كانَ بوِدّك أن تبكي …
ولكنّك ضحكت …
بقلم درصاف بندحر*
أحيانا لا ندرك ما يقال لنا من كلام لتقصيرنا في بذل الجهد اللازم للفهم فربما حينها لا تكون لدينا الرغبة في بذل أي جهد للفهم أو لغيره. ولكن كثيرا ما تصلنا رسائل غير كلامية لا تحتاج منا لفك رموزها سوى أن نفتح أعيننا جيدا لنرى. رؤية من يكلمنا قد تمكننا من أن ندرك الكلام وما وراء الكلام، أن ندرك حتى ما هو أهم من الكلام.
في هذا كَتب “ألبرت محرابيان “”Albert Mehrabian المولود عام 1939، أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا، عدة كتب عن بلاغة الرسائل الكلامية وغير الكلامية. وضع “محرابيان” قاعدة “السبعة والثمانية والثلاثين والخمسة والخمسين بالمائة”.مفاد هذه القاعدة أن نسبة 7% فقط من التواصل تعتمد على الكلمات الفعلية التي نقولها، أما باقي النسب فتتمثل في أن نسبة 38% من التواصل تعتمد نبرة الصوت و55% الباقية تعتمد على لغة الجسد. لغة الجسد هي الإشارات غير اللفظية التي يستخدمها الشخص للتواصل اليومي، مثل تعابير الوجه وحركة الجسم، فمن خلالها يمكن تمرير المعلومة دون قولها. إن فهم لغة الجسد يُعدّ أمرا في غاية الأهمية يمكننا من فهم ما يريد الآخر إيصاله إلينا بل وبفضل لغة الجسد نتوصل إلى فهم تلك الرسائل التي تنفلت من الغير حتى دون إرادته.
ومثال ذلك نظرات العين التي تلعب دورًا هاما في التواصل غير اللفظي وكما يقال فالعيون لا تكذب بل قد تُكذّب عيناك كل ما يقوله لسانك.
عندما يصادف شخص شيئاً أو شخصا يحبه فإنّ التحديق يزداد والعينان تتوسّعان. قد تتحمس للقاء شخص ولكنك عندما تلتقيه تحس أن نظراته وكلامه وحتى ابتسامه كان باهتا. كلمة باهت حسب معجم المعاني الجامع اسم فاعل من بهُتَ وبهِتَ وبهَت والشيء الباهت هو المتغيِّر، الزائل، الفاقد لزهوه، قليل اللمعان. ونطلق عادة كلمة باهت على لون الثوب أو القماش الفاقد لسطوعه أو على الجمال فنقول جمالا باهتا، وفي أحيان أخرى نستعمل هذه الكلمة للدلالة على الابتسامة المتكلفة فنقول ابتسامة باهتة. ولارتباط اللون الأصفر بشكلٍ أساسي بفصل الخريف وموت الطبيعة وكذلك لارتباطه بالاصفرار الذي يعتلي وجوه المرضى، يستعير البعض اللون الأصفر ليصف الابتسامة الباهتة بكونها ابتسامة صفراء.
لا شك أنك كثيرا ما استشعرت من حولك وجوها تبتسم على مضض. ربما جميعنا ابتسم في وقت ما ابتسامة مصطنعة ليحث نفسه على التصبر أو يشد أزر غيره ليساعده على الصمود ويدفعه إلى المضي قدما رغما عن الألم والخوف وتحديا للصعاب.
ولكن يحصل أن تتكلف الوجوه الابتسام تأثرا ببيئة يغلب عليها هذا النوع من الابتسامات، لزوم الانخراط في دائرة النفاق الاجتماعي. يقول”تشارلز داروين””Charles Darwin”عالِم التاريخ الطَبيعي والجيولوجي البريطاني (الذي عاش بين 1809 و1882) “إن الإنسان ابن بيئته.”
يحدث لك كما يحدث لي أن أتكلف الابتسام وأنا أترك طفلي الصغير في أول يوم له في الحضانة. أتصنع البسمة وأنا أطالع وجهه البريء لأطمئنه والحال أنني خائفة عليه وغير مطمئنة ويدور في ذهني ألف سؤال حول المعاملة التي يمكن أن يلقاها من قبل القائمين على شأنه، فلذة كبدي.
