هل تنقل أمريكا شرارة الحرب إلى سوريا ؟
أروى حنيش
يظهر أن الولايات المتحدة تريد فتح جبهة جديدة في سوريا، بعد فشل خططها، في ثني روسيا. ويبدو هذا التصعيد ظاهرا من خلال تعزيز قواتها في منطقة الخليج، واستعانتها بالموالين لها من المعارضة السورية المسلحة “قسد”، والأكراد وتنظيم داعش، وغيرها من التنظيمات المتطرفة.
وتتهم كل من الولايات المتحدة وروسيا بعضهما البعض بالتسبب في مواجهات خطيرة في أجواء سوريا، وقد تصاعدت بشكل ملحوظ خلال شهر يوليو الماضي، مما قد يدفع إلى زيادة احتمالية الاحتكاك العسكري بين واشنطن وموسكو. وفي الوقت الذي تطلق فيها واشنطن تحذيراتها التي تقول أن ذلك سوف ينسف جهود الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بينما هي في واقع الأمر على تنسيق معه، وهي من تقدم له الدعم بالأسلحة والأموال، والمعلومات الاستخبارية والخبراء والمدربين وغيرها. والأمريكان في هذه المسألة لهم باع طويل مع تنظيم القاعدة في الشرق الأوسط، وبالذات في أفغانستان، واليمن وباكستان، وليبيا، وسوريا والعراق وفي بلدان إفريقية عدة.
خروقات أمريكية
تنشر وزارة الدفاع الروسية عبر مركز المصالحة التابعة لها في سوريا (حميميم)، بشكل دوري ما تعتبره خروقات جوية من جانب قوات التحالف الدولي، بينما تكتفي الولايات المتحدة بالإشارة إلى أخطر التحليقات الروسية التي تكررت خمسة مرات على الأقل خلال الأسبوعين الفائتين.
إحدى التحركات الجوية الروسية، قالت عنها واشنطن أنها استهدفت الطائرة المسيرة التي قتلت زعيماً بتنظيم “داعش” يدعى “أسامة المهاجر”. يضاف إليها تحليق “خطير” أُعلن عنه قبل أيام، تسبب بتعطيل مروحية طائرة امريكية مسيّرة.
ذريعة أمريكا بمحاربة داعش
مع بداية دخول القوات الأمريكية للساحة السورية تشكل ما يسمى التحالف من أجل محاربة “داعش” وهو التحالف الذي أمن دخول تنظيم “داعش” وانتشاره في الأراضي العراقية وانتقالها للاراضي السورية والمراحل التي تلت ذلك من تقديم الدعم المباشر لتنظيم “داعش” الإرهابي من خلال استهداف مناطق للجيش السوري. ومع دخول القوات الأمريكية وتحولها لجزء فاعل في الحرب المعلنة على سوريا.
حصلت تفاهمات تنص على أن الطرفين سيمتنعان عن القيام بأي عمل يمكن أن يؤدي إلى الصدام المباشر بين الطيران الروسي والأمريكي، وتم وضع خطوط وهمية لكلا الجانبين على أن لا يتجاوز أي طرف، وهذا الأمر أبقى الطرفان ملتزمان حتى بداية التطورات الأخيرة في أوكرانيا، وعملية الهجوم المضاد الذي أثبت فشله، ولم يؤد إلى أي تغيرات في الميدان، وفي طبيعة المعركة، رغم الدعم اللامحدود بالأسلحة الحديثة التي كان المؤمل منها أن تغير طبيعة المواجهة بتقدم الجيش الأوكراني، لكن ما حدث هو العكس، فقد مني الجيش الأوكراني بخسائر كبيرة بقواته ومعداته، من ضمنها الأسلحة الغربية التي دخلت مؤخرا. ومن هنا يبحث الغرب عن ميادين أخرى لتغطية عجزهم السياسي والعسكري، وفضائحهم أمام العالم.
