[ ليس هنا ، ليس هناك ]
رنا علوان
![[ ليس هنا ، ليس هناك ]رنا علوان 1 cropped rnaalwan](https://www.sahat-altahreer.com/wp-content/uploads/2022/09/cropped-rnaalwan-150x150.jpg)
هي موسوعة صغيرة تتألف من 116 صفحة ، وبالإضافة إلى مقدمة المؤلف مايكل ميلشتاين ، هناك مقدمة إضافية من ( لفتنانت جنرال ) جادي أيزنكوت ، بينما تنقسم إلى 13 فصلاً وخاتمة ، مدمجة في كتاب واحد
يوضح مايكل ميلشتاين أن العنوان “ليس هنا، ليس هناك” مستوحى من الفيلم الصادر عام 2017 ، والحاصل على جائزة في مهرجان حيفا السينمائي ، “بر بحر” للمخرجة ميسلون حمود ، [ مواطنة من مناطق فلسطين المحتلة عام 1948 (دير حنا) ولدت في المجر لأسرة محسوبة على التيار الماركسي ] ، والفيلم المذكور ، وملخصه هو صراع الهوية والمعاناة من المجتمع اليهودي الإسرائيلي في تل أبيب
يقدم هذا الكتاب استخلاصًا “إسرائيليا” شاملًا عن النظرة إلى واقع الشباب الفلسطيني القائم في الأراضي المحتلة ، مع العلم أن الكاتب هو ضابط رفيع المستوى في أجهزة الأمن “الإسرائيلية”، وربما انطلق في كتابه هذا من فرضيات أمنية استخبارية ذات طابع “استشراقي”، لكن من الواضح أنه بذل جهودًا كبيرة في الخروج بخلاصات تفيد العدو ( صانع القرار ) في التعامل مع هذه الفئة السكانية المتزايدة في أوساط الشعب الفلسطيني
يحمل الكتاب في طياتها الكثير من المقابلات والاقتباسات من باحثين ونشطاء وأكاديميين وصحافيين وغيرهم ، ما يدفع بالقارئ للوهلة الأولى ، أن يعتقد بأن الباحث فلسطينيًا أو عربيًا ، بحجة الأسلوب والاقتباسات ، مع فارق الاستنتاجات والتصورات والتوصيات
ولكن بطبيعة الحال هو يستهدف جيل الشباب الفلسطيني من فئتين عمريتين
[ من ولدوا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين
من ولدوا بعد عام 2000 ] في كل من ( الضفة الغربية وقطاع غزة ) ، مع تركيز أعلى على هذا الجيل في الضفة
كما يعكس صورة هذا الجيل ، والتغييرات العميقة التي شهدها النظام الفلسطيني بأكمله في العقود الأخيرة ، وكيف أن هذا جيل قد شهد توترات شديدة في الداخل والخارج ، واستلهم ذهنيته من العمليات الأساسية التي هزت الفلسطينيين منذ أوائل التسعينيات ، بما في ذلك إقامة السلطة الفلسطينية ، والانتفاضة الثانية ، والانقسام الداخلي بين الطرفين ، الضفة الغربية وقطاع غزة والربيع العربي
ويقدم الكاتب العديد من الأرقام والنسب المئوية المتعلقة بموضوع الدراسة
(في الضفة الغربية وقطاع غزة يعيش ما يقارب 5 ملايين فلسطيني ، منهم 2.76 مليون في الضفة و2.1 مليون في غزة) اما عن نسبة الشباب فهي 38%
ويشير بناء على استطلاعات رأي وغيرها من أدوات القياس والبحث أن الشباب من الفئة العمرية (15-29 عاما) يعانون من عدم الاستقرار في حياتهم وعدد هؤلاء 800 ألف في الضفة الغربية ، و580 ألفا في قطاع غزة
هناك 40 ألف خريج سنويًا ، بينما نسبة التشغيل للخريجين أقل من النصف
%54 من الخريجين إما عاطلون عن العمل ، أو أنهم يعملون في مجالات ومهن لا تتناسب إطلاقا مع تخصصاتهم
ويتطرق ميلشتاين ، إلى النساء والشابات الفلسطينيات ودورهن في النضال ضد الاحتلال ، ويتحدث عن نسبة حضورهن في سوق العمل والتعليم والوظائف المختلفة
أي أنه يتعمد أن يبين لنا بمعنى مختصر ودقيق ( كيف تبلور وعي وفكر هذا الجيل بطريقة مختلفة عن آبائهم وأجدادهم ، بالإضافة الى دور وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية ، وانتشار التعليم العالي )
هذا الاهتمام [ البحثي بالشأن الفلسطيني ] الذي يبديه لنا العدو الاسرائيلي ، وعلى وجه الخصوص (بشريحة هي الفاعلة والناشطة في الميدان )
نستنتج أنه من البديهي ، أن يجهد العدو ليل نهار على تهويد الأرض الفلسطينية بالمستوطنات والمصادرة ، وأن يصب جام إنشغالاته بسياسة “كيّ الوعي” لدى الجمهور الفلسطيني ، فضلاً عن وضع سيناريوهات عمل مرنة تكتيكيًا ، ثابتة إستراتيجيا ، كما يجب أن يوازيه اهتمام مماثل فلسطينيًا
ولو أننا لاحظنا الإضافة مع مقدمة المؤلف ، من الفريق احتياط لفتنانت جنرال ، جادي أيزنكوت ، لتبلورت لنا الحقيقة ، والتي تتجسد في أن العسكريين والأمنيين هم أصحاب الكلمة الأخيرة في الملف الفلسطيني
