جدوى العنف وبدائله في السياق الثوري!
جمال الطاهات
القانون المركزي للصراعات الثورية هو قانون التفكيك والتركيب. وبما أن العنف يفرض من قبل المستبد الفاسد، فإن تجنبه لا يعتمد على الموقف الأخلاقي، بل على القدرة على توليد خيارات استراتيجية فعالة، تمكن من تفكيك أدوات الاستبداد للتخلص من رأسه، وأيضاً تطوير البديل القادر على قيادة الدولة بعد غياب المستبد الفاسد وعائلته.
فالمستبد الفاسد التافه الفاقد للشرعية يسعى لتحقيق هدفين متزامنين: تعزيز بنيته وتطويرها، وتفكيك قوى التغيير والتحرر والديمقراطية ومنعها من تشكيل بديل له. كما تلجأ الحركات الديمقراطية لتحقيق هدفين: تفكيك الأدوات التي يعتمد عليها المستبد الفاسد لقمع الشعب ونهب ثرواته، وإضعافه بحرمانه من الدعم والحلفاء محلياً ودولياً، وبنفس الوقت تركيب وتطوير بديل مقنع للشعب الأردني وللمجتمع الدولي.
فالتفكيك المتبادل، والتركيب المستقل هما خط المواجهة المركب بين حركة التحرر الشعبية والمستبد الفاسد. وتفكيك بنية المستبد الفاسد، ليس كافياً لتمكين شعبنا من استرداد دولته سلطة وموارد. فلا تنتصر الثورات إلا بالعمل المتزامن على كلا المسارين تفكيك أدوات الاستبداد والفساد، وبناء البديل للمستبد الفاسد وعائلته.
كل إجراءات القمع والاستبداد هي لمنع القوى النشطة في المجتمع من تشكيل نفسها وإنجاز التركيب الضروري للبديل الوطني المقنع شعبياً ودولياً. كما يسعى المستبد الفاسد وعائلته بالكذب والتزوير ودفع الملايين لشركات العلاقات العامة للحفاظ على صورته دولياً، وأيضاً تشويه صورة الشعب الأردني، ليديم دعم العالم الخارجي له. لنتذكر أن أهم مبرر للاستعمار هو القول بأن الشعب الذي يتم اخضاعه بالقوة (شعب همجي متخلف) غير قادر على حكم نفسه، وغير مؤهل لأن يكون شريكاً مستقلاً في حركة المجتمعات الإنسانية. وأن حركة الاستقلال كانت تعاني بشكل أساسي من قيام المستعمر الأجنبي بمنع الشعب من تشكيل قيادة تقنع شعبها والعالم بأنها بديل مستقل للاستعمار.
الحركات الثورية الاستقلالية لجأت للعنف لتفكيك أدوات القوى الخارجية التي تحتل بلادها. ولكن في حالة الأردن، نحن لا نتحدث عن قوة احتلال، وإن كان المستبد الفاسد وعائلته حكموا الأردن وما زالوا يحكمونه بدعم خارجي، وإنما عن هيمنتهم على مؤسسات الدولة. وعليه فإن ممارسة العنف ضد العاملين في هذه المؤسسات، سيتحول إلى وسيلة تعبئهم للعمل لصالح المستبد الفاسد. بمعنى أن العنف في هذه الحالة يخدم المستبد الفاسد ويعبئ العاملين في مؤسسات الدولة للدفاع عن الوضع الراهن.
لنتذكر أن الهدف الرئيسي لإضعاف المستبد الفاسد وعائلته والتخلص منهم هو تحرير مؤسسات الدولة من هيمنتهم. وأي ممارسة للعنف، إذا استهدفت الأردنيين العاملين في مؤسسات الدولة، ستقود إلى تقوية المستبد الفاسد وليس إضعافه.
ولكن سوف يظهر سؤال انفعالي هنا: “شو نعمل مع الوضيعين العاملين في القضاء والمؤسسات الأمنية”؟ بالتأكيد هناك إجابات على هذا السؤال، وهناك وسائل لإضعاف وانهاء هيمنة المستبد الفاسد على القضاء والمؤسسات الأمنية ومنعه من تحويلها إلى أدوات استبداد وقمع ونهب، ولكن العنف ليس منها. والخطوة الأولى للإجابة على السؤال هي بإعادة صياغته لحماية عملية بناء الخيارات الاستراتيجية من هيمنة الانفعالات. فمن الضروري صيانة شرعية حركة التحرر بالتأكيد على تفوقها الفكري والأخلاقي عن المستبد الفاسد، وذلك بالتعالي عن الاستجابات الغريزية للرد على أخطائه وخطاياه بحق شعبنا.
