جدال فلسفي حول الإشكال الطبقي الماركسي!
رنا علوان
يعتبر الإشكال الطبقي ذو مكانة خاصة في مختلف نماذج التحليل التاريخي والسوسيولوجي والسياسي [ وهي بمثابة مكانة لم تزحزحها النظريات الاجتماعية ،منذ نهاية القرن 19 على أقل تقديى ، والتي برزت كرد فعل ضد التحليل الطبقي ( الماركسي على الخصوص )
ولعل ابرز النظريات التي جادلت التحليل الطبقي الماركسي ، والتي برزت كبدائل عن النموذج الماركسي ، هي نظرية التدرج الاجتماعي والتمايز الطبقي مع ماكس فيبر ، ونظرية النخبة أو الصفوة مع فيلفريدو باريتو ، أما أهمها التحليل الوظيفي مع عالم الاجتماع الفرنسي ايميل دوركهايم
هذه النماذج الثلاث اعتبرها بعض الباحثين تكميلًا وتتمة للنموذج الماركسي ، بينما اعتبرها البعض الأخر تحريفًا كما عامل إسقاط يلغي صلاحية التحليل الطبقي برمته
بيد ان هناك نظريات فرعية تجادل التحليل الطبقي مثل الانقسامية والانشطارية ونظرية التنمية والتخلف التي رافقت موجة تحرر بلدان العالم الثالث ونظرية العولمة والبنيوية و غيرها من نماذج التحليل الاجتماعي
كنظرية التحليل النفسي لسيغموند فرويد
يكتسي الشعب والنخبة مفاهيم هامة ، نظرًا لتعدد استعمالاتهما وانتماءاتهما المرجعية والايديولوجية والسياسية ، حيث يتم تركيب هذه النماذج وتكييفها مع الظواهر التاريخية والاجتماعية ليتم توسيع هامش مقاربتها على مختلف التجارب المجتمعية والبشرية المتنوعة ، خاصة إبان الامتداد الاستعماري لدول الغرب الرأسمالي مطلع القرن العشرين
لقد أثرت الجدلية الماركسية حول الاسس البنيوية والمعرفية للاشكال الطبقي ، بالمجتمعات المعاصرة ، غير أن المؤسسات الايديولوجية للدولة الحديثة وهيمنة الرأسمالية على السوق العالمية واكتساح ظاهرة العولمة للمجتمعات بفضل الثورات المعلوماتية ، ادي الى تركيزه وتقليصه في العلوم السياسية التي تمخض عنها بروز مفهومين متعارضين هما النخبة السياسية والجماهير الشعبية
واصبح شائعًا استخدام كلمة النخبة لنعت الجماعة المالكة لسلطة اكبر على بقية الجماعات الاخرى بالمجتمع وحصرت على رجالات الدولة من حكوميين وموظفين كبار وبرلمانيين ورجال السياسة فقط ، قبل أن تتوسع هذه الدراسات من خلال تركيب نماذج التحليل الماركسي والوظيفي والفيبري ، وأحيانا بالاعتماد على التحليل النفسي ، بالرتكاز على المدلول القيمي لمفهوم النخبة
ما أدى الى اعتبار النخبة السياسية مستقلة عن كل الشرائح الاجتماعية ، وتحديد خصائصها في الوعي المشترك لمصالحها والتجانس والانسجام النسبي وروح الخداع والمناورة التي تتسم بها سلوكاتها
وفي إطار استعراض الردود الفكرية التي جادلت النظرية الماركسية بإعتبارها النظرية الأم للتحليل الطبقي ، نجد انه تحليل مادي للواقع يأتي وفقًا لِمَ يلي
أولًا مفهوم [ نمط الإنتاج ] ، هذا المفهوم يتم تركيبه برصد وتتبع نمو المجتمعات من خلال مفاهيم رئيسية أهمها
-مفهوم [وسائل الإنتاج] ، وهي الوسيلة التي بواسطتها يتم تحقيق أي منتوج
-مفهوم علاقات الإنتاج ، أي العلاقات ( الاجتماعية والاقتصادية والسياسية و العقلية والحقوقية …) التي يفرضها مالكو وسائل الإنتاج أي الطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج ، وهي التي تحدد نوعية علاقات الإنتاج السائدة الاقتصادية والاجتماعية والرمزية
وهذا ما يسميه ماركس بالتشكيلة الاقتصادية والاجتماعية ، أي مجموع البنية التحتية ومجموع البني الفوقية
-البنية التحتية ، وهي مجموع القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج السائد ، والمرتبطة ارتباط وثيق بالطبقة الحاكمة والطبقات المحكومة بمعنى هي القاعدة الاقتصادية التي يقوم عليها المجتمع
البنية الفوقية ، من مؤسسات دينية وسياسية كالدولة والأحزاب أو منظمات إيديولوجية وفكرية ورمزية
بحيث أن الطبقة التي تتحكم في وسائل الإنتاج المادية هي التي تتحكم في وسائل الإنتاج الرمزي ..
