NEOM..!
رنا علوان
بدأت السعودية بإنشاء مشروع ضخم يسمى[ نيوم ] وهذا المشروع عبارة عن مدينة سكنية خيالية ، تعتمد بشكل اساسي على الذكاء الصناعي ، بالإضافة إلى أنها صديقة للبيئة في جميع مقاييسها
ولكن ما يُنغّص على المتابع العربي هو حقيقتها ، فهي من تمخضها ( كفكرة ) بمباركة صهيونية وبمسعى ومشاركة أيضًا
ما صُرّح حول اسمها هو أن نيوم عبارة عن (Neo+M) وحرف ال M للدلالة على إسم محمد بن سلمان ، أما ما يؤكده بعض قراء التاريخ ، هو أن نيوم بمعنى نعوم الموجود ذكرها في التوراة
أن حقيقة هذا المشروع هو عبارة عن مشروع سياحة دينية لليهود العبرانيين ، وستشرف عليه إسرائيل بالكامل ، كمقدمة لإعادة بناء الهيكل المزعوم ، وورد هذا المشروع رسميا في معاهدة كامب ديفيد التي وقعها السادات مع الصهاينة أواخر سبعينيات القرن المنصرم ، وجاءت مشاركة مصر والأردن فيه بسبب تمحوره حول خليج العقبة وسيناء ، ناهيك عن انه تجسيد أيضًا لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه الصهيوني شيمون بيريز ، ويقوم أساسًا على مشروع أيالون
يأتي مشروع نيوم في سياق تاريخي وسياسي مُعيّن ، وإنه لا يمكن فصل طرح هذا المشروع من دون أن يكون هناك ظل واضح لمشروع شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي وأحد كبار مؤسسي الكيان العنصري في فلسطين المحتلة كما سلف وذكرنا ، والذي طرحه عام 1994 في كتابه الشهير “الشرق الأوسط الجديد”، بعد أن اكتملت سلاسل الاتفاقيات والتنازلات العربية لصالح “إسرائيل” بدءاً بالزيارة المشؤومة للرئيس المصري الأسبق أنور السادات إلى القدس المحتلة في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1977، مرورًا باتفاقية أوسلو عام 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية ، وصولاً إلى اتفاقية “وادي عربة” مع الأردن عام 1994 ، وانتهاءً باتفاقيات إبراهام عام 2020 بين دولتي الإمارات والبحرين من جهة والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى ، ثم الانتقال إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية والاعتراف المغربي بـ “إسرائيل” عام 2021، والاختراق الذي جرى بين النظام العسكري في السودان والكيان الإسرائيلي
كما يأتي طرح المشروع في إطار تنسيق سري محموم بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة ، والأمير السعودي الجامح بقوة واندفاع لتولّي العرش السعودي متجاوزًا كل الأعراف التي كانت سائدة في تسلسل الأسرة الحاكمة السعودية ، ومن خلال ترتيبات أشرف عليها مباشرة صهر الرئيس الأميركي ومستشاره المُقرّب من الدوائر الصهيونية ، جاريد كوشنير ، استمرّت لما يقارب 18 شهرًا ، ومنذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبه الرئاسي في كانون الثاني/يناير من عام 2016 حتى خروجه من الحكم في كانون الثاني/يناير 2021
كما جاء المشروع في إطار تصريحات سعودية وبحرينية وإماراتية متناغمة بشأن التطبيع مع “إسرائيل” صاحبتها زيارات علنية لوفود من هذه الدول إلى الكيان العنصري في فلسطين المحتلة ، وصلت إلى حد القول بالحق التاريخي للوجود اليهودي في فلسطين والحق في إقامة دولة يهودية فيها
كذلك فإن المشروع وجد لينقل العلاقات المنفردة بين بعض الدول العربية (مصر – الأردن – السلطة الفلسطينية) و”إسرائيل”، إلى إطار إقليمي أوسع نطاقًا وأعمق حجمًا على المستويات كافة
بالإضافة إلى أنه جاء إعلان المشروع بعد أن وقّعت حكومة السيسي في آذار/مارس عام 2016 مع المملكة السعودية عدة اتفاقيات للتعاون الاقتصادي ، ووعودًا باستثمارات ومساعدات تقدر بحوالى 25 مليار دولار في السنوات الثلاث اللاحقة
وأيضًا في المقابل تنازلت مصر وفقًا لِمَ سُمّي “اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية – السعودية” عن جزيرتي تيران وصنافير على مدخل خليج العقبة إلى المملكة
وبهذا تحوّل الممر المائي من ممر مصري خالص إلى ممر دولي تتشارك فيه مصر والمملكة السعودية و”إسرائيل” والأردن ، وبهذا توفّرَ مجال جديد للتعاون الإقليمي بين هذه الدول
من شأن قيام هذا المشروع تشجيع “إسرائيل” على بعض المشروعات التي قد تكون ضارة ومنافسة لقناة السويس ، أو مشروعات محور القناة مثل قناة البحرين (البحر الميت بالبحر الأحمر)، وبالتالي خط النقل الممتد من إيلات جنوباً إلى ميناءي أسدود وحيفا غربًا ، مما يعزّز من النفوذ الإسرائيلي في المنطقة بإعتبارها نقطة مقبولة لتقاطع حركة النقل والتجارة الإقليمية والدولية
إن من شأن إقامة هذا المشروع وبحكم الحقائق على الأرض إقامة تحالف استراتيجي بين أطرافه (السعودية–الأردن–مصر–والكيان الإسرائيلي الغاصب) متعدّد الأبعاد ، يتجاوز المفهوم الاقتصادي الضيق ليصل إلى تحالف ذي طبيعة عسكرية وأمنية ، وهذا يمثل خطورة على مستقبل المنطقة العربية لسنوات وربما لعقود مقبلة
قد يؤدي هذا المشروع إلى خلق حقائق ديموغرافية جديدة ، من خلال استقدام الشركات المشاركة فيه لعشرات الآلاف من العمال والفنيين الأجانب من كل دول العالم ، ويستحيل معه اعتراض أي من الدول العربية المتورطة فيه بحكم البنية القانونية والاختصاص القضائي المظلل له
وبإمكاننا القول أن حادثة اغتيال والتنكيل بجثة الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي ، لتبطئ الاندفاع نحو تنفيذ هذا المشروع ، وتدفع الكثير من المستثمرين والشركات الغربية إلى مراجعة موقفها من الإدارة السعودية الراهنة التي تتسم بالكثير من الجنوح والغلظة والوحشية
نيوم ