صراع الشعوب من اجل تقرير المصير طويل ومرير، ولكنه ضرورة انسانية تفرضها فطرة الانسان التي تحثه على التحرر من القيود والتمتع بالحرية.
فالحرية شرط لانسانيته، وبدونها يصبح مقودا لغيره، وينتهي دور العقل الذي اختص الله الانسان به.
وما اكثر الآيات التي تحدث الانسان على التفكر، ولولا قدرته على ذلك لما امره الله به.
والتفكر ينطوي على فرضية مفادها ان للانسان عقلا قادرا على الانطلاق والعمل بدون وصاية وخارج الاطر البشرية التي قد يسعى البعض لفرضها.
والاحرار هم الذين يرفضون الاستعباد، ولا يقبلون بان يسلبهم احد ذلك الحق الطبيعي المشروع. وليس من الصعب ملاحظة الفرق بين الاحرار والعبيد، فالنوع الاول يتمتع بعقل متحرك فاعل، يقرر ما يريد، ويرفض الخنوع او الخضوع، ويصر على ممارسة انسانيته كاملة، يشارك، يناقش، يعترض، ينتقد.
بينما النوع الآخر يعيش ذليلا قانعا بعيشه، يرضى بان يقفل عقله وقلبه، ويستسلم امام الضغوط، ويتخلى عن قناعاته بسهولة. هذا البشر يفقد احساسه بانسانيته، ويستمريء العبودية، ويكتفي بالعيش على هامش الحياة.
لا يبحث عن المال والمادة فحسب، ولا يرضى بان يعامل مثل البهيمة، ويرفض ان يكتنز الطعام حتى الغثيان وهو يعلم ان هناك جياعا وعطاشى بملء الدنيا.
الاحرار لديهم انسانية كبيرة، لا يستطيع احد ثنيهم عنها لانها تمثل لهم امتدادا اخلاقيا وفكريا ونفسيا، ويطالب بالسماح لعقله بالانطلاق في آفاق الفكر والثقافة، باحثا عن احتياجات الآخرين.
فهو يتصدر ميادين التغيير دائما، ويلح على التمتع بكل ما هو حق له من الله سبحانه وتعالى.
وفي هذه الدنيا يكثر المتسكعون الذين يعيشون على هامش الحياة يستخدمهم الطغاة لتحقيق مآربهم، يجلدونهم بالسياط ويحملونهم ما لا يطيقون.
تلك بعض إضاءات الحرية ومصاديق العقل، فمن لا يستطيع استيعابها فانه مطالب بالعودة الى اسس الدين ومنطلقاته، وما يفرضه على اتباعه من تفكير. فلا يقبل انتماؤه للدين من دون ان يتصدر اصحاب العطاء ويفتح صدره للتضحية والفداء.
البحرانيون شعب جبل على حب الحرية وكره الاستعباد. لم يستطع احد في السابق ان يطوعهم او يستعبدهم. فحين احتل البرتغاليون ارضهم قاوموهم ببسالة حتى قتلوا قائدهم، فما كان من الغزاة الا ان نكلوا بهم ايما تنكيل. فجاؤوا ببعض القبائل من الجزيرة العربية لكي يعيش افرادها بين البحرانيين ويتناسلوا ويؤثروا على التركيبة الديمغرافية للبلاد.
وقد تحالف البريطانيون، كعادتهم، مع حكم الاقلية المتمثل بالعصابة الخليفية، وليس مع السكان الاصليين، شيعة وسنة. وعلى مدى اكثر من 150 عاما دافع البريطانيون عن الخليفيين بوجه البحرانيين الذين كانوا، وما يزالون، يبحثون عن حكم يمثلهم ويلبي تطلعاتهم.
ولم يشعر الخليفيون يوما بالانتماء لتراب البحرين او شعبها بشقيه الشيعي والسني.
فهم لا يعترفون بوجود هذا الشعب، بل يسعون لتغييره دائما واستبداله باجناس اجنبية لضمان ولائهم في مقابل تجنيسهم.
وليس هناك وضع مماثل في البلدان الاخرى التي يحكمها عادة مجموعة من اهلها.
وحين تتعرض تلك البلدان لاحتلال خارجي تنهض دفاعا عن هويتها وترفض الاستسلام للمحتل الاجنبي. الشعب البحراني رفض الاحتلال الخليفي، ماضيا وحاضرا، ولم يستسلم لهم يوما.
ولذلك عرفت البحرين بان لديها شعبا هو الاوعى خليجيا والاكثر اصرارا على النضال والتصدي للاجنبي، والتشبث بتربة بلده وتاريخها وهويتها.
ولا يستطيع من يتابع الشأن البحراني الا الاعتراف بان هناك ثورة شعبية هي الاطول� عمرا والاكثر اعتمادا على الله وعلى الذات، والاقل رغبة في العنف.
ولذلك تتواصل فعاليات ثورة شعب البحرين، ويوازي ذلك قمع خليفي متواصل لم يتوقف يوما.
امام هذه الحقائق تتأرجح موازين القوى الاقليمية لتقوي الخليفيين تارة وتضعفهم اخرى. الامر المؤكد ان حسم الازمة البحرانية ضرورة ملحة لضمان امن المنطقة، لان استمرارها يهدد بانتشارها الى بلدان دول مجلس التعاون وفرض واقع جديد على المنطقة التي تخوض صراعات عديدة.