تشكل هذه المفاهيم التأطير النظري الذي يتحدد على ضوئها مفهوم الطبقة الاجتماعية بتحديداته المعرفية والعملية
ومن أبرز الخصائص الشائعة في التحليل الماركسي للطبقة الاجتماعية ، أن تتوفر على اليات لاعادة انتاج ذاتها كطبقة ، وأن تتضمن شروط متجذرة تلزم عناصرها وحدة المصير والأهداف ( الوعي بذاتها ) بحيث لا يمكن الحديث عن طبقة اجتماعية دون حصول ترابط عضوي بين مختلف التراتبات والقسمات التي تكونها وتحقق لها انسجامًا نسبيًا يؤهلها لمواجهة طبقات اجتماعية تقع في تعارض حاد معها داخل المجتمع
سيتضح بعد الاجتهادات الفكرية والعملية للنظرية الماركسية ، أن مفهوم الشعب سيأخذ مدلوله من السياق المجتمعي باختلاف تجاربه وتنوعه
فالبروليتاريا اذا كانت هي الطبقة الموكول لها من طرف الماركسية اللينينية بمهمة قيادة التغيير في المجتمع الصناعي الرأسمالي الغربي ، فان طبقة الفلاحين أو المنتجين الزراعيين ، خارج التجربة المجتمعية الغربية، ستكون هي الركيزة الاساسية لهذا التغيير مع النظرية الماوية و الاجتهادات النظرية لفرانز فانون وغيره من الماركسيين الذين ركزوا خلال النصف الثاني من القرن المنصرم على القوى الاجتماعية المحلية الحاملة لمشاريع التغيير
من خلال هذه الترسانة المفاهيمية للتحليل الطبقي الماركسي، وبمختلف اجتهاداته، تكتسي كلمة ” شعب ” مدلولا محددا ضمن مفهوم الطبقات المحكومة أو المسودة. وهي مكونة من العمال والفلاحين والتجار والحرفيين والموظفين و المعطلين والمهمشين .. أي مجموع الطبقات والشرائح الاجتماعية المهيمن عليها من طرف الطبقة السائدة
ارتباط التحليل الطبقي للماركسية بعوامل التغيير والثورة في مرحلة متقدمة أدى الى ردود فعل متنوعة ونقاشات معمقة حصيلتها العامة ساهمت في تعزيز وتجذير التحليل الطبقي لمختلف التجارب المجتمعية الحديثة ، بحيث ظهرت مجموعة من الاجتهادات والمواقف الصريحة أو الضمنية التي كانت تنتقد الطرح الماركسي، لارتكازه على العامل الاقتصادي كمحدد لمفهوم الطبقة الاجتماعية
وتختلف أهمية النخبة ، حسب هذه الردود ، في علاقتها بالسلطة والقوى التي تملكها أو تحوزها
ان العيوب التي تطبع هذه الطروحات تكمن في عدم تدقيق طريقة انتماء الافراد لهذه النخب ، حيث يغلب عليها طابع التركيز على القدرة والقوة كمفاهيم مجردة غالبا ما تشير الى الطباع السيكولوجي والقيمي أكثر من الموضوعي المعاش
وهو التركيز الذي يتم بواسطة تبرير حكم النخبة الحاكمة وسيطرتها على الجماهير الشعبية ، بحيث يضمر هذا المفهوم سياقات متقاربة في استعمال كلمة الشعب تتسم بابراز علاقة التمايز والتبعية ، كاختصار متعسف لسيطرة الطبقة الحاكمة على سائر طبقات المجتمع
فيقع ربط مفهوم الشعب بالحاجة لهذه النخب التي تحميه من نفسه وتقي المجتمع من سلوكاته وقدراته
هناك ما هو متطرف في هذه الردود ، اعتبر أن الطبقة ظاهرة بنيوية تعرفها سائر المجتمعات على اختلاف بنياتها و مساراتها الزمنية ، وبالتالي يصدق عليها استخدام مختلف معايير المنهج الماركسي كما ورد في كتاب البيان الشيوعي
هذا الموقف لا يميز بين المجتمعات الصناعية ( التجربة المجتمعية الاوروبية ) والمجتمعات غير الصناعية مثلا ، عكس موقف ثان مناقض للاول ، يعتبر أن صلاحية هذا التحليل ترتبط بأوضاع تاريخية معينة تتحكم فيها قوانين السوق وتعميم الثورة الصناعية
