رجال الدين المسلمين نفس المشكلة البنيوية في تفكيرهم، والتي ترتبط بكونهم محرومين من متابعة الفكر الإنساني عبر اللغات الأجنبية، ويبقون أسرى المفاهيم التي يتلقنونها في لغتهم مرة واحدة وإلى الأبد، دون التمكن من مقارنتها بمثيلاتها في اللغات الأخرى. تكلم، صديقي القارئ، مع رجل دين مسلم، ولن تسمع منه في أي مجال كان حجة عقلية أو منطقية، فكل شيء في عالمه الفكري مبني على ما قاله فلان رضي الله عنه، وما عمله فلان قبل ألف وأربعمئة سنة.، أو قبل سبعمئة سنة. الشيوعيون العراقيون يفعلون الشيء نفسه، فمنطلقهم ليس عقليا ونقديا، بل هو ما قاله كارل ماركس قبل مئة وسبعين سنة، وما قاله لينين أو ستالين قبل مئة سنة. أما ما يقوله المفكرون الآن، فلا يعرفونه، ناهيك عن أنهم أعطوا عقولهم هم إجازة مفتوحة، فلم تعد تفكر، ولم يعودوا قادرين حتى على تحليل تجربة ثمانين سنة من عمر الحزب الشيوعي، وفهمها، واستنتاج العبر منها. تماما مثل رجل الدين ونظرته إلى هذا الخليفة وذاك الشيخ، فكل شيء وقع خلال الثمانين سنة كان رائعا، وعظيما، ونضاليا، وكفاحيا، ومقدسا، ومليئا بالتضحيات (وكأنهم هم الذين قدموا تلك التضحيات من أهل بيوتهم). إن أي طالب ثانوية في بلدان أوروبا الغربية يفهم الماركسية ويعرف تطورها أفضل من كل زعماء و"مفكري" الأحزاب الشيوعية العربية.
أنا، يا صديقي، رأيت خلال رحلة عودتي من زمن ماركس وانجلز أمورا تبعث القشعريرة في الجسد. هل أقولها الآن؟ لا، دعنا ننتظر حتى لا يظن أحدا أننا نشتم الميت. ولكنْ، شيء واحد لا يستطيع الانتظار فقد رأيت قبل وصولي إلى زمننا الحاضر بقليل حشدا من العراقيين في بغداد متحلقين حول رجل أمريكي، فسألت من هذا؟ فقيل لي إنه الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر. ونقّلت نظري بين وجوه المتحلقين حوله، فأثار انتباهي شخص عريض المنكبين، بهي الطلعة، باسم الوجه، له خدود محفوفة لتوها، ويضع على شفتيه أحمر شفايف مثل بريجيت باردو، ويبدو عليه أنه يقوم بحركات غنج ودلع بقصد لفت أنظار بريمر، فسألت: ومن هذا ؟ فقيل لي: هذا زعيم الحزب الشيوعي العراقي، فأردت أن أعود من فوري إلى زمن لينين لأخبره عما رأيت، لكني أشفقت عليه من هول الصدمة التي قد يتعرض لها، ثم إني قلت: هذا الغلام أحترمه، فسئلت: لماذا، فقلت: لأنه أول زعيم شيوعي عربي ديمقراطي، فعشية الغزو الأمريكي للعراق لم يستسلم لنوازعه الداخلية ورغبته في أن يكون على ذمة رجل جديد بعد أن اختفى الرجل الروسي الذي عاش في كنفه لعقود من الزمن، وأراد أن يحصل على إقرار بشرعية نزعته، فأرسل مندوبيه إلى عواصم العالم يستفتي أنصاره في أمر الانضمام إلى التحالف الامبريالي الرأسمالي الأمريكي لغزو العراق، فقالت له الأكثرية المطلقة من أنصاره أنْ نعم، وهدد بعضهم حتى بالاستقالة من الحزب إن هو تلكأ في مساندة الغزو. أنا أحترمه لأنه يجلس قبالة بريمر ليس لغاية في نفسه، بل نزولا عند رغبة كوادر حزبه وقواعده، ولا أدري كم منهم كانوا من الطبقة العاملة. ولا أسأل عن أدوات الانتاج في الحزب، وملكية تلك الأدوات، وعلاقات الانتاج التي انتجت هذا الكم الهائل من الانحطاط، فعلى مدى سبعة عقود دفع قادة الحزب الشيوعي العراقي عشرات الآلاف من خيرة شباب العراق إلى أقبية التعذيب، وإلى المشانق في نضالهم ضد الامبريالية والرأسمالية، ودفاعا عن قيم "الطبقة" العاملة لينتهوا هم بأنفسهم غلمانا للامبريالية التي جاءت تغزو وطنهم، وسلموها ملكية كل وسائل الإنتاج التي كانت بيد المجتمع العراقي.
