“الهاسبارا” تنقلب على نتنياهو!
رنا علوان
الهاسبارا يمكن التعريف عنها بـ(رأس حربة الدعاية الإسرائيلية لتوجيه الرأي العام العالمي)
فهي آلة دعائية تعتمدها حكومة العدو الإسرائيلية في أرجاء العالم لتبييض مجازرها وانتهاكها حقوق الإنسان والقانون الدولي خلال الحروب التي تخوضها ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة
إذن يستخدم العدو الإسرائيل “الهاسبارا” لنشر المعلومات المضلّلة وربطها بأهدافه الإستراتيجية لتصبح بذلك إحدى جبهات الحروب الإسرائيلية
مع وصول بنيامين نتنياهو إلى الحكم في أواخر تسعينيات القرن الماضي ، قرر “إعادة تشكيل وسائل الإعلام الإسرائيلية” بهدف الحصول على تغطية منحازة لتوجهاته السياسية ، لذلك أقنع شيلدون أديلسون (امبراطور القمار اليهودي) في عام 2007 ، بتأسيس صحيفة يومية مجانية ، هي “اسرائيل هيوم”، ما لبثت أن أضحت تدريجيًا الأكثر قراءة على نطاق واسع في “كيان العدو الإسرائيلي”، وقد تميزت بإنحيازها الشديد لنتنياهو وسياسته
ويعود تاريخ “الهاسبارا” إلى ما قبل ولادة “الكيان الإسرائيلي اللقيط”، إذ كان ناحوم سوكولوف ، أحد زعماء الحركة الصهيونية ، أول من أدخل هذا المصطلح رسميًا على المفردات الإسرائيلية في مطلع القرن العشرين من خلال كتاباته ومؤلفاته عن الحركة الصهيونية
كما منح سوكولوف كلمة “هاسبارا” العبرية مفهومًا سياسيًا إعلاميًا ، ذلك لأنهم يدركون جيدًا ( أن الروايات التي يرونها لمرتزقة الكيان وللعالم ملفّقة) ، وأنهم دولة غير قانونية وغير عادلة ، لذلك ، خلال الحروب الكثيرة التي شنّوها سواء على الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة أو على بعض الدول العربية المحيطة بها ، اعتمدوا “الهاسبارا” كسلاحًا إضافيًا من أجل السيطرة على الرأي العام والتلاعب بالمعلومات والترويج لسرديات كاذبة ومُخادعة عن كلّ وجه من أوجه الإبادة التي يرتكبونها ( وقد برزت بشكل كبير عقب اجتياح العدو الإسرائيلي لبنان في صيف 1982 وارتكابها مذبحة ضد اللاجئين الفلسطينيين في مخيميّ صبرا وشاتيلا ، التي قُتل فيها زهاء 1300 بريء ، وتسبب ذلك الحدث بظهور رواية مختلفة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني )
عند تولي نتنياهو للرئاسة ، استغل سيطرة حزبه الليكود ، على وزارة الاتصالات لإجراء تغييرات تنظيمية ، سمحت هذه الاجراءات للقناة 14 بتحويل نفسها من “قناة تراثية” (مرّخصة لبث برامج عن اليهودية) إلى وسيلة إخبارية كاملة ، تغطي لساعات يوميًا نشاطاته وتحركاته وتبث تصريحاته ، فكانت أشبه بنسخة إسرائيلية من قناة “فوكس نيوز” الأميركية اليمينية المعروفة
وعليه ، ووسط الاستقطاب السياسي حول نتنياهو والإصلاح القضائي ، نمت شعبية القناة 14 ، خاصة بين أنصاره ، مما جعلها في المرتبة الثانية بعد القناة 12 من حيث نسبة المشاهدة
لكن الطوفان جاء لينغصّ على نتنياهو كل مساعية فبعد اليوم المجيد في السابع من اوكتوبر العام الماضي ، اخذت شعبية نتنياهو تنخفض انخفاضًا حادًا في معدلات التأييد الشعبي ، بل اصبحت محل انتقاد قسم كبير من المعلقين الإسرائيليين ، إلا أن لهجة بعض الأوساط بعد امتناع الولايات المتحدة النادر عن التصويت في مجلس الأمن وصلت إلى حد السخرية والازدراء
وبحسب “الغارديان” فإن هذه المشاعر يقودها الوعي القوي داخل المجتمع الإسرائيلي بالأهمية الكبيرة للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية فيما يتعلق بالمساعدات المالية ومبيعات الأسلحة والدعم الدبلوماسي ، الذي تقدمه واشنطن ، بما في ذلك حق النقض (الفيتو) ، الذي استخدمته أكثر من مرة دعمًا لتل أبيب
وفي صحيفة “معاريف” العبرية ، وصف الصحفي “بن كسبيت” نهج رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بـ “الوهمي” و”الجنون” و”المرعب”، مضيفًا أن “هذا الرجل – بنيامين نتنياهو – يعرض الجميع للخطر ، فبالحديث عن المستقبل ، فإن إسرائيل تخسر الداعم الأكبر لأمنها القومي”
وعلى نفس القدر من الإدانة ، وصفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية نتنياهو بأنه “عميل الدمار الإسرائيلي” الذي “أصبح عبئًا على إسرائيل”