كما ينصح أيزنكوت صناع القرار في الكيان ، بالتعرف على التيارات في العمق الفلسطيني كونها هي التي ستقود المنظومة الفلسطينية مستقبلاً ، ويؤكد أن الهدف هو إدارة الصراع لا حلّه ، بالإضافة الى انه لا سلام ولا استقرار فقط مجرد خطط ومهدئات تحت سقف “السلام الاقتصادي” وما شاكله من أفكار ورؤى لتقطيع الوقت الفلسطيني لتراكم الإحباط الذي قد ينفجر في وجه السلطة الفلسطينية وكيان العدو”الإسرائيلي”، مما يجعل افتراض أن الهدوء النسبي في هذه المنطقة قد يستمر فترة طويلة وهم مخيف ، لأنه يمكن في لحظة واحدة أن تتلاشى صيغة “السلام الاقتصادي” بسرعة نسبية ، لاسيما في مواجهة السيناريوهات المستقبلية مثل أزمة اقتصادية حادة ، أو اشتباكات شديدة بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” في الضفة الغربية ، أو حدث دراماتيكي في المسجد الأقصى
يُلخص هذا الكتاب خصائص الجيل الفلسطيني الشاب ، وهو يتجول فعليًا بين الأطر التي يعمل فيها
(بدءًا من الأجواء العائلية ونوادي الشباب ، مرورًا بالحرم الجامعي ، والمظاهرات ، وفي هذا السياق ، يتم تحليل تأثير الشباب على كل من الجمهور الفلسطيني والضفة الغربية وقطاع غزة وكيان العدو ”الإسرائيلي” كما يتبنى ميلشتاين سيناريو سيطرة حماس على كل الضفة الغربية أو اجزاء منها
بالطبع هذا السيناريو يهدف لإطالة أمد الانقسام وإذكاء نار العداوة داخليًا ، حيث إن الضفة لا يسيطر عليها أي فصيل فلسطيني لأنها محتلة مستباحة وتتعرض لنهش الاستيطان المتمدد ، حتى في ظل وجود سلطة فلسطينية عامودها الفقري فتح ، ولا يكف العدو الإسرائيلي أيًا كانت صفته عن تنقيط السمّ في كل مناسبة
كما يُسلط الكاتب الضوء على احتمالات عودة الأحداث التي جرت عام 2015 ، وانها لا تزال قائمة ، وربما أكبر مما كانت عليه في الماضي (ص61)
ولا يفوت الكاتب التحدث عما يسمى “العنف داخل الأسرة” مستشهدا بحادثة شغلت الرأي العام الفلسطيني عام 2019 وهي مقتل الفتاة إسراء غريب والتي اتهم أفراد من أسرتها بقتلها لعدم رضاهم عن نشاطها ، وعرضوا على القضاء الفلسطيني
كما يتحدث عن الاحتجاج على وثيقة سيداو
ولا يفوت ميلشتاين الحديث ، عن شباب قادة شهداء بل أحياء ، گ ( باسل الأعرج ، وأحمد نصر جرار )
في الفصل 12 يذكر لنا كيف أن النكبة رمز وطني جامع لكل الفلسطينيين ، وأنه كلما ابتعد الفلسطينيون عن الحدث التاريخي نفسه (عام 1948) فإن قوة الذاكرة تزداد على الأغلب لدى الأجيال التي لم تعش التجربة عمليا (ص 92) وأن ذكريات النكبة تنتقل من جيل إلى جيل ، بغض النظر عن تقلص عدد المشاركين في إحياء ذكرى النكبة ، بسبب الابتعاد عن الأيديولوجيات السائدة (ص98) ، الا انها تبقى في دائرة الخطر القائم لانها لا تزال ساكنة في عمق الوعي الجماعي للفلسطينيين ، وفي أوقات مناسبة قد تنفجر هذه الذاكرة من جديد” (ص 99)
في النهاية يقوم بطرح ( فكرة إلهاء الشباب عن مقاومة الاحتلال ، وأيضا التهجير الطوعي لهم )
ثانيًا ، توسيع اللقاءات بين قطاع الشباب الفلسطيني والعدو الإسرائيلي ، وهي بكل تأكيد دعوة للتطّبيع ، ولقاء الجلاد بالضحية قبل الإجهاز عليها ، فجميع شباب الكيان إسرائيلي ( جنود في الجيش بواقع الحال القائم فيه )
ثالثًا ، التأثير بالوعي العام من خلال المناهج ، هو يقصد الوعي الفلسطيني ، وتحسين وضع الشباب في غزة ، على الرغم من انه لم يقدم فكرة متكاملة وترك الأمر مفتوحًا على احتمالات شتى
ويؤكد ميلشتاين أن استقرار المنظومة الفلسطينية مصلحة للعدو الإسرائيلي ، وهذا يعني بالضرورة تدخلات له لتحقيق ما يراه استقرارًا
ختامًا ، لا يجب التسليم لفحوى هذا الكتاب ، وما يتناول من فرضيات واستنتاجات وتوصيات ، فهو في نهاية الأمر منوط بدوائر الأمن والجيش والسياسة لدى الاحتلال ، فما يناسبهم بكل تأكيد لا يناسبنا ، فضلًا عن كونه يتعارض معنا [ من النقيض إلى النقيض ]
لذلك برأي الشخصي انه يجب الإنتباه جيدًا لمثل هكذا كتب تصدر عن لسان العدو ، فقد تفيض بما يتغلغل في أعماق نفوسهم ، فيحسُن بذلك قرائتنا لهم ولمخططاتهم
[ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ ]
2023-06-16