ذروة العنف ونهاية الهيمنة الغربية!
مصطفى السعيد
هل القلق الوجودي الإسرائيلي له علاقة بالقلق الأمريكي والأوروبي من نهاية عصر الهيمنة الغربية؟ وهل العنف الإسرائيلي المذهل في غزة ولبنان له علاقة بالإندفاع الغربي نحو الحروب في أوكرانيا وشرق آسيا؟. لقد مرت إسرائيل بحروب وأزمات لم تصل فيها إلى هذه الدرجة من التوحش، التي وصلت إلى استخدام أشد القنابل فتكا، والتي تصل في قوتها إلى قنابل نووية، ولا يمكن أن نصدق أن هذا العنف المذهل ليس بمباركة الولايات المتحدة والغرب، فالذخائر الأشد تدميرا شحنتها تلك الدول إلى إسرائيل في ناقلات بحرية وجوية قبل وأثناء الحرب، ولم تتخذ أي دولة غربية ولو خطوة واحدة من شأنها كبح الإندفاع الإسرائيلي المجنون نحو أشد أنواع العنف، سواء في قتل عشرات آلاف المدنيين أو كسر قواعد أخلاقيات الحروب وقوانينها الدولية، وظلت الولايات المتحدة ومعها الغرب الأوروبي تمنح إسرائيل صك الغفران من كل جريمة تحت عنوان “حق الدفاع عن النفس”، وهو عنوان مفتوح لارتكاب كل أنواع القتل والإعتداء، بما فيها تدمير مقار دبلوماسية أو اغتيال شخصيات مثل إسماعيل هنية أثناء عملية التفاوض المفتوح، والذي كان الغاية منه منح إسرائيل كل الوقت الكافي للقضاء على كل ما تعتبره تهديدا لها أو الغرب. إن العلاقة العضوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليست جديدة، وكذلك ظلت إسرائيل بمثابة درة التاج الإستعماري الغربي، ووكيلته الحصرية في المنطقة الأكثر أهمية في العالم، ولهذا لم يكن غريبا أن يكون القلق الوجودي الذي ينتاب قادة إسرائيل يواكب القلق الغربي من انحسار الهيمنة وأفول عصر السيطرة الغربية على العالم، وهو المحرك الرئيسي لكل هذا الإضطراب الذي يجتاح العالم، والذي يكاد يصل إلى الإشتباك النووي، سواء حدث بشرارة تندلع في أوكرانيا أو كرة اللهب المتدحرجة من غزة إلى لبنان وحتى إيران واليمن مرورا بسوريا والعراق، وكذلك التحالفات التي يجري تشكيلها كحلف ناتو جديد في شرق آسيا بادعاء حماية تايوان، أو تلك التي تحدث عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، والتي دعا فيها إلى تشكيل تحالف يضم إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا لضرب إيران. إن مراكز الإضطرابات الحالية متباعدة جغرافيا، من أوكرانيا إلى غزة وتايوان، لكن أطراف الصراع في تلك المراكز الثلاثة تكاد تكون هي نفسها، وإن اختلف الترتيب، فالحرب الأوكرانية على رأسها حلف الناتو في مواجهة روسيا، وخلفها الصين وإيران وكوريا الشمالية، وفي غزة ولبنان نجد أن الهدف انتقل من غزة ولبنان إلى إيران، التي يشار إليها دائما بأنها المحرك للقلاقل في المنطقة، والداعمة لكل المنظمات المعادية للولايات المتحدة، ومن خلف إيران نجد روسيا والصين، وكلاهما وقعتا إتفاقيات تعاون إستراتيجي، تتجاوز الإقتصاد إلى السياسة والأمن. وفي أقصى شرق آسيا نجد الولايات المتحدة تنسج تحالفات حول الصين، ومعها روسيا وكوريا الشمالية. لكن ما الذي تغير، ورفع مستوى الصراع إلى هذا الحد؟ لقد كانت الصين على علاقة متناغمة مع الولايات المتحدة والغرب طوال عقود، وهي تحت حكم الحزب الشيوعي، أي نفس النظام السياسي الذي يصفه الغرب بالإستبدادي، وكذلك لم تكن روسيا معادية للغرب، بل عادت إلى الظهور على أنقاض عدو الغرب الرئيسي لعقود طويلة، وهو الإتحاد السوفييتي، وكانت جديرة بالتقدير على تركها النهج الإشتراكي المعادي للرأسمالية، وكذلك لم ينظر الغرب إلى إيران على أنها تهديد خطير، بل يمكن الإستفادة من خلافاتها مع دول الخليج في احتواء الطرفين، هكذا ظلت الأمور هادئة، حتى بدأت أعراض أزمات مزمنة تتضافر مع أخرى مستجدة، جعلت الغرب يشعر بعلامات الأفول، فالوزن الإقتصادي للغرب يتراجع بمعدلات كبيرة، بينما تنمو بسرعة مراكز أخرى أكثر حيويةـ حتى أن التقديرات الحقيقية للناتج القومي، المستندة إلى “تعادل القوة الشرائية” تضع الصين في المركز الأول بفارق 20% عن الولايات المتحدة في الناتج القومي، التي جاءت في المركز الثاني يليها الهند ثم روسيا، ويتفوق إقتصاد دول البريكس كميا عن الدول السبع الكبرى، وجميعها غارقة في ديون هائلة لن تتوقف عن الإرتفاع، فالديون الأمريكية إرتفعت من 30 ترليون إلى 36 ترليون في نحو 3 سنوات فقط، متجاوزة إجمالي الناتج القومي، مع عجز أكثر حدة في الميزان التجاري، بينما انفردت الصين بأعلى فائض تجاري، ويبدو أن الولايات المتحدة وخلفها أوروبا، ومعها بالضرورة إسرائيل لم تجد سوى القوة العسكرية لإيقاف حركة إنتقال مركز الثقل من الغرب إلى الشرق، وكلما اقترب الأفول تزداد الشراسة.
الاهرام
2024-10-14