ترامب بين الأمنيات والواقع !
مصطفى السعيد*
عندما تتسع الفجوة بين الأمنيات والواقع يحدث الكثير من الإرتباك والتخبط والإحباط، وما طرحه الرئيس الأمريكي ترامب خلال معركته الإنتخابية أو خطاب التنصيب يعبر عن طموحات عالية جدا، يصعب أن تتحقق في الواقع، لكن ترامب لا يبدو أنه يكترث بالتناقضات في خطاباته، وأبرز مؤشرات ذلك عندما تحدث عن نبذ الحروب وبناء السلام، بينما خطابه ينضح بالعدوانية، بما فيها إحتلال دول ذات سيادة، والتلويح بعقوبات إقتصادية عديدة، طالت حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة، وبالتالي يبشر بحرب إقتصادية عنيفة، وعادة ما تؤدي الحروب الإقتصادية إلى ما هو أعنف.
ركز الرئيس الأمريكي على رفع الضرائب الجمركية على المنتجات والسلع المستوردة، ويريد سد الفجوة الواسعة بين صادرات وواردات الولايات المتحدة، وكانت الصادرات الأمريكية إلى الصين قد بلغت 195.5 مليار دولار في عام 2022 وبلغت الواردات 562.9 مليار دولار. وبلغ العجز التجاري الأمريكي في السلع والخدمات مع الصين 367.4 مليار دولار، واتسعت الفجوة في العامين الأخيرين، وحين يتحدث ترامب عن توازن بين صادرات وواردات البلدين كان عليه أن يعرف ماذا يمكنه أن يصدر إلى الصين، فالصناعة الأمريكية تراجعت كثيرا، وبينما كانت تشكل 45% من الناتج الصناعي العالمي عقب الحرب العالمية الثانية، تصل الآن بالكاد إلى 10% من الناتج المحلي الأمريكي وليس العالمي، بينما قطاع الخدمات الأمريكي يشكل نحو 80% من الناتج المحلي الأمريكي، فهل تصدر الولايات المتحدة الخدمات؟ هناك خلل هيكلي في الإقتصاد الأمريكي يحتاج إلى معالجة مكلفة وصعبة وطويلة الأجل قبل أن تتمكن من تحقيق نمو مناسب يجعلها قادرة على منافسة القطاع الصناعي الصاني المتنامي بسرعة مذهلة، وتعتمد الكثير من الصناعات الأمريكية على منتجات منشأها الصين كأجزاء من مكوناتها الصناعية، وستقع في أزمة كبيرة عندما تتخلى كليا أو جزئيا عن وارداتها الصناعية من الصين، كما لا يجد السوق الأمريكي بديلا عن الصين في إمداده بالمنتجات الجيدة والرخيصة، وأي تعريفات جمركية ستصيب السوق الأمريكي بمعدلات تضخم عالية. هذا نموذج لأطروحات لا تستند إلى الواقع، ولا يمكن معالجتها بقرارات فوقية.
نموذج آخر لما طرحه الرئيس الأمريكي عن الحرب الأوكرانية، وما أعلنه عن قدرته على وقف الحرب في يوم واحد، وهو كلام يصعب تنفيذه، لما في الأزمة من تعقيدات كثيرة، وإذا كان ترامب لديه ورقة ضغط قوية على الرئيس الأوكراني بالحد من المساعدات العسكرية والإقتصادية، فإنه لا يستطيع التخلي بسهولة عن أوكرانيا، والقبول بهزيمة الغرب أمام روسيا، وفي المقابل لا يملك ترامب أوراق ضغط في مواجهة الرئيس الروسي بوتين، وما قاله عن العقوبات الإقتصادية ضد روسيا جرى استنفاذها في عهد الرئيس السابق بايدن، ولن يجد جديدا يمكن الضغط به على روسيا سوى الإستمرار في دعم أوكرانيا، بما يتعارض مع ما سبق أن أعلنه من استنزاف أوكرانيا لأموال الولايات المتحدة.
ويتضح الفرق الكبير بين الأمنيات والواقع عندما تحدث ترامب عن ضخ إستثمارات بنحو 500 مليار دولار لقطاع الذكاء الإصطناعي، وهو ما خالفه فيه إيلون ماسك، وأعلن عدم القدرة على توفير استثمارات تتجاوز عشرة مليارات دولار لهذا القطاع.
كما أعلن ترامب أنه سيشرع فورا في طرد نحو 11 مليون مهاجر غير شرعي، بالإضافة إلى أطفالهم، وأنه قد يستخدم القوات المسلحة في طرد المهاجرين، لكن الأمر ليس سهلا كما يعتقد، ولا يقتصر على صعوبة تنفيذ عمليات الإجلاء القسري، وما ستجره من أزمات إنسانية ومشكلات قانونية، بل هناك مشكلة إقتصادية كبيرة، تتعلق بمؤسسات إقتصادية أمريكية تعتمد على العمالة المهاجرة الرخيصة، والتي لن تجد لها بديلا، وستتأثر الكثير من أوجه النشاط الإقتصادي، ويعترض العديد من رجال الأعمال والمستثمرين الأمريكيين على التسرع في هذا الإجراء الذي سيضر بمشروعاتهم، ولهذا فمن الصعب تنفيذ ما تعهد به الرئيس ترامب، وسيلجأ غالبا إلى التخفيف منه، والتراجع الجزئي عن عمليات الترحيل القسري للمهاجرين غير الشرعيين.
أما أخطر ما قاله ترامب فكان يتعلق بضم كندا لتصبح الولاية الأمريكية 51، وكذلك ما أسماه استعادة قناة بنما، وشراء جزيرة جرين لاند العملاقة قسرا، في تحد خطير لكل القوانين الدولية، واستباحة واضحة لسيادة الدول على أراضيها، وهو ما يسبب في حالة من الفوضى العالمية، ويفتح الباب لحروب لا تتوقف، فعندما تمتد يد دولة إلى ما لا تملكه، ستواجه مقاومة من أطراف أخرى، وتجد أيضا من يحاولون تقليدها، بما ينسف قوانين وأعرافا دولية كانت مستقرة إلى حد كبير، وستدفع العالم إلى أتون صراعات يصعب توقع مداها.
إن الرئيس الأمريكي يقول ما يحلو له وما يتمناه، لكنه سيصطدم بواقع يصعب فيه أن ينفذ ما كان يأمله.
الأهرام
2025-01-31