والصياغات العقلانية للسؤال الباحث عن استجابة ورد على سلوك المستبد الفاسد، متعلق بالبحث في الوسائل والأدوات (وكيفيات) كسر هيمنة المستبد الفاسد على مؤسسات الدولة بالوسائل السلمية. فالعنف ليس الوسيلة الوحيدة للتفكيك، وهو ينتمي لجيل قديم من الصراعات. فهناك جيل جديد من الحروب قائم على أساس تفكيك العدو دون استعمال العنف. ولجوء المستبد الفاسد لوسائل القوة، تعبير عن تخلفه وعن تفاهته، وتكشف نيته لجر شعبنا للعنف، وهذا يجب ان يدفع النخب الحية للبحث عن خيارات وبدائل سلمية أكثر جدوى في البيئة العالمية المعاصرة.
نقطة الانطلاق هي البحث عن وسيلة سلمية أو عدة وسائل جديدة تديم الاشتباك مع المستبد الفاسد سلمياً، تفكك بنيته وتلحق به خسائر وتضعفه، في المقابل تساعد على حماية نشطاء الشعب الأردني، وتبني القاعدة المدنية لتمكين الشعب الأردني من استرداد دولته والاحتفاظ بها مستقبلاً، ودون أن يتورط بالعنف.
بالرغم من العلاقة بين الهدف والوسائل، لا بد من البحث عن الوسائل في ظل وضوح الهدف الذي يتلخص بتفكيك بنية المستبد الفاسد، وأيضاً بناء قدرات شعبنا للدفاع عن دولته في وجه أي انحراف مستقبلي. وهناك طيف واسع من الوسائل لخدمة هذا الهدف المزدوج، (ضرورة تحقيق ركني الهدف بشكل متزامن، وليس أي منهما على حساب الآخر). وسائل النضال المدنية مكسب دائم لشعبنا، تمكنه من تفكيك ادوات من المستبد الفاسد وعائلته، وتحمي مقدرات الوطن ومؤسساته في المستقبل.
ولتوضيح هذا التصور يمكن التوقف عند وسائل ملاحقة ومعاقبة رجال الأمن والقضاة المنحرفين. صحيح أنه لا بد من الضرب على يد القاضي التافه والوضيع، فالعدالة ووسائل انفاذ القانون لا يجوز أن تترك للقضاة، ولا بد من بناء قاعدة شعبية لمراقبتهم وملاحقة المنحرفين منهم، وذلك في إطار تفكيك أدوات الاستبداد. ولكن ليس بالعنف، لأنه وسيلة مكلفة على حركة التغيير وأقل جدوى من الوسائل المدنية الأخرى، ولا تضمن تحويل أوهام واطماع المتواطئين مع المستبد الفاسد وعائلته إلى أشواك تدميهم بشكل دائم. وهناك وسائل مدنية عالمية تحمي شعبنا من التورط بالعنف، وتعاقب القاضي الوضيع وضابط الامن السفيه، وتردع غيرهم، وتحمي مؤسسات العدالة وانفاذ القانون مستقبلاً.
أخيراً، لا بد من التذكير بأن العالم المعاصر مليء بالفرص والأدوات الفعالة وذات الكلفة المنخفضة، كما أن البيئة المعاصرة عدلت الكثير من مسارات الصراعات وادواتها ووسائلها. وعليه فإن إعلاء شان العنف لأنه كان فعالاً في سياقات تاريخية ماضية، يفقدنا القدرة على استشراف البيئة الاستراتيجية المعاصرة، وما تتيحه من خيارات فعالة لتفكيك بنية المستبد الفاسد وعائلته، وتمكين شعبنا من استرداد دولته سلطة وموارد بكلف وأثمان مناسبة.
2023-08-11

تعليق واحد
المقال يتناول صورة واحدة عن العنف.. وهو الذي تمارسه قوى تعتقد ان اعمال العنف المتفرقة قادرة على زعزعة القبول العام بالمستبد. والامر غير ذلك، هناك مثالين عن االعنف الثوري غير هذه العنف في ثورة اكتوبر االذي انطلق وانتهى في عشرة ايام على حد تعبير جون ريد.. وهناك النفطويل الامد كما في المسيرة الكبرى للثورة الصينية الذي بدأ في العشرينات وانتهى في الاربعينات لكنه لم يتعرض للعاملين في مؤسسات الميتبد /الدولة، بل قام بعملية تحرير متواصلة للارض ومنحها للفلاحين حتى دخول احزاب الثورة من شيوعيين وقوميين وليبراليين العاصمة بكين