قادة الشعب يرزحون وراء القضبان منذ اكثر من خمسة اعوام. هذه حقيقة. وهناك اكثر من 4000 سجين سياسي يتعرضون لاصناف التعذيب وسوء المعاملة.
هذه حقيقة اخرى. ومستقبل البلاد لن يكون بايدي المحتل الخليفي او السعودي بعد هذه المعاناة والتضحية.
هذه حقيقة ثالثة. هذا القرار الشعبي تعارضه قوى الاستكبار والهيمنة الغربية، ولكن ذلك الاعتراض مناقض للقوانين والارادة الالهية التي تقضي بحتمية التغيير وسقوط الظالمين والمجرمين.
ويوما بعد آخر تتضح مصاديق تلك الارادة بالتطورات التي تحدث في الاقليم والتي تشير الى حتمية التغيير.
فالسعوديون الذين تجبروا واعتقدوا ان بامكانهم صد حركة التاريخ ووقف نفاذ القانون الالهي، وظنوا ان اموالهم وسلاحهم كافية لذلك، اصبحوا اليوم في نظر العالم، عنوانا للارهاب والاستبداد ومصادرة الحريات.
اصبح ذلك اكثر وضوحا بعد ان بدأت المجموعات الارهابية التي ساهموا في قيامها وتوفير المرجعية الدينية والفكرية لها، في التصدي لهم ولحلفائهم الغربيين.
واصبح معروفا لدى هؤلاء الغربيين ان الارهاب الذي ضرب عواصمهم، من مدريد الى لندن وباريس وبروكسيل، انما مصدره الفكر المتطرف الذي ترعاه السعودية في مؤسساتها التعليمية على اراضيها في البلدان الاخرى.
هذا الارهاب الاعمى ليس من الاسلام في شيء، بل هو اجرام بدون حدود ويعتبر فسادا في الارض حرمه الله وجعله من أبشع الموبقات.
شعبنا البحراني لا يبحث عن النصر بالطرق الاقصر، بل يسعى لتحقيق النصر وفقا للتعليمات الاسلامية التي تدعو للاصلاح والتغيير ومحاربة الفساد والظلم والحكم وفق الاوامر الالهية.
فهو يكافح ويجاهد ويثبت في الميدان ويرفع صوته داعيا للحق والعدل والايمان، ويرفض الانسياق للعنف او اية ممارسة اخرى غير منسجمة مع قيم العدل والالتزام والمقاييس الشرعية العادلة. ولذلك اصبح مستحقا للنصر الذي يشعر العاملون بحتمية تحققه.
ان ما يشهده العالم من تراجع في القيم الانسانية وانسلاخ من الاخلاق والتخلي عن المسؤولية، كل ذلك دفع ثوار البحرين للتعمق في استيعاب قيم الدين والسعي المتواصل لتطبيقها على الارض، بدون مغالاة او تفريط او تشويه.
فحين تنطلق التظاهرات اليومية في الكثير من المناطق فانها تعبر عن الرغبة الاكيدة في التغيير السياسي الذي يحقق للشعب تطلعاته في الحرية والشراكة السياسية واقامة نظام الحكم الذي يرتضيه.
فلا مكان للاجبار او الاكراه او فرض الوصاية على احد، لان ذلك مخالف لمباديء الحرية وقيمها واخلاقها.
تراجع القيم هذا لا يدع مكانا لطرح الفكر الذي يتغذى على العطاء الانساني المنطلق من إعمال الفكر بعيدا عن التنميط او التشويش. هذه القيم تعمقت في نفوس الثوار الذين كشف لهم الغطاء فرأوا التغيير قادما والنصر مقبل انشاء الله تعالى.
وبعد تفجيرات العواصم الغربية طوال العقد الماضي اصبحت ملامح التغيير اوضح.
فالسعوديون يقتربون تدريجيا من نهايتهم السياسية خصوصا بعد ان قاموا باعدام الشهيد الشيخ نمر النمر الذي قدم روحه فداء لله والحق والوطن. ان دماءه تحولت الى بركان يجرف ما حوله من العقبات والصخور ليطهر الارض من دنس العابثين والمحتلين.
وبعد خمسة اعوام من العدوان الغاشم على البحرين واحتلالها اصبح للبحرانيين هدف نبيل يتمثل بالتخص من قوى الاحتلال والاستبداد بدون كلل او ملل او نصب. المطلوب دعم هذا التوجه وعدم التفريط بظاهرة التضحية والفداء التي صنعت النصر ماضيا وحاضرا واصبحت حالة عامة لدى شباب الامة الباحث عن نظام العدل والايمان والتوحيد.
وهذا ما سيتحقق هذه المرة بعون الله تعالى لان “الارض لله يرثها عبادي الصالحون”. فليكن الثبات والصمود والعطاء الدائم والتضحية والفداء من بين الاساليب التي يستعين المواطنون بها لكبح جماح هذا الحكم الجائر الذي اخزى الله به جزيرة العرب ودفعها للانقضاض عليه.
ان سقوطه حتمي بشرط مواصلة الثورة عليه ومقاطعته بشكل كامل، والصبر على جرائمه وعدم استعجال النتائج، فهي مضمونة بالوعد الالهي ولكن وقت تحققها مرتبط بارادة الله وحده.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين