تحتفل الأوساط الفنية، في جميع أنحاء العالم، بالذكرى الخمسين لرحيل أحد أهم فناني القرن العشرين، بابلو رويز بيكاسو (1881 – 1973) خصوصاً في بلاده إسبانيا والدولة التي عاش ومات فيها: فرنسا.
وكانت وزيرة الثقافة الفرنسية ريما عبد الملك ووزير الثقافة والرياضة الإسباني ميكيل إيسيتا قد أعلنا في مؤتمر صحفي مشترك عقداه بباريس في أغسطس/أيلول الماضي عن تنظيم البلدين لأكثر من 40 معرضاً وفعالية إضافة إلى نشر العديد من الكتب التي يمكن أن توفر للجمهور الفرصة لفهم أعمال فنان مثل بيكاسو ترك تأثيره الكبير على الفن المعاصر.
وأعدت بهذه المناسبة برامج مكثفة تشمل إقامة معارض وعروض أفلام وحفلات موسيقية وحلقات دراسية تتناول حياته وأعماله مع التركيز على المدن الإسبانية التي كانت مصدر إلهامه والتي تركت بصمتها على شخصيته وفنه لاسيما مالقة، المدينة التي أبصر فيها النور.
الانطباعات التي تركها أصدقاء بيكاسو ومنافسوه وعشاقه وأفراد عائلته والمتعاونون معه لا تكفي لتعريفه، لأنه إذا كان هناك شيء ما يميز هذا الفنان فهو قدرته على إعادة اختراع نفسه، لكن ديفيد دوجلاس دنكان المصور والكاتب والصحفي الأمريكي وقد عرفه عن قرب كشف عن صورة فنان عمل بلا كلل، ورجل بسيط يستمتع باللعب مع الأطفال، ورغم شهرته كان في الواقع إنساناً خجولاً يسعى للاختباء عن الناس.
في 1899 عام وصوله لأول مرة إلى باريس، بدا كطفل. كانت عيناه السوداوان متضخمتين متوترتين للغاية تحت جبهته العريضة، وكان شعره آنذاك خشناً وسميكاً، لم يضيء خيط فضي واحد في سواده.
كان من حسن حظ هذا الصبي البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً أن ينتج لوحتين يومياً في شارع لافيت، ويحصل على مائة فرنك لكل واحدة منهما.
لم يكن قد فكر قط أن مقابل المائة فرنك للوحة قبل الحرب الأولى سيكون ملايين الدولارات بعدها، بل لا تقدر بثمن الآن بعدما اقتنتها أشهر المتاحف العالمية. كان كل ما يشغل تفكيره أن لا يواجه البؤس في عاصمة الأنوار دون أن يتوقع أنه سيكون على موعد معه عند عودته إلى بلاده عام 1902. لقد عاد باللوحات الزرقاء الشهيرة لكن لم يشترها أحد.
هو في باريس ثانية وقد أخذت دائرة أصدقائه تتسع: غالباً ما كان ديرين وفلامينك وبراك وهيربين وفنانين آخرين يحضرون الاستوديو الخاص به. ولأنه الأقصر بين الثلاثة الذين كانوا طويلين جداً، وبأكتاف عريضة، ما يعطي الانطباع بأنهم يمتلكون قوة بدنية غير عادية، حاول التغلب على قصره بتعلم الملاكمة، ولكن مع أول لكمة تلقاها اقتنع بأن عليه أن ينصرف إلى فنه حتى تنبع سمعته من منجزه وليس من أية إنجازات أخرى.
يروي جان كوكتو الكاتب والمخرج المسرحي والسينمائي الفرنسي الذي كان قد التقى بيكاسو عام 1917 في روما أنه أحب طريقته غير المتحمسة للتحدث عن نفسه. كان يقول: أنا لست موسيقياً، ولا أفهم الموسيقى كما لو أنه لا يهتم بها على الاطلاق. وأتذكر أننا اعتقلنا ذات ليلة في نابولي لتبولنا على جدار في غاليري. طلبت من الشرطي مرافقتنا إلى مسرح سان كارلو لأن أحدهم سيتعرف علينا. استجاب لطلبنا، وذهبنا نحن الثلاثة إلى هناك حيث أطلق الشرطي سراحنا عندما سمع الجمهور يحيينا بصفتنا فنانين.
اما جيرترود ستاين الشاعرة والروائية الأمريكية التي آمنت بعبقرية بيكاسو وكتبت أول كتاب عنه كانت تراه رمز ثورة القرن العشرين الحداثية في الفن الأوروبي، والرجل الذي يحتل المكانة التي كانت لوالدها رغم أنها تكبره بنحو عشر سنوات. كانت تقول أن عينه مقياسي في النظر إلى الأشياء. حتى عندما عدت إلى أمريكا كان حاضراً، أيضاً. ومع ذلك، كان لدي ما أتفوق به إذ كان مقدراً لي أن أتعرف عليه وحيداً ويائساً لدرجة أنه شعر بالحاجة إلى أن يصبح شيوعياً، لذلك كنت أناديه: بابلو.
ــــــــــــــــــــ
غداً نكمل مع العرابة جيرترود ستاين التي دعمت بيكاسو منذ خطواته الأولى مثلما دعمت العديد من الفنانين الناشئين وقتها بما في ذلك ماتيس وسيزان وبراك.