ما أتعس الانتهازي!
د. جمال الحمصي
أبواب النجاح عديدة، لكن قليل منها يقود الى النجاح الجوهري الذي يصلك بالسعادة والرضى بعد سن السبعين. وأبواب النجاح عديدة، لكن أقل منها تلك الأبواب التي تقود الى النجاح الدائم والمستدام: ذلك النجاح المؤدي الى السعادة الأبدية، دنيا وآخرة، ولمدة زمنية لا تقل عن: ما لا نهاية له!. نعم ما أتعس الانتهازي والانتهازية.
النجاح الحقيقي يحتاج الى الصدق والنوايا الحسنة: الصدق مع النفس والصدق مع الله والصدق مع الآخرين، ويحتاج أيضاً الى الأمانة والإخلاص بغض النظر عن “الكلفة” الآنية قصيرة الأجل.
حتى الغرب (غير السياسي) اكتشف هذه السُّنة الإلهية حين سنّ بعقله المثل الشعبي الشائع: “الصدق والمصداقية هما أفضل سياسة “Honesty is the best policy في الأجل الطويل، سواء أكان المرء يعمل في شركات القطاع الخاص أو مؤسسات القطاع العام أو في منظمات القطاع الإعلامي أو قطاع المنشآت البحثية أو في شتى مناحي الحياة. وعربياً قيل: الصدق منجاة.
ad
بل إن التعوّد على الصدق الموافق للحق والمجانب للباطل يقود الى العمل الصالح والى النتائج النافعة بعكس الكذب والأنانية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ: الأحزاب: 71).
ويميز القرآن الكريم بين الربح والنجاح والفوز والفلاح: الربح، كما النجاح، دنيوي بحت كربح التاجر المحتكر والوسيط الانتهازي والبيروقراطي الفاسد والسياسي الماكر (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ: البقرة 16). والفوز في القرآن الكريم يشير إلى الفوز الأخروي، أما الفلاح في القرآن فيكون بالفوز بالدارين الدنيا والآخرة فهو أعم من الفوز، كما حدث مع النبي الصادق والصابر يوسف الصديق الذي انتقل من ظلمة البئر الى خزائن الأرض.
نعم، هنالك كلفة آنية للصدق على المستوى الفردي، خصوصاً إذا كان الأغلب حولك انتهازيون ويملكون المال والجاه والتأثير والإعجاب والشهرة الزائلة، لكنها كلفة نسبية عابرة ومؤقتة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ: الروم 55) وهي أيضاً كلفة دنيوية قد تشعر بها في لحظات الضعف البشري وغياب الثمار العاجلة في شريعة الغاب، لكن هيهات أن تحصل على مقام سيدنا يوسف الصديق والفوز الباهر بالدارين من خلال النفاق والانتهازية (إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ: يوسف: 90).
العديد من الآيات القرآنية تؤكد هذه السُّنة الربانية المنطبقة على الإنسان أياً كان موقعه: (إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِين: يونس: 81) و(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ: غافر 28) و(إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ: المنافقون: 6) و(وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: وردت في ست آيات في القرآن الكريم كتأكيد على قانون وجودي لا شك فيه).
وما أكثر أوهام السعادة وما أكذب أبوابها المتعددة والخادعة (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا: النساء 120). وكم هي الحياة قصيرة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ: الروم 55)، وكم هو حبل الكذب والخداع قصير (بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ: القيامة 14-15).
هذا وتعرّف الانتهازية في علم الاقتصاد المعاصر بأنها “السعي للمصلحة الذاتية مع المكر”. وتقل فعالية المكر بين طرفي العلاقة عندما تكون المعلومات متماثلة بينهما، ولا نقص في المعلومات عند أحد الأطراف. وبناء عليه، تؤكد أدبيات الحوكمة الرشيدة في الادارة العامة والمالية العامة على مبدأ الشفافية. وبالطبع، لا مجال للمكر أمام المعرفة والقدرة الكلية للخالق عز وجل (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ: فاطر:43(.
ولقد نجحت دولة ماليزيا مهاتير وأصبحت نمراً آسيويا ناجحاً منذ الثمانينات من القرن الماضي لأنها التزمت الصدق والأمانة والحوكمة الرشيدة. ولا يخفى أن لبناء الأمم أسس جزئية وفردية كما أن لها أسس كلية مجتمعية.
لكن ما هي العواقب الناجمة عن غياب البيئة الداعمة للصدق والأمانة؟ بكلمات اخرى ما هي نتيجة “المباراة” عندما يسعى كل لاعب فيها الى تعظيم منفعته الفردية الأنانية دون أخذ المسؤولية الاجتماعية والمصلحة العامة بعين الاعتبار؟ ان محصلة هذه المباراة الانانية غير التعاونية هي ان يصبح جميع “اللاعبين” بوضع أسوأ مقارنة بالوضع التعاوني، وهذه النتيجة المثيرة وغير السّارة تجد دعماً من حقل علمي متقدم ومعروف في العلوم الانسانية يُعرف بنظرية المباريات Game Theory وتحديداً ضمن نموذج يُعرف ب”معضلة السجناء Prisoners’ Dilemma”.
نعم، ما أتعس الانتهازي والكاذب والنفعي والبراجماتي، غرباً وشرقاً، ولا يمكن أن ينجح إنـسان غير متمسك بمبادئ الصدق والأمانة والإخلاص في القول والفعل. هو يخدع ذاته ويظلم نفسه قبل أن يخدع ويظلم الأخرين (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى: طه 124) و(مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ: النساء: 123). أما الحلول لأزمة الضمير في العالم المعاصر المتوحش، فتحتاج الى مقال مستقل ومطول.
2024-03-08