وتعلم الولايات المتحدة الأمريكية أن أي تحركات عربية وإقليمية تجاه سوريا يمكن أن تؤدي إلى إفشال مخططها الرامي إلى إسقاط وتفتيت سوريا، لذلك بدأت حركة متزايدة بتعزيز قوات الاحتلال الامريكي وقوات أوروبا الغربية بالطائرات المسيرة والطائرات المقاتلة والسفن الحربية وغيرها من الأسلحة، وأدت هذه التحركات لحدوث نوع من الإحتكاك. ويحاول جنرالات البنتاجون، بث الدعاية المضللة، أن هناك تحرشا روسيا بالولايات المتحدة الأمريكية المتواجدة حسب زعمها لقتال تنظيم “داعش” الإرهابي، وهذه في الحقيقة ذريعة أمريكية لبقاء وجودها، بينما هي تنهب النفط السوري بمعدل 500 ألف برميل يوما، وكذلك الأمر بالنسبة لتصدي الطائرات الروسية لطائرتين فرنسيتين رافال، واعتبرت فرنسا أن روسيا لا تراعي الاتفاقيات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها وعدم التماس بين الطرفين.
هناك مخاوف أمريكية من تنامي قوة الجيش السوري، والمقاومة الشعبية لطرد القوات الأمريكية الغازية من الأراضي السورية في ظل الحديث عن تطبيع العلاقات العربية العربية وعودة سوريا إلى حضن الجامعة العربية، وإن كان ذلك لا يشكل فارقا كبيرا، لكنه يحبط المخططات الأمريكية الإسرائيلية للتطبيع مع العرب.
انتهاء عصر الهيمنة
العلاقة بين واشنطن وموسكو تتسع فجوتها، في ظل اللعبة الأمريكية للهيمنة على العالم، وهو الأمر الذي يتناقض مع الرؤية الروسية- الصينية لولادة عالم جديد نحو التعددية القطبية، وهو ما تعتبره أمريكا انتهاء عصر هيمنتها الاستعمارية، في ظل التنافس الدولي وصعود أقطاب قوية على المسرح الدولي، يستحيل على الولايات المتحدة تجاوزهما، أو فرض منطقها الساذج في التبعية أو الإحتواء. هذا المنطق شاخ زمنه وانتهى، ولم يعد له مكانا في العلم الحديث، وفي قوانين التطور التاريخي، إذ لم يعد العلم حكرا، كما لم تعد السلعة حكرا، كما لم تعد الأسواق حمرا، كما كانت تفسر الرأسمالية قوانينها الليبرالية هي نهاية التاريخ حسب زعم فوكو ياما، وغيره من منظري الثقافة الليبرالية الرأسمالية. لقد أسقط اللصوص الجدد تلك القيم، والمبادئ ونمت بديلا عنها الفكر المتطرف الذي ينسج خيوط الدمار الأخلاقي والقيمي، ويعزز الكراهية والعنصرية، وثقافة المثلية التي غدت قانونا رسميا في الغرب لهدم حياة البشر.
تواجد القوات الأمريكية على الأراضي السورية هو استفزاز محض، وهو وجود غازي غير مرحب به. فأمريكا أصبح وجودها في أي منطقة من العالم يهدد الأمن والسلم الدوليين، فإينما تحط أقدام قواتها يحل الخراب والدمار، وتكتنف على نوع من الاستفزاز للشعوب. وليس مستغربا أن يتهم قائد القوات الجوية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم)، الجنرال أليكسوس غرينكيفيتش، خلال منتدى دفاعي القوات الروسية باستفزاز القوات الأمريكية في سوريا، مؤكداً أن الجانب الأمريكي لا يسعى للصدام مع القوات الروسية، بينما ما يحدث هو العكس من هذه التصريحات المجافية للحقائق والوقائع على الأرض. وقد صرح الرئيس الروسي بوتين حول التصعيد الأمريكي في سوريا وقال :” لا نريد النزاع مع القوات الأمريكية، لكن إن كانت هناك سيناريوهات من أي نوع كانت نحن جاهزون”.
