ذكرى خراب الهيكل هل سيكون مختلفًا مع الطوفان !
رنا علوان
تحل هذه الذكرى في التاسع من شهر آب/أغسطس من كل عام ، وتحمل بعضًا من الطقوس الخاصة ، كالصيام الذي يبدأ عشية اليوم التاسع عند غروب الشمس ، ويستغرق 25 ساعة تقريبًا حتى منتصف اليوم التالي
خلال ساعات الصيام يحظر الأكل والشرب والقيام بأي عمل يهدف إلى التمتع وهذه الموانع تختلف ما بين اليهود السفارديم واليهود الأشكناز ، لكن يتفق الجميع على أن يغلب طابع الحزن على حياتهم في هذا اليوم ، وعدم لبس الملابس الجديدة كما يجلسون على الأرض ويذهب البعض إلى لبس ما يشبه الصوف والجلوس على الأرض ، ويتم في هذه الليلة قراءة سفر مراثي إرميا (איכה) ويقرؤون في صباح اليوم التالي في الكنيس قصيدة مرثية يتلونها بنغم حزين وتسمى كينوت (קינות )
بحسب روايات دينية يهودية ، والعهد القديم (التناخ) فإن الصراعات الداخلية بين الطوائف اليهودية هي التي أدت الى خراب الهيكل الأول حيث انهارت المملكة “الداودية-السليمانية” و”مملكة الحشمونائيم” ، قبل تجاوز أي منهما الـ80 سنة ، أما في الادعاءات الصهيونية ، فإن البيت الأول قد دمره نبوخذ نصر ملك بابل سنة 586 ق.م، فيما قضى على البيت الثاني تيتوس ابن امبراطور روما سنة 70 ميلادية ، أما البيت الثالث فهو الكيان اللقيط الحالي (اسرائيل)
والسؤال الذي يطرح نفسه هل أيضًا سنشهد خراب “الهيكل الثالث” قريبًا ؟!؟
قبل البدء لا بد من التوضيح ان المقصود بالهيكل هو [ دولة المنظومة الصهيونية ]
يُفند البروفيسور شلوموساند “ابن هذا الكيان ” ، روايات الشتات اليهودي في كتابه (اختراع الشعب اليهودي) ويسأل شلومو : من هو اليهودي؟!؟ وهل يوجد اثنان من حاخامات اسرائيل متفقين على ذات الاجابة ؟!؟ ويجيب ، قطعًا لا ، لأن تأثير الاجابة سيُعجّل بخراب (الهيكل أو البيت الثالث) فالجميع متخوّف من تلك الصراعات التي نشبت داخل الكيان ، ومن بينهم بنيامين نتنياهو نفسه ، وان لا يتجاوز عمرالكيان الـ80 سنة بسبب اللعنة التي اصابت مملكة (الحشمونائيم) من قبل
والتخوّف الأكبر من قضية قانون التجنيد الجديد الذي سيطرح على كنيست منظومة الاحتلال والاستيطان العنصرية (اسرائيل) التي فجّرت الحقائق التاريخية لطبيعة وتكوين المجتمع اليهودي فيها ، كما أظهرت للسطح الصراع بين العلمانيين والمتدينين المتطرفين من جهة ، وبين تيارات الصهيونية الدينية واليهودية الأصولية من جهة اخرى ، وقد تودي الى انهيار ما يسمى الهيكل الثالث ، أي (دولة المنظومة الصهيونية) كما سبق وذكرنا
ليهود اسرائيل حاخامان أكبران : الأول لطائفة اليهود الشرقين (السفارديم) ومنهم (الحريديم) ، والثاني (للأشكناز) اليهود الغربيين ، وبالطبع هناك اختلاف كما تشابه فيما بينهم
يرى الباحث مردخاي كيدار أن السبب الجوهري لرفض الحريديم الخدمة بالجيش متعلق بسلوكهم الاجتماعي ، فهم منغلقون انعزاليون ، وان الدولة علمانية لا تطبق الشريعة” ويُشكّل اليهود الحريديم نحو 13% من سكان الكيان ، ويدعون لتكريس حياتهم لدراسة التوراة ، ولا يخدمون بالجيش ، منذ سنة 1948 بعد تسوية مع رئيس المنظومة ديفيد بنغوريون الذي اصدر اثرها قرار اعفاء الحريديم من التجنيد الاجباري ، اذا كانوا مُلتحقين بالمدارس الدينية ، إلا أن المحكمة العليا للكيان ألغت بعد ذلك قانونًا شُرّع في 2015 ، قضى بإعفائهم واعتبرت الإعفاء مساسًا بـ”مبدأ المساواة”؟!؟
