لماذا سورية؟
د. ربا غزول*
كعادته الهمجية الوحشية قام العدو الإسرائيلي في مساء الثامن من آب بعدوان همجي تضمن حوالي خمسة عشر غارة تعتبر الأعنف منذ سنوات على أراضي الجمهورية العربية السورية، كان نتيجتها استشهاد عدد من المواطنين السوريين وإصابة آخرين. تلى هذه الجريمة ادعاءات كاذبة من قبل إعلام الكيان المجرم أن تلك الغارات استهدفت مقرا للصناعات الكيميائية، وروجت رواية إسرائيلية كاذبة أخرى أنها استهدفت قوات إيرانية، لكن المصادر الرسمية السورية نفت كل تلك الادعاءات، وأكدت عدم وجود مصانع للمواد الكيميائية في سورية، لأن هذه المواد محرمة دولياً ولأن السلاح الكيماوي غير معاصر، كما أكدت المصادر الرسمية السورية أن الشهداء والمصابين كلهم مواطنون سوريون من عسكريين ومدنيين، وهذا ما أكده الجانب الإيراني أيضاً في تصريح له.
بعد هذا المشهد الذي سبقته العديد من المشاهد المماثلة خلال السنوات الماضية، لنقفْ طويلاً ولنسألْ لماذا سورية ؟ لماذا الاستهداف الدائم لأراضي الجمهورية العربية السورية من قبل الكيان الصهيوني ؟ .
سؤال إجابته ليست كلمات أو سطور … سؤال إجابته تاريخ من سنين من المقاومة والنضال، وحاضر من الانتصارات التي غيرت مجرى التاريخ.
تاريخ طويل يطول سرده فمحطاته يطول عدّها، لكن سأبدأ منذ أن كان الرئيس المؤسس حافظ الأسد رحمه الله وزيراً للدفاع، حيث كان همه الأول دعم المقاومين الفلسطينيين، فقد فتح لهم الثكنات العسكرية السورية، وتخرجت فيها قيادات مهمة في المقاومة، وبعد أن وصل الرئيس المؤسس رحمه الله إلى الحكم عام 1970 أصبح دعم المقاومة الفلسطينية أكبر، وتم تأسيس معسكر لتدريب الفدائيين الفلسطينيين، وفي عام 1987 فتحت سورية ذراعيها لحركة حماس التي تأسست حينها، وقدمت لها كل ما يلزم من مساكن آمنة وأموال وسلاح ومعسكرات تدريب.
بعد رحيل القائد حافظ الأسد حمل السيد الرئيس بشار الأسد راية المقاومة، وأكمل مسيرة القائد المؤسس في دعم القضية الفلسطينية وتبنيها، لتكون سورية داعماً للمقاومة الفلسطينية بشكل عام، ولأهلنا في غزة بشكل خاص، في كل ميدان على الأرض أو في المحافل الدولية.
لم تكن سورية داعمة للمقاومة الفلسطينية فقط، بل كانت داعما لأي مقاومة تهدف إلى تحرير الأراضي المحتلة، وتجلى ذلك في دعم المقاومة اللبنانية، لنشهد بعد هذا الدعم والنضال محطات عديدة من الانتصار، كان أبرزها انتصار المقاومة وتحرير جنوب لبنان عام 2000، وانتصار تموز عام 2006، وانتصار سورية، وتفكيك المخطط الأميركي الهادف إلى تقسيم سورية كخطوة أولى لرسم خارطة جديدة للمنطقة تحقق المصالح الصهيو-أميركية في سرقة ثروات الشرق الأوسط – كما أسموه – واستغلال موقعه الاستراتيجي من ممرات بحرية وبرية.
ليكلل كل ما سبق بحاضر من غار صدم العالم بأجمعه، ممثلا بطوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول عام 2023.
لكن الإجابة الدقيقة على سؤال لماذا سورية تبدأ من زيارة وزير الخارجية السابق للولايات المتحدة الأميركية كولن باول إلى دمشق عام 2003، ومقابلته رئيس الجمهورية العربية السورية السيد الرئيس بشار الأسد، حيث قدّم باول عرضه الرخيص والذي تضمن تجميد نشاط الفصائل الفلسطينية، وإغلاق مكاتبها في دمشق، والتخلي عن دعم القضية الفلسطينية، والتخلي عن دعم المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان متمثلة بحزب الله؛ عرض قوبل بالرفض المطلق من قبل الرئيس الأسد.
لنكملَ إجابتنا لابد أن نراجع أحداث حرب تموز عام 2006 التي انتصر فيها حزب الله انتصاراً هز الكيان الصهيوني وألحق به هزيمة تاريخية. هذا النصر الذي أهداه سيد المقاومة الأمين العام لحزب الله لسورية، حيث وصفها في إحدى خطاباته حينها “سورية ظهر المقاومة وسندها”. حيث كانت سورية حلقة هامة في حرب تموز، وأدت دوراً سياسياً وعسكرياً من خلال إمداد حزب الله بالسلاح، حيث أشار حينها المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله أن الجيش السوري قام بتقديم الإمدادات العسكرية للمقاومة طوال أيام الحرب، وأكد أن الرئيس الأسد هو شريك أساسي في الانتصار على إسرائيل، كما أكد أن الجيش السوري فتح مخازنه وأرسل جميع أنواع الأسلحة النوعية، ومنها صواريخ الكورنيت التي كان لها دور كبير في الانتصار وتدمير دبابات الميركافا الإسرائيلية.
كل ذلك أكده الإعلام الإسرائيلي حينها، الذي وصف الوجود السوري بأنه جبهة تستدعي القلق، جبهة أصيب العدو بالخوف والقلق منها، قلق دفع الولايات المتحدة الأميركية لحرب على سورية وضعت فيها كل أدواتها وخبراتها، حرب متعددة الأشكال سياسية وعسكرية واقتصادية، كان أوجها عام 2011 حتى عام 2018 ومازالت آثارها حتى وقتنا هذا.
حرب أميركية باءت بالفشل، بل دفعت أيضاً الجيش العربي السوري لتطوير خبراته، وأكسبته فنون حرب جديدة، ودفعت صفوف المقاومة في المنطقة الإقليمية للتوحد، بل دفعت القوى العظمى مثل روسيا والصين لتتنبه للخطر الأميركي القادم إلى الشرق، ودفعتها للتحالف الاستراتيجي مع سورية.
لنختمَ إجابتنا عن “لماذا سورية؟” يجب أن نقرأ حاضرنا اليوم، حاضراً تضاعفت فيه قدرات المقاومة كماً ونوعاً، وتوحدت جبهاتها لتصنع محوراً أصبح يمثل قوة إقليمية عظمى دون أي مبالغة؛ من لبنان إلى سورية والعراق واليمن وإيران. وأكبر دليل على ذلك طوفان الأقصى الذي اقترب احتفاله بذكرى ميلاده الأول، طوفان الأقصى الذي أصبح كابوساً يؤرق الكيان جيشاً ومدنيين حتى هذه اللحظة.
لماذا سورية؟ …. لأن سورية بقيادة رئيسها المقاوم السيد الرئيس بشار الأسد – الذي أكد في كل خطاب له مهما اختلفت المناسبة أن فلسطين هي قضيةُ سورية المركزية وأن الجولان عربي سوري – ستبقى عموداً من أعمدة محور المقاومة، وستبقى داعماً للمقاومة وحليفاً لها في حروبها ضد الاحتلال، وستحصد معها نصراً بعد نصر …. هل عرفتم لماذا سورية؟!
– سورية
2024-09-11