وعندما شعر الأمريكان بردة الفعل الروسي، حينها خففت واشنطن من تحركاتها، واستفزازها لاستهداف القوات السورية، ودعا الجنرال سينتكوم، إلى الالتزام بالاتفاق التي الذي تم التوصل إليه، وقال: “لا أعتقد أنهم يريدون نزاعا مباشرا مع الولايات المتحدة. ونحن بلا شك لا نريد نزاعا مباشرا مع روسيا”، موضحاً: “كان اقتراحي دائما العودة إلى الالتزام بالبروتوكولات حول التصرفات المهنية”، في إشارة إلى مذكرة التفاهم حول تفادي الصدامات بين موسكو وواشنطن في سوريا الموقعة في 2015.
وقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية في بيان رسمي عن نشر مقاتلات “إف 22 رابتور” التي زودت بها القوات الجوية الأمريكية في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية كجزء من فعاليتها المتعددة الأوجه في عمليات التصعيد ودعم والقدرات الأمريكية في السلوك غير الآمن وغير المهني المتزايد لتهديد الأمن والاستقرار في سوريا، وهو ما ينم عن أجواء مشحونة بالتوترات، تحاول الولايات المتحدة إعداد الموالين لها، وإيجاد الوكيل الإقليمي من ينوب عنها، بتفجير الأوضاع مجددا في سوريا، ستكون هي وحلفاؤها الغرب الداعمين، في تكرار لسيناريو أوكرانيا، لا يبدو تركيا حاضرة في هذا المشهد، ربما ستعتمد على الأكراد والجماعات الإرهابية، في إعادة تدوير الأزمة الإقليمية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع التصعيد الأمريكي ضد الصين في منطقتي المحيط الهادئ والهندي وبحر الصين الجنوبي.
تهديد أمريكي
أكد البيان الأمريكي أن المقاتلات هي من سرب المقاتلات رقم 94 من قاعدة لانجلي الجوية بولاية فيرجينيا، وأنه تم إعادة نشر المقاتلات في أوروبا، واشار البيان إلى تموضع القوات والقابلية على تنفيذ ضربات ساحقة في أي لحظة.
وفي الجانب الآخرأعلن نائب رئيس مركز المصالحة الروسي أوليج جورينوف، أن مسيرة MQ-9 التابعة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة اقتربت بشكل خطير من مقاتلة “سو-34” الروسية في محافظة الرقة السورية.
وقال جورينوف – حسب ما أفادت قناة (روسيا اليوم) الإخبارية أنه : “تم مرة أخرى تسجيل اقتراب خطير لمسيرة MQ-9 التابعة لـ”التحالف الدولي” من مقاتلة “سو-34″ التابعة للقوات الجوية الروسية بتاريخ 28 يوليو في تمام الساعة 07.55 على ارتفاع 5000 متر في منطقة قرية نفلة بمحافظة الرقة السورية”. وأشار إلى أن الجانب الروسي يشعر بقلق من “الطبيعة الاستفزازية والعدوانية الواضحة لإجراءات” المسيرات في تعاملها مع القوات الجوية الروسية.
شرارة أوكرانيا تصل سوريا
تأتي الاتهامات المتبادلة بين القوات الأمريكية والروسية في سوريا وسط توترات عالية بالفعل بين البلدين أقلها على صعيد أوكرانيا، فيما يبدو أن شرارة تأثيرها تصل إلى سوريا.
في منتصف شهر تموز، نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤول كبير في البنتاغون، أن “بعض الروس في سوريا هم جنرالات فشلوا في أوكرانيا، وحتى الآن في سوريا، ربما يحاولون إثبات نقطة ما، على الرغم من عدم وجود مؤشر على رغبة الروس في إيذاء الأمريكيين، فقد أظهروا استعداداً لمضايقة أو إتلاف الطائرات بدون طيار”. فيما تشعر روسيا بالقلق من قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتزويد الأسلحة للقوات الأوكرانية التي تقاتل ضد القوات الروسية.
وفي مارس الماضي، ذكرت القيادة الأمريكية الأوروبية، أن مقاتلة روسية “ضربت المروحة” لطائرة أمريكية من طراز MQ-9 تعمل فوق البحر الأسود، مما تسبب بتحطمها.