( علمًا ان قانون المنظومة يلزم كل فرد فوق سن الـ18 بالخدمة العسكرية)
ولا زال اليهود الحريديم ، يرفضون فكرة التحوّل لليهودية ، ويرون أن اليهود الغربيين (الأشكناز) ليسوا يهودًا ، كما ورد في كتاب آرثر كوستلير بعنوان (القبيلة الثالثة عشرة) بإعتبار أن الأسباط ابناء يعقوب اثنا عشر فقط
وهذه مُعضلة حقيقية ، وليست وليدة هذه الفترة ، بل تعود لحقبة بعيدة ، فعندما عُرض على اليهود الألمان الهجرة الى فلسطين ، رفضوا رفضًا قاطعًا في بداية الأمر ، حيث كان جوابهم [ نحن اصحاب ديانة ، ولسنا شعبًا ]
ويعود رفضهم هذا (بعدم قبولهم الإنخراط مع “مرتزقة ” آخرين في بقعة جغرافيا واحدة ، ذلك لأنهم لا يرون ان كل اليهود (يهودًا ) فهناك يهودي من امه فقط ، او من والده فقط ، وهناك أيضًا المتهوّد ، اي انه يوجد اختلاط بالجذور وبالتالي بالدم ، وليس يهودي حقيقي
ويكشف لنا تصريح الحاخام الحريدي المتشدد تسفي يهودا فريدمان عمق الشقوق في بناء الثقافة الاسرائيلية اذ وصفها بالعلمانية ، وقال في موقف شديد العدائية ضد الخدمة بالجيش: “إننا لن نُقدم على القيام بأمر هو أسوأ من الموت”
وقال: “الأفضل أن نكون مع خنازير من التواجد في مكان واحد مع العلمانيين” ويمضي بلسان عنصري ليقول: “لدي ما بين 30 إلى 40 حفيدًا ، وإذا سألوني ماذا تفضّل … أن يقتلهم العرب أم أن يصبحوا علمانيين؟!؟ فإن العلمانية عندنا تتجاوز الموت ، وهي أكثر خطورة بكثير”
أما الحاخام الأكبر لليهود السفارديم في إسرائيل يتسحاق يوسيف فقد برهن على انحصار العلاقة ما بين أتباعه و(دولة اسرائيل) بالمصلحة المادية فقط بقوله: “إذا أجبرونا على الالتحاق بالجيش فسنسافر جميعًا إلى خارج البلاد ، نشتري التذاكر ونذهب…”
الا ان المدارس الدينية تتمتع بموازنة خاصة من حكومات اسرائيل ، جراء ابتزاز الأحزاب الدينية ، واستغلال ثقلها في الكنيست ، كما فعل رئيس حزب “شاس” أرييه ادرعي ورئيس حزب “يهودية التوراة” موشيه غافني ، عندما هددا بفرط ائتلاف حكومة نتنياهو بالانسحاب منها اذا فرض قانون الخدمة العسكرية على الحريديم
هنا يمكننا الاستشهاد بعنوان لمقال كتبه ايهود باراك –رئيس حكومة المنظومة السابق– في صحيفة يديعوت احرونوت بتاريخ 8 أيار 2022 حيث قال “التهديد الحقيقي هو في الكراهية بين اليهود” ويقصد كما شرح في المقال أسباب انهيار اسرائيل بإعتبارها (البيت الصهيوني الثالث) جراء هذه العنصرية
وبالعودة الى طقوس هذه الذكرى ، يجري فيها تصعيد لاقتحامات المسجد الأقصى ، وانتهاكات للمقدسات الإسلامية ، حيث أن هناك “علاقة طردية تطورت منذ احتلال المسجد الأقصى عام 1967 والاقتحامات اليهودية له ، وترافقت هذه الاقتحامات من حيث زخمها وتعاظمها وتطورها مع ثلاثة معالم شهدها المجتمع الإسرائيلي” وتحويل بعضها لكنيس يهودي