وخارج وسائل الإعلام ، طالب آخرون نتنياهو بالاستقالة ، بما في ذلك غيرشون باسكن ، الذي شارك في المفاوضات لتأمين إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المختطف جلعاد شاليط منذ أكثر من عقد من الزمن ، وكتب على منصة “إكس”: “نتنياهو خرج عن المسار الصحيح ، إنه يشكل خطرًا وجوديًا على إسرائيل ، يجب أن يرحل من حياتنا”، حسبما ذكرت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية
ولم تكن “يديعوت أحرونوت” أقل انتقادًا ، حيث نشرت رسمًا كاريكاتوريا لنتنياهو ضئيل الحجم وهو يصارع ذراع بايدن الأكبر حجمًا بكثير ، حيث بالكاد تطوق قبضة نتنياهو إصبع بايدن ، وفي الصحيفة نفسها ، رسم الكاتب ناحوم بارنيا مشهدًا متخيلًا ، حيث شوهد المسؤولون الأمريكيون وهم يضحكون على إلغاء نتنياهو زيارة وفد من تل أبيب إلى واشنطن
هذه “الهاسبارا ” التي عوّل عليها العدو قبل نشأته ، اتى طوفان الأقصى كي يُعرّيها ، فلم تسعفها “الهاسبارا الرقمية”أيضًا ، والتي اعطت “الهاسبارا” داخل العالمي الرقمي في بداياته منحى متطوّرًا وأكثر دقة في استهداف الجمهور ، متسلّحة بأحدث ما توصّل إليه العلم من تقنيات ، فالعدو يعي جيدًا انه في ( الحروب الحديثة ) تعتبر السيطرة على بيئة المعلومات ، امرًا متساويًا مع أهمية السيطرة على ساحة المعركة
ولأن “الهاسبارا” متعددة الأوجه ومُتكيّفة بشكل جيد مع العالم الرقمي ، أوجد العدو شراكة بين القطاعين العام والخاص ، يتبعها المتطوّعون الملتزمون في تنفيذ إستراتيجية المعلومات ، من خلال الاستخدام الكثيف لقنوات التواصل الأكثر انتشارًا وتأثيرًا مثل “فيسبوك” و”إكس” و”إنستغرام” و”يوتيوب”، بإعتبارها تسهم بقوة في تشكيل الرأي العام
لذلك امر العدو الإسرائيلي شركات الإنترنت الكبرى إلى اتخاذ تدابير صارمة بحقّ الأصوات المعارضة والتواطؤ معها لقمع الرأي الآخر وإغلاق الحسابات المنتقدة واعتبارها حسابات “معادية للساميّة”، إذ تُحذف آلاف المنشورات والحسابات المتعاطفة مع فلسطين على تلك المنصّات وغيرها
وفي نفس السياق ايضًا نظم العدو الإسرائيلي وحدات حكومية وعسكرية مدنية لاستغلال الأمر ، بما في ذلك إنشاء مواقع إلكترونية وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل منسوبة إلى هويّات مزوّرة ، كما علّمت تلك الوحدات كيفية التعامل مع وظائف المتصفّح ، وخوارزميات محرّك البحث ، والآليات التقنية الأخرى التي تتحكّم بالمحتوى المقدَّم لمستخدمي الإنترنت لإيصال الفكرة القائلة إن إسرائيل “ضحية بريئة للإرهاب الفلسطيني” وهو ما تكرّره في كلّ حرب تقريبًا لتقليل غضب الرأي العام الخارجي ضدها ، لكن ما حققته بركات طوفان الأقصى هي ان فضحت جميع زيفهم ونفاقهم ، وهذا ما تجلى لنا في المظاهرات التي يشهدها الغرب في حرم جامعاته وشوارعه
لم تكتفِ وسائل اعلام العدو الإسرائيلية ، بضرب القواعد المهنية والأخلاقية ، بل عمدت الى تزوير الحقائق على الأرض ( لاسيما فيما يتعلق بمسألة شرعية حماس بين الفلسطينيين) ، والتي أصبحت بمثابة هاجس متكرر في وسائل إعلام العدو الرئيسية ، فهذه الأخيرة تصوّر الوضع وكأن حماس على وشك فقدان كل مكانتها بين الفلسطينيين
وفي هذا السياق بثت قنوات العدو التلفزيونية ( مقطع فيديو لآلاف الفلسطينيين الفارين من خان يونس عبر ممر إنساني وهم يهتفون: “الشعب يريد إسقاط حماس”)
المُخزي ، أن أيًا من هذا القنوات ، لم يذكر أن هؤلاء الفلسطينين أجبروا على ذلك من قبل جنود الاحتلال من أجل السماح لهم بالعبور ، وما يدعم هذه الحقيقة ، أن أشرطة الفيديو التقطها الجنود ، تؤكد أن الفلسطينيين كانوا تحت رحمة جيش العدو الإسرائيلي ، ما جعل من هذه ” الهاسبارا” مادة مثيرة للسخرية من شدة نفاقها
ومن النماذج الأخرى ، مسارعة القنوات الإخبارية إلى المبالغة بحقيقة أن “المئات من مقاتلي حماس يستسلمون في شمال غزة” غير أنه ، بعد بضعة أيام ، قدّر مسؤولو الأمن القومي أن هؤلاء كانوا من المدنيين العاديين الذين لم يهربوا إلى الجنوب ، كما أمرهم الجيش بذلك!!!