حديث الشيوعيين في هذا الزمن الأغبر عن مفاهيمهم الكلاسيكية يذكرني بالمثل الدارج "عرب وين .. طنبورة وين". وهذا المثل يطلق عادة على من يأتي بفعل، أو قول، في غير وقته، أو ربما في وقت يجب أن يحصل فيه، أو يقال شيء مغاير. المثل يأتي من أن أعْرُبيا … معذرة، يجب عليّ أولا أن أشرح معنى كلمة أعْرُبي. حين كنت صغيرا كنت أحيانا أصاحب والدي في رحلة خارج المدينة. كان يقول "نروح للعرب"، ليس لأننا هنود، ولكن كان هناك بعيدا عن المدينة عشائر عربية يأتي أفرادها إلى المدينة باستمرار للتسوق، وغالبا ما كان والدي يبيعهم البضائع بالدين، ويسجل في دفتره أسماءهم ومبلغ الديون المستحقة عليهم. وبعد فترة من غيابهم وتخلفهم عن تسديد ديونهم ما كان يبقى أمام والدي إلا أن يذهب إليهم حيث هم ليستحصل الديون منهم، وعندما يقول المرء هنا "نروح للعرب" فإن عبارة "العرب" تشير إلى موقع سكنى أولئك الناس، وليس إلى لسانهم. وكنا نطلق على الواحد منهم كلمة "أعْرُبي" بتسكين العين وضم الراء، تمييزا له عن عرب المدينة. في "العرب" لا تجد هناك وسائل انتاج، وبذلك ليس هناك ملكية لوسائل الانتاج، ولا علاقات انتاج، ولاحتى انتاج. فهؤلاء الناس يحتقرون العمل في الزراعة، وليست عندهم صناعة ولا تجارة. يعني لو أن الشيوعي العراقي ذهب إلى هناك ليدرس مجتمعهم فإنه يكون مثل الأطرش في الزفة، فكيف يمكنه أن يفسر حياة ذلك المجتمع دون استخدام قوالبه الكلاسيكية؟ كيف كانوا يعيشون؟ ربما كانوا في زمن كارل ماركس يعيشون على الغزوات فيما بينهم، أو على مهاجمة المدن القريبة وسلبها ونهبها، ولم تتح الفرصة لماركس لدراسة أحوالهم، وإلا كان أدخلهم ضمن نظريته عن أسلوب الانتاج الآسيوي. أما في زمن ظهور الطبقة العاملة العراقية فكان أولادهم يذهبون لأداء الخدمة العسكرية، ثم يتطوعون في الجيش، فكان ذلك مصدر رزق بعضهم، وربما كانوا يكسبون من تربية الخيول. ذات مرة أخذ والدي من بعضهم حصانا مقابل الديون. وهم على ضوء كل هذه المعطيات ليس بينهم صراع طبقي، دون أن يعني ذلك أنهم متحررون من الصراعات، فقد كان بينهم صراع أساسي وأزلي هو الصراع الجنسي. القتل بينهم كان دائما بسبب النساء، وحتى عندما كانوا يتعبون من الصراع ويبحثون عن حل، كان الحل جنسيا، فعائلة القاتل أو عشيرته تعطي لذوي المقتول مرة (إمرأة) وربما حصان أو حصانين، وينتهي الصراع. وينشأ بعد ذلك صراع جديد. هم معتادون على ذلك.
المثل الدارج هو أن أعْربيا من هؤلاء تزوج فتاة اسمها طنبورة. وكانت صماء وبكماء، فعلمها من بين ما علمها أنه عندما كان يريد أداء الطقوس الزوجية معها فإنه كان يفرش عباءته على الأرض، فتفهم طنبورة، فتأتي وتستلقي على العباءة استعدادا .. وذات يوم بينما الأعْربي خارج من البيت سمع مناديا ينادي أن العشيرة الفلانية بعدّها وعديدها تهاجمهم، فدخل إلى البيت فورا، وفرش عباءته على الأرض يريد أن يجمع فيها ما يستطيع حمله من أشيائه الثمينة ليهرب مع طنبورة، وراح يدور بين زوايا البيت، وحين عاد إلى العباءة بعد هنيهة وجد طنبورة مستلقية عليها استعدادا .. فقال لحظتها "عرب وين .. طنبورة وين".
يعني، إخوتنا الشيوعيون حالهم حال طنبورة. ما أن تفرش عباءة السياسة حتى يستلقوا عليها بالمفاهيم التي تلقنوها كأنهم صم وبكم، بينما العالم من حولهم يفور ويمور.
2015/1/12