ومادام مفهوم الطبقة مرتبط ، حسب ماركس نفسه ، بالراسمالية وبالتصنيع ، وان تطور قوى الانتاج التي تتمخض عنها تكون فائض الانتاج الاجتماعي الذي يسمح ببروز التعارضات الحادة داخل المجتمع
غير أن هناك مواقف أخرى نفت أهميت التحليل الطبقي جملة وتفصيلا ، واعتبرته اما اختزالا لتاريخ البشرية أوتحريفا لواقع المجتمعات المعاصرة
ومن أهم النماذج التي حاورت التحليل الماركسي ، سنجد عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم ، الذي أسس نموذجا يختلف جذريًا عن النموذج الماركسي
وقد عرفت نظريته باسم [ المنهج الوظيفي الوضعي ] الذي يرى ان المجتمعات المصنعة تتسم بغياب النماذج المشتركة وان ما يميزها عن المجتمعات غير المصنعة ( أي المجتمعات غير الغربية ) هو ما يسميه بالتضامن العضوي الذي يؤدي الى حالة التفكك وتقلص أشكال التضامن ، عكس المجتمعات التقليدية ، التي تتسم بما يسميه بالتضامن الميكانيكي وتطغى عليها أشكال التضامن
يعتبر دوركهايم ، أن حالة التفكك واللاتضامن ، هي الحالة التي تميز المجتمعات التاريخية عن المجتمعات اللاتاريخية ، التي تهيمن عليها أنماط التضامنات الأولية كالاسرة والقبيلة والعشيرة
فالمجتمع الرأسمالي الحديث من وجهة هذا التحليل ، هو عبارة عن جماعات صغيرة منعزلة بعضها عن بعض وما يجمعها ويصهرها في المجتمع هي مؤسسات النظام الرأسمالي من دولة وأجهزة وقوانين ومؤسسات مجتمع مدني من أحزاب ونقابات و جمعيات ، والتي تحقق لهم التضامن بطريقة عضوية ، وتعمل على اخراج الناس من عزلتهم
هذا النموذج من التحليل الاجتماعي ينفي وجود الطبقات الاجتماعية بالمجتمع ، رغم اقراره بوجود مراتب اجتماعية ولامساواة وتمايزات متفاوتة بين أعضاء المجتمع
كما يتسم هذا التحليل عمومًا بنظرته للمجتمع الحديث من الخارج مثل نظرة العالم الفيزيائي للأشياء
ويعود لدوركهايم الفضل في ادخال الرياضيات لمناهج دراسة المجتمعات من خلال الاعتماد على الاحصائيات وتقنيات الاستمارة والمقابلة والمونوغرافيا التي أصبح يتأسس عليها كل بحث سوسيولوجي، ويعد كتابه الانتحار نموذجا للقياس الاجتماعي في دراسة الظواهر الاجتماعية
لقد أدى النقاش حول مفهوم الطبقة ، مع الرواد الأوائل في علم الاجتماع ، الى انحلال هذا المفهوم الى جماعات وحماعات فردية ، وتم تعويضه بمفاهيم تراتبية اختبارية ، يصوغها مهندسون اجتماعيون ، أو متخصصون في استطلاعات الرأي
وأصبح هذا المنهج شبه معممًا لتحليل التمايزات الاجتماعية أو الواقع المعاش للشعوب ، واضحى مفهوم الطبقة الاجتماعية في الوقت الراهن ، بصورة منحرفة المفهوم ، أي مستخلصًا من تقنيات الاحصائيات العامة [كالدخل والمستوى الثقافي ونمط الاستهلاك وبعض مؤشرات السكن والتعليم وغير ذلك ]
وهو مفهوم سائد لدى المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية والخاصة و المجتمع المدني الحديث والمنظمات الدولية (من خلال المقاربات النيو ليبيرالية التي تتعامل مع المجتمعات) كبنيات مجزئة وارقام مشفرة تطمس الدينامية الحقيقية للمجتمعات الراهنة وتشوه حركيتها للتحكم في مجمل الصراعات الاجتماعية وتناقضاتها ، خدمة لاستمرار هيمنة السوق الراسمالية العالمية وتكييف اي تطور وتغيير مع مصالحها وطموحاتها