هذه المعالم تمثلت في “تغلغل الدين في مجتمع العدو الإسرائيلي وانتقاله من “العلمانية المحضة” إلى قبول الدين في تصاريف الحياة وتقبل قيمه وأفكاره ومنها موضوع المسجد الأقصى ، بزعم أنه حق يهودي خالص ومِنّة إلهيّة اعتدى فيها المسلمون على هذا الحق الإلهي الممنوح لشعب الله المختار (حسب عقيدتهم المُحرّفة) ناهيك عن تغلغل التيار الديني الصهيوني في مفاصل الدولة وخاصة الأمني وسيطرته على بلدية القدس المحتلة وفرض أجنداته السياسية المنبثقة من البعد العقدي على عموم القدس والبلدة القديمة عبر سياسات التهويد للأرض
ويتم ذلك إما بمصادرتها أو فرض وقائع جديدة مثل اقتحام البيوت ، وإخراج أهلها منها والاستيطان فيها ، وقد شمل ذلك البلدة القديمة ، والبدء بهدم حي المغاربة وإقامة الحي اليهودي سعيًا لمحاصرة الأقصى
هذه الأجندة (التهويدية) تتعزز بإستمرار عبر الأعياد اليهودية التي تشكل الرافعة العملية لزيادة وتيرة الاقتحامات من جهة ، كما بغية فرض سياسات جديدة من جهة أخرى ، وهذا ما تجلى بوضوح في الإقتحامات الماضية ، حيث شهدنا “أغلاق لسوق القطانين ومنع أصحاب المحال التجارية من فتح محالهم وتحويل السوق لمنطقة صلوات يهودية ، كما صرحت قيادات دينية نافذة من “الصهيونية الدينية” و”القومية الدينية” بالعمل على جعل السوق ، “منطقة صلوات تلمودية” أي تحويله إلى كنيس ، وإذا تحقق هذا الطرح عمليًا ، نكون قد خسرنا منطقة ثانية داخل البلدة القديمة بعد خسارتنا باب المغاربة ، خاصة وأن سوق القطانين يسيطر على حيز منه جمعيات صهيونية-دينية ، وبذلك تكون أحد أهم روافد المسجد قد أغلقت أمام المصلين من جهة وتحولت إلى بؤرة استيطانية تزحف سريعًا نحو المسجد ، وهذا يتناسب وطرح بن غفير الرسمي لنتنياهو بفتح المسجد للمقتحمين اليهود على مدار الساعة”
ختامًا ، في ظل هذه الأحداث القائمة نتيجة طوفان الأقصى الذي كان من أحد اسباب الشروع به والإقدام عليه كما ذكر القائد محمد الضيف في صبيحة السابع من اوكتوبر هو منع تهويد القدس ، وقبلها ما ابداه من تهديد ووعيد القائد ابو ابراهيم السنوار في شهر رمضان المبارك الذي سبق الطوفان نتيجة التعرض للحرائر في المسجد الأقصى حيث قال جملته ” آتون بطوفان هادر ” ، وتفاقم حدة المواجهة بين العدو والمقاومة بجميع محاورها لا سيما الاعتداء على اليمن وضرب الحديدية ، كما ضرب العمق في الداخل اللبناني معقل حزب الله واغتيال احد اكبر القادة لديه ، وتزامُن ذلك مع الاعتداء ايضًا على العاصمة الإيرانية طهران واغتيال القائد هنية على اراضيها ما دفعها ذلك الى اعلان الرد القريب ، وسبقها اليمن ولبنان في القرار نفسه ، ما يعني ان العدو ينتظر رد من جميع المحاور ، وقد يتزامن الرد في وقت واحد او يوم واحد ، او ليلة واحدة ، وهذا الإفتراض لعله الانسب لكف يد العدو عن التمادي في البطش والاجرام والتهوّر ، وإعادة نتنياهو المعتوه ولو قليلاً الى رشده ، لكن يبقى السؤال هل سيكون ذلك في هذه الذكرى ، حيث ان “هُناك سببًا رمزيًا لمهاجمة العدو اللقيط في هذا التاريخ ، وهو إحياء الصدمات التاريخية وإعادة عرض صور الدمار ، خصوصًا انهم متخوفون جدًا من تحقق لعنة العقد الثامن ؟!؟
2024-08-07
