«حلف الصادقين» و«أحلاف النصابين والغدّارين»!
جورج متى
أريد التوقف عند ما يمكن تسميته «حلف الصادقين» بين «حزب الله» و «حماس» على الأرضية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، رغم تورط جناح خالد مشعل، وقتاله في خندق العصابات التي كانت تديرها المخابرات الفرنسية في «القصير» و«القلمون الغربي» ضد مقاتلي «حزب الله» نفسه، من أجل السيطرة على تلك المنطقة وقطع خطوط الإمداد العسكري للحزب وتهديد خاصرته / جبهته الخلفية في منطقة «بعلبك -الهرمل». هذا كان السبب الوحيد لتدخل الحزب في سوريا، اعتباراً من ربيع العام 2013، وليس قبل ذلك، أي بعد عامين على انفجار الحرب السورية، وبعد أن كان آلاف المسلحين من 83 جنسية في العالم قد جرى شحنهم إلى سوريا فعلاً، عبر المطارات التركية في أنطاكيا وأضنة، وعبر مطارات الأردن، بالطائرات القطرية والأميركية والتركية، من آسيا الوسطى وأوربا الغربية وليبيا والخليج وتونس، فضلاً عن تدفقهم عبر الحدود البرية. وكان قد بلغ عددهم يومها أكثر من مئة ألف، وفقاً لتقديرات الصحف الغربية.
يومها، وبعد افتضاح تدخل جناح حماس المشعلاوي، وقتله حتى مقاتلي «حزب الله» في ريف حمص الجنوبي، حرص «نصر الله» خلال اجتماع قيادي خاص (كما كشفت «السفير» يومها في تقرير كتبه الصحفي المقرب جداً من الحزب « قاسم قصير») على توجيه كوادره بـ«عدم الحديث عن ذلك، لأننا لا نريد الإساءة لسمعة الأخوة في حماس، ولأن بعضهم فقط من فعل ذلك ولأن أي حديث عن الأمر سينعكس سلباً على القضية الفلسطينية». بل ووصل إلى حد أنه طلب منهم أن «ينكروا في أحاديثهم العلنية تورط حماس»!
لم يكن ذلك إلا انسجاماً مع «النهج الفلسطيني» للحزب الذي ولد من رحم فلسطينية وليس لبنانية؛ إلى حد أن تورطه الوحيد في الحرب الأهلية اللبنانية لم يكن من أجل مسألة داخلية لبنانية، بل ضد أبناء ملته الشيعة أنفسهم (حركة أمل) والنظام السوري وحلفائهما، دفاعاً عن المخيمات الفلسطينية (حرب المخيمات، 1985 وما بعد). وطوال الأزمة السياسية الصامتة بين «الحزب» و«حماس»، على خلفية الحرب السورية، لم تنقطع العلاقة الأمنية والعسكرية والمالية بينهما، بما في ذلك تهريب المال والسلاح إلى قطاع غزة. وهذا ما اعترف به لاحقاً عدد من قادة «حماس» بشكل علني (مثل «أسامة حمدان» و«خليل الحية» و الشهيد «صالح العاروري» و«أحمد عبد الهادي» و«يحي السنوار» نفسه).
ومن يتابع سيرة «الحزب» منذ تشكل خلاياه الأولى صيف العام 1982 خلال الغزو الإسرائيلي، وبعد الإعلان الرسمي عن تأسيسه في العام 1985، وحتى اليوم، يكتشف أنه لم يحد قيد شعرة عن هذا الخط. ففي العام 2004 ، قبل عشرين عاماً، وعلى خلفية اغتيال الشيخ المؤسس «أحمد ياسين»، وقف «نصر الله» ليعلن أن الحزب بأعضائه جميعاً، نساء ورجالاً، شيباً وشباناً، هم أعضاء في «حماس» وتحت قيادتها. واليوم تجري عملية تصفية الحزب كله وبيئته بقنابل اليورانيوم المنضب فقط بسبب ذلك. فلو اعتذر «الحزب» عن الدخول في حرب مساندة غزة لأي سبب (ولديه الكثير من الأسباب الوجيهة، أقلّها الأسباب الطائفية والسياسية الداخلية)، لما كان تعرض لما يتعرض له الآن، ولما كان قد فقد قادته جميعهم تقريباً، ولما كانت بيئته تتعرض للإبادة باليورانيوم المنضب. لكن مصداقية نهجه إزاء القضية الفلسطينية لم تسمح له بغير ذلك.
