أردوغان .. رحلة الاياب!
أضحوي الصعيب*
في أوج قوته قبل عشر سنوات لم يعد اردوغان قانعاً بقيادة دولته وحدها، فتحول الى امبراطور فاتح لا تتوقف جيوشه عند حدود الدول وانما تتجاوزها الى سوريا والعراق وليبيا وقطر والسودان. ولم يعد مكتفياً بجيش بلاده فاستنفر (المجاهدين) من كل اصقاع الارض ليحملوا طموحاته في بلاد العرب. فأصبحت تركيا ثكنة عسكرية تعج بالمعارضين الاسلاميين من مختلف الدول العربية، وبالمجاهدين الآسيويين المتوجهين الى الدول العربية، وبملايين اللاجئين القادمين من ساحات حروبه.
لم يكترث وقتها لتدهور علاقاته السياسية بمختلف الدول، فانهارت مع سوريا ومصر، وتوترت مع العراق والامارات والسعودية وروسيا وارمينيا واسرائيل والاتحاد الاوربي، وكانت سيئةً اصلاً مع اليونان وقبرص. كان يعتقد ان التوسع الامبراطوري يستحق التضحية بكل تلك العلاقات.
غير انه فشل فشلاً ذريعاً في كل ما تطلع اليه. فإذا استثنينا انتصار اذربيجان على ارمينيا لم يحقق اردوغان اي تقدم في اي اتجاه، وبدأ اقتصاده يئن تحت وطأة هذا الاستعداء الكارثي للجميع، ولاحت نُذر الفشل في الانتخابات بسبب سخط الشارع التركي من تلك المغامرات غير المجدية. هنا بدأ بخلع الوجه الرسالي الذي خدع به ملايين البشر وامتشق وجهه الآخر الذرائعي، فأخذ يتخلى عن شعاراته الواحد تلو الاخر وينقضها (كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثا). لم تكن العملية سهلة لأن الدول التي أساء لها غير مستعدة للصفح بمجرد ان تقتضي مصالحه السياسية والانتخابية. وجد نفسه مطالباً بالكثير من التنازلات والتذلل والقبول بشروط بعضها مهين، فلم يتردد وراح يطرق الابواب المغلقة تباعاً. تذلل للسيسي وطرد الاخوان المصريين كعربون واغلق قنواتهم، وتذلل للسعودية وسلّمها ملف خاشقجي باليد، وتذلل لروسيا واعتذر بثلاث لغات وسجن الطيار الذي اسقط الطائرة الروسية، وتذلل لإسرائيل فتنازل لها عن دماء الاتراك الذين قُتلوا فوق السفينة مرمرة، ومنع لخاطرها رجال المقاومة الفلسطينية من التواجد على الارض التركية، وبقيت العقدة الاهم والأجلى.. سوريا ونظام الاسد!.
ان التصالح مع سوريا هو الاكثر صعوبةً على نفس اردوغان وآيديولوجية حزبه، ومن مفارقات الاقدار انه الاشد إلحاحاً لإرتباطه المباشر بنتائج الانتخابات المقبلة ومستقبله السياسي. فالشعب التركي ضاق ذرعاً بتواجد ملايين السوريين ينافسونه على كل شيء، والتقطت احزاب المعارضة هذه الورقة لتجعل منها الورقة الانتخابية الاولى. ولا مناص لأردوغان من تجرّع هذه الغصة والتوجه الى دمشق للتخلص من هذا الكابوس. ويبدو انه في الطريق اليها ليبيع ( الثورة السورية) في سوق الخردة كثمن لإرجاع ملايين السوريين الى بلادهم والتخفف من ثقلهم الانتخابي فوق كاهله. ولنا حديث بهذا الشأن مع مراسم دفن (الثورة) على يد مفجرها.
( ابو زيزوم _ 1308 )
2024-07-14