أما الفضيحة الكبرى للهاسبارا الحالية التي وقعت بفخها الفضائيات الإسرائيلية ، فقد دعمت في ديسمبر/كانون الأول ، مع قيام أدفا دادون ، [الصحفية في القناة 12] ، بث قصة بعنوان “في منزل السنوار” ، توّثق غارة للعدو الإسرائيلي على ما قيل إنه أحد منازله [ حتى أنها رفعت زوجًا من الأحذية من تحت الأنقاض وادعت أنه يخص السنوار ] وهو تصريح تم فضحه بسرعة وأثار عاصفة واسعة من السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي
ان رأس الحربة هذه التي سعت اعلاميًا الى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم ، انعكست عليهم ففضحت عنصريتهم وخبثهم وحقارتهم ، وخاصةً بعد ان روّجت القناة 14 طيلة السبعة اشهر لوجهات نظر بغيضة ( مثل الدعوة إلى إبادة غزة ) ، ووصف جميع سكان غزة بـ “الإرهابيين والأهداف المشروعة” والتي لم يتوانَ كبار المذيعين والمراسلين عن تردد سردها ولم يثنهم الضمير المهني عن ذلك ، خدمةً لأجندات نتنياهو ، الذي انقلبت عليه الهاسبارا ، كما ينقلب السحر على الساحر ، فبسبب هذه التصريحات المتكررة ، تم الاستشهاد بالقناة 14 عدة مرات في شكوى جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية التي تتهم “الكيان الإسرائيلي” بإرتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة
زد على ذلك ، ان وسائل الإعلام الرئيسية تمتنع الإبلاغ عن عدد الضحايا الفلسطينيين ، زاعمةً أن أرقام وزارة الصحة “التي تديرها حماس لا يمكن الوثوق بها” على الرغم من أنها كانت دقيقة تاريخيًا ، وأن جيش العدو الإسرائيلي نفسه يعتمد معلوماتها ، والأهم ، أن القناة 14 ، استخدمت الأرقام التي نشرتها وزارة الصحة ، لكنها وصفت جميع آلاف الفلسطينيين الذين قتلوا بأنهم “إرهابيون”
ختامًا ما يحدث من هاسبارا حالية ، ومن تعاطي للقنوات التلفزيونية مع المجازر التي اخذت شكل ديمومي بغزة منذ بداية الحرب وحجبها للحقائق ومجريات الأحداث ، يصب في خدمة مصالح هذه القنوات التجارية الخاصة ، كما مصالح “الجيش” الذي أضحى وصيًا مطلقًا على الإعلام الإسرائيلي المُزيف ، لكنه لم تعد تنطلي على الشارع داخل الكيان وعلى اهالي الأسرى ، او الجمهور بشكل عام الذي اصبح يصدق اعلام حماس ويأخذ به ، خاصة بعدما اتضحت لهم انفصام نتنياهو والاعلام الذي حاول السيطرة عليه بهدف غسل ادمعتهم ومنعهم من معرفة الحقائق
( ولقد اصبح مرتزقة هذا الكيان على دراية تامة بأن هناك امور كثيرة لا يُسمح بنشرها ، لذلك باتوا يبحثون عنها في الاعلام الاخر ) الذي هو بنظرهم اكثر مصداقية من اعلامهم الكاذب والمُزيّف
2024-05-09