وأدى الحادث وقتها إلى تفاقم التوترات بين البلدين، وأثارت مكالمة بين قادة دفاعهما، لكنه لم يؤدِ إلى رد عسكري مباشر.
بعدها، بدأت القوات الروسية مؤخراً بضرب الموانئ الأوكرانية وتحذير السفن العابرة للبحر الأسود من احتمال مهاجمتها. ويمكن أن تؤدي هذه الهجمات والتهديدات التي تتعرض لها حركة النقل البحري إلى تعطيل تدفق الحبوب من أوكرانيا إلى أجزاء أخرى من العالم.
وبالعودة إلى الشأن السوري، ثمة مذكرة “عدم التضارب” متفق عليها بين الولايات المتحدة وروسيا منذ ديسمبر 2019، إلا أن المراقبين يرون أن سوريا ليست بمنأى من الصراع الغربي والروسي على المستوى الدولي.
واقعة ليست الأولى
وهذه الواقعة ليست الأولى؛ فلقد حدثت واقعة مماثلة يوم الأحد الموافق 23 يوليو 2023؛ حين قال أوليج جورينوف نائب رئيس المركز الروسي للمصالحة بين الأطراف المتعارضة في سوريا (أحد أقسام وزارة الدفاع الروسية)، اليوم الأحد، إن مسيرة تابعة للتحالف بقيادة الولايات المتحدة اقتربت بشكل خطير من طائرات روسية في سوريا. ونقلت وكالة (تاس) الروسية عن جورينوف قوله إن «ما يثير القلق بشكل خاص هو أن المسيرة التابعة للتحالف من طراز MQ-9 كانت على وشك الاصطدام الجوي بطائرات حربية روسية بالقرب من مدينة الباب». ووفقًا لجورينوف، تم الإبلاغ عن العديد من الحالات عندما استخدمت مسيرات التحالف أنظمة توجيه النيران الخاصة بها على الطائرات الروسية، مما أدى تلقائيا إلى تشغيل أنظمة الدفاع على متنها. وشدد على أن «الطيارين الروس أظهروا مرة أخرى احترافية عالية واتخذوا إجراءات في الوقت المناسب لمنع الاصطدام بمسيرة التحالف».
ضرورة خروج واشنطن
وبإمكان الولايات المتحدة أن تتحمل تكلفة مغادرة سوريا بسهولة، وتكاليف البقاء تتفوق على أي فائدة ملحوظة. ولو أن من ضمن هذه التكاليف مواجهات روتينية مع القوات الروسية وتلك المدعومة من إيران، فقد صارت حتى أعلى مما كانت من قبل. وبالنظر إلى المزاج العام المُعادي لروسيا في واشنطن، فيُحتمل أن تؤدي حوادث الطائرات المسيرة إلى تجديد التزام الإدارة بالمهمة في سوريا، وربما حتى إرسال تعزيزات إضافية. وبالفعل، تعمل الولايات المتحدة على توسيع وجودها في الشرق الأوسط بمزيد من الجنود والطائرات المتجهة إلى الخليج. وكل هذا خطأ ويؤدي إلى حضور أمريكي مبالغ فيه في المنطقة. ربما سيكون على واشنطن أن تبحث عن طرق للخروج من سوريا، حتى لا تقع في مصيدة الروس. وفي الوقت نفسه، يتوقف على القوات الأمريكية تجنب التصعيد، فأي مواجهة مع روسيا، يعني اندلاع حرب عالمية ثالثة. وأي تفكير بهزيمة روسيا تلك استحالة، ومن الضروري مقاومة هذه الهستيرية. كما لا يمكن وقف التحولات الكونية لولادة عالم التعدد القطبي، روسيا تخطو إلى الأمام وتقود هذا التحول التاريخي، ولن يجدي معها أي نوع من وسائل القوة، أو العقوبات الاقتصادية التي أثبتت فشلها. ولو أن هناك بعض المتشددين في الجانب الروسي يتطلعون إلى الإيقاع بالولايات المتحدة، ودفعها إلى رد فعل مبالغ فيه، فسيكون من الحماقة منحهم ما يريدون..!
2023-08-02