حين أودع ابنتي في المطار بمناسبة سفرها إلى بلد بعيد وغريب لتكمل دراستها، أستجمع كل قوّتي لترتسم على وجهي بسمة تطفو على وجعي وهلعي بسبب فراقها، فراقا قد يقصر وقد يطول.
ويحدث أن أستجمع كل قوتي لمجرد الابتسام وأنا أجلس حذو أمي في المستشفى وهي بصدد أخذ جرعة الكيماوي، أبتسم لها تلك الابتسامة الباهتة وقلبي ملتاع عليها وعلى فراق أبدي محتمل، قد يعقبه فقد لروح هي توأم الروح.
عندما نهيم في عوالم الوجوه المقنعة نلمح ونحن نتفحصها باحثين عن عمق المعاني ما قد يخفيه محدثونا وراء الابتسامات الزائفة إلا أنه قد يصعب أحيانا التفريق بين الابتسامة الحقيقية والابتسامة المصطنعة التي غالبا ما تكون حمالة لمشاعر سلبية. من المفيد هنا الإطلاع على رأي الدكتور “بول إيكمان” “Paul Ekman” المولود عام 1934 وهو عالم نفس أمريكي رائد في دراسة علاقة المشاعر بتعابير الوجه ومؤلّف “أطلس المشاعر” الذي تضمن أكثر من عشرة آلاف تعبير للوجه وعلاقتها بما يفكّر به الشخص ويحسّ به، يرى “إيكمان” أن هناك فرقا واحدا فقط بين الابتسامة الطبيعية والابتسامة المصطنعة والتي سميناها الصفراء. هذا الفرق يتمثل في أنه أثناء الابتسامة الطبيعية يحدث انقباض في عضلة توجد حول الفم وفي نفس الوقت انقباض في عضلة حول العين وهو ما ينتج عنه اتساع الفم وضيق العين. في مقابل ذلك، فإنه أثناء الابتسامة المصطنعة لا تنقبض سوى العضلة المحيطة بالفم، ما يترتب عنه اتساع الفم دون ضيق العين. خَلص مؤلف “أطلس المشاعر” إلى أن ضيق العين هو المؤشر الوحيد لطبيعية الابتسامة.
هنا تتكلم العيون دون كلمات لتكون نوافذ للروح أبلغ وأصدق من كل كلام ومن أي ابتسام.
إنّ من يصطنعون الابتسامة عادة ما يظهرون بشكل لا يتوافق مع حضورهم. تشاهدهم وكأنك تشاهد فيلما سيء الإخراج. صحيح أنك ترى تعبيرا ولكنه تعبير بلا لون، بلا روح.
كم هو مؤلم أن ترى وجه محدثك فتتفطن إلى أنه يتواصل معك بلا روح. قد يفعل ذلك خوفا على مشاعرك وتكون حجته أنه لا يريدك أن تتأذى وهو أمر محمود. ولكن قد يكون تفاعل محدثك معك باهتا، مصطنعا لأنه لا يهتم بما تقوله أي أنه لا يبالي بك وقد يعني الأكثر من ذلك كله أن لا قيمة لك لديه. عندها ، حري بنا أن لا نتألم فقط على حالنا بل كذلك على حال هذا الذي تعوزه الجرأة ليكون ذاته، يزين وجهه بابتسامة غير حقيقية ليزيف حقيقة مشاعره، إنه الإنسان المغترب كما يسميه عالم النفس والفيلسوف “إريك فروم” “Erich Fromm”.
ربما نُجبر في مرات على تكلّف الابتسام بدافع المسؤولية أو المحبة، تعلو محيانا بسمة مصطنعة بينما نريد أن نبكي ألما أو حسرة أو خوفا، حينها تكون حالنا كما يصفها شاعرنا السوري الكبير نزار قباني عندما يقول “…كانَ في ودّيَ أن أبكي …ولكنّي ضحكتْ …”
ولكن هناك ابتسامات مزيفة، صفراء باهتة عارية عن المودّة الصادقة، ابتسامات قد يكون دافعها المداهنة أوالتّملّق. ربما لوتم الاستعاضة عنها بالإحجام عن الابتسام لكانت كل الوجوه من حولنا شفّافة، على سجيتها. ربما أضحت كثيرا من الألوان الباهتة ألوانا حقيقيّة.
درصاف بندحر
تونس
2024-01-03