مقابل «حلف الصادقين» هذا، وباستعراض وثائق جميع الحروب السابقة التي شاركت فيها الجبهة الجنوبية (مصر) والجبهة الشمالية (سوريا) والجبهة الشرقية (الأردن والعراق)، منذ العام 1948، نرى أنها قامت كلها على النصب والاحتيال والخداع والغدر الذي كان يمارسه قادة هذه الجبهات ضد بعضهم البعض؛ بل وحتى الخيانة السافرة، كما فعل النظام المصري في حرب أكتوبر 1973، حين أقدم المجرمون الثلاثة (السادات، أحمد اسماعيل، سعد الشاذلي) على التسبب بتدمير الجيش السوري وخسارته ستة آلاف شهيد و23 ألف جريح بسبب الخديعة الخيانية التي قاموا بها (حتى من وراء ظهر رفيقهم الدرويش الساذج « عبد الغني الجمسي»). فقد باعوا «حافظ الأسد» خطة حربية مزيفة وكاذبة على الورق تقضي بالوصول إلى «الممرات / متلا والجدي» (وهذا ما كان شرطه للدخول في الحرب)، بينما راحوا ينفذون خطة أخرى لا يعرفها أحد سواهم (بمن في ذلك «الجمسي» نفسه، كما كشف واعترف في مذكراته)، تقضي بالاكتفاء باحتلال شريط ضيق على الضفة الشرقية للقناة، ثم إبلاغ وكالة المخابرات المركزية عبر رئيس محطتها السرية في القاهرة («آرثر مارش ناينر Arthor March Niner») في مثل هذا اليوم بالضبط (7 أكتوبر) بأن يبلغوا إسرائيل حرفياً «إن مصر ستكتفي بالشريط الضيق الذي احتلته على الشاطىء الشرقي للقناة، وليس لديها أي نية لتطوير هجومها شرقاً». أما من نقل الرسالة لـ «ناينر» فلم يكن سوى «حافظ اسماعيل»، مستشار «السادات» للأمن القومي! ولم يكن للأميركيين والإسرائيليين أن يفهموا الرسالة إلا بالطريقة الوحيدة التي يمكن أن تُفهم من خلالها: «يمكن لإسرائيل أن تنقل جميع قواتها على الجبهة المصرية، وتلك الفرق المتمركزة في الضفة الغربية لنهر الأردن، فضلاً عن قوات الاحتياط، إلى الجبهة السورية»، كما حصل فعلاً اعتباراً من 8 أكتوبر.
المجرمون الثلاثة اعترفوا بأن عبور القناة أمر مستحيل إذا لم يجر توريط السوريين في الحرب. لأن دخول الجيش السوري الحرب سيرغم إسرائيل على الزج بمعظم قواتها على الجبهة السورية وليس المصرية، وسيجعل من الجيش السوري اسفنجة تمتص ردة الفعل الإسرائيلية كلها حين تنهض من كبوتها. وما ذلك إلا لأن الجبهة الشمالية هي الأخطر على قلبها الحيوي، وبالتالي سيكون جهدها العسكري في معظمه منصباً للدفاع عنها. فهي لا تبعد سوى أقل من 50 كم عن المناطق الحضرية في إسرائيل، بينما لا تشكل الجبهة المصرية أي خطر أو تهديد استراتيجي لإسرائيل، نظراً للحاجز الطبيعي الصحراوي الذي تشكله سيناء، والذي يبلغ عرضه قرابة مئتي كيلو متر من الأرض المنبسطة والمكشوفة!!
2024-10-08