ظهر مفهوم النخبة مع باريتو ، الذي ركز بحثه حول الميكانيزمات التي يخضع لها تنقل الافراد بين الطبقتين العليا والدنيا للمجتمع
فحركة النخبة تفسر أساسًا بالمتغيرات التي قد تطرأ على الخصائص السوسيولوجية سواء لافراد من النخبة أو من الطبقة الدنيا ، ما يستدعي اللجوء لنظرية الرواسب ، خاصة رواسب الطبقة الاولى والثانية ، التي تصبح هي العامل المحدد لوجود النخبة ، الصفوة حسب تعبير باريتو ، كما تحدد مدى قوتها ومستوى سلطتها
باريتو كان يقسم المجتمعات الى طبقتين ، عليا ودنيا ويتحدث عن حركية بالمجتمع تسمح بالطلوع والنزول وعن مراتب ورواسب معينة تحدد مستوى وأهمية أي نخبة : نخبة قوية ، نخبة ضعيفة ، نخبة مالية أو سياسية أو عسكرية أو ثقافية أو دينية .. هذا الطرح سيتم استعماله بشكل واسع في العلوم السياسية ومنه سيتبلور مفهوم النخبة السياسية ومفهوم الجماهير الشعبية كما سنرى فيما بعد
انحلال مفهوم الطبقة الاجتماعية سياتي أيضا نتيجة تطور الدراسات الذي ركزت منذ مطلع القرن الماضي ، على التباينات وأنماط التمايز و السيطرة في المجتمعات المعاصرة
ومن أبرز هذه الدراسات ، هناك النموذج الذي نجده عند ماكس فيبر ، بحيث واجه التحليل الماركسي بانكبابه على مختلف التراتبات والقسمات الاجتماعية التي أهملها التحليل الطبقي
كما واجهها في مسالة تعميم المفاهيم والنماذج على باقي المجتمعات دون ضبطها وتدقيقها ، لكن فيبر نفسه سيقع في ما انتقده في الماركسية ، حيث كون نموذجًا للتحليل أخذ صفة الصلاحية المطلقة
يعتبر ماكس فيبر أن هناك نظامان يحددان التمايز الاجتماعي أو التعارض البنيوي ، وكل نظام يحتوي على أنظمة خاصة به ويختلف باختلاف تجربة المجتمعات
نظام مادي وظيفته توزيع الخيرات والثروات كالملكية و الاستهلاك و الشغل والاجرة ، وهذا النموذج التحليلي ذاتيًا لا يغيب ارادة الاشخاص كما هو الامر عند النموذج الوظيفي
ونظام رمزي وظيفته توزيع السلطة والنفوذ ، والذي بعطي أهمية فائقة لقوة المؤسسات والاجهزة
نستنتج ، أن النظام المادي عند فيبر يتطابق مع مفهوم الطبقة الاجتماعية عند كارل ماركس
غير أنه في النظام الرمزي ، ومسألة توزيع السلطة والنفوذ الذي هو أساس التحليل الفيبيري ، يفرق بين القوة والسلطة ، واعتبار القوة علاقة غير متكافئة بين طرفين يستفيد أحدهما بنتائجها ، بواسطة علاقات فرعية تشترط الشرعية والمشروعية أو ما يعرفه ب ” حق استعمال العنف” المادي والرمزي المرتبط بالنفوذ عن طريق تمييز المواطنين من خلال القيم والاخلاق والعرق والسلالة والمكانة الاجتماعية والمرتبة الدينية وغير ذلك من العناصر الرمزية كالفكر والادب والمعرفة
غير أن هذا المدلول القدحي لكلمة الشعب سيتلاشى بعد تعميم التجارب الانسانية والمجتمعية بشكل غير مسبوق نتيجة التطور التكنولوجي ، فأصبح يرمز الى [ مجموع قوى المجتمع المدني المستقلة عن الدولة] ، وبعد انتشار تقافة حقوق الانسان والمواطنة والحرية والديمقراطية ، التي توفر الحد الأدنى من التلاحم الذي يهم مجموعة كبيرة من المواطنين ، يسكنون بلاد واحدة ولا ينتمون الى الاقليات الحاكمة أو السائدة التي تحتكر السلطة والنفوذ الاقتصادي والرمزي
2023-05-16
