نتنياهو ومصيّْفات الكابيتول!
محمد ابو عريضة
في ثقافة فلاحي جنوب بلاد الشام؛ يوجد تعبير “مصيّْفات”- من الصيف -، ومفردها “مصيّْفة”، وهن نسوة فقيرات، يتبعنَّ خطوات الحصّادين لالتقاط سنبلات قليلة يتركها الحصّادون خلفهم، ينسجنَّ منها حزمًا، وفي آخر النهار تجد الواحدة منهنَّ وقد جمعت كمية من القمح.
تتكرر عملية “التصييف”- جمع السنبلات الساقطة سهوًا أو المتروكة عن قصد – في أكثر من حقل، بخاصة أن أصحاب الحقول لا يحصدون في الوقت نفسه، بل ظل الفلاحون يحصدون بالتوالي، حتى يساعد الواحد منهم جاره أو قريبه. فتجد الواحدة من “المصيّْفات” قد جمعنَّ آخر موسم الحصاد كمية من القمح، يتحول إلى دقيق يعين الأسر الفقيرة في معيشتهم.
“المصيّْفات” يكرهن الحصّاد الماهر، لأنه لا يترك خلفه أي سنبلة، أو يترك سنبلات قليلة، بينما الحصّاد غير الماهر “الهامل” – وفق تعبير أهل القرى -، يترك خلفه كميات كبيرة من السنبلات.
لكن لهذه الصورة وجه آخر، فبعض أصحاب الحقول، بخاصة إذا ما كانوا هم من يحصد، وكانوا من أهل الخير، فإنهم يتركون خلفهم كميات من السنابل عن قصد، ليزيدوا من فرص “المصيّْفات” في الحصول على كمية أكبر من القمح.
المهم في هذه القصة أن “المصيّْفات” يكرهن الحصّاد الماهر، ويتحاشينَّ “التصْييف” خلفه، بينما يتنافسنَّ على اتباع خطوات الحصّاد “الهامل”، بل إن “المصيّْفات”، حينما يبدأنَّ بإطلاق حناجرهنَّ بأغاني الحصاد، يمدحنَّ الحصّيادين غير المهرة “الهمل”، بذكر أسمائهم في الأغاني، ولا يصيب الحصّادين الماهرين شيئًا من أغاني وتراويد هذه “المصيّْفات”.
مشهد “المصيّْفات” وهن يغنينَّ للحصادين “الهمل”، وانتفاخ أوداج غير المهرة، وتضخم ذواتهم أمام الحصّادين المهرة، لأنهم المقصودون بأغاني “المصيّْفات” ذكرني بمشهد “نتنياهو” وهو يتوقف مرات عدة عن إلقاء خطابه على منصة “الكونجرس” الأمريكي، لأن المصفقين من النواب والشيوخ الأمريكان “ألمصيّْفات” كانوا يقاطعونه بالتصفيق.
“نتنياهو” ترك خلفه كيان يتفسخ، وجيش لا يعرف ماذا يفعل في اليوم التالي، وماذا ينتظره في ميادين غزة، وكيف يتعامل مع جبهة الشمال و”هداهد” حزب الله، وماذا ينتظره من ردود يمنية بعد ضرب طائراته الحديدية، فاليمن الذي صمد ثمان سنوات في وجه العدوان السعودي الإماراتي وحلفائهما وما خلفهما من قوى إقليمية وعالمية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني وأمريكا، لا يمكن له أن يتجرع مرارة العدوان على الحديدة من دون رد.
“نتنياهو” الذي تلاحقه العدالة الأممية على جرائمه وجرائم أركان حربه في غزة، و”نتنياهو” الذي يتحاشى السفر إلى غير دولة في العالم، خشية إلقاء القبض عليه. “نتنياهو” الذي تطارده الفعاليات الاحتجاجية في كل دول العالم، وتدينه كل الشعوب والأمم، بل إن مظاهرة حاشدة بعشرات آلاف الأمريكيين طوقت مبنى “الكابيتول” امس وهو يلقي كلمته. “نتنياهو” المسؤول الصهيوني الوحيد في تاريخ الكيان الذي يقاطعه عشرات النواب والشيوخ الأمريكان ولا يحضرون جلسة الاستماع إليه، وينتظره لقائين صعبين مع الإدارة الأمريكية برأسيها – بايدن – هاريس” ومع “ترامب” الغاضب منه.
“نتنياهو” المتضخم المتكبر المتعجرف النرجسي؛ يقف له مئات النواب والشيوخ الأمريكان وهم يصفقون لكلماته، هو نفسه “نتنياهو” العاجز عن الخروج من وحل غزة، هو نفسه العاجز، وفق تعبير الصهاينة أنفسهم، في مواجهة حزب الله. “نتنياهو” النجم تحت قبة “الكابيتول” هو نفسه المرعوب من الرد اليمني المنتظر، المرعوب من مصيره ومصير كيانه. “نتنياهو” حصّاد “هامل” تغني له “مصيَّفات” مبنى “الكابيتول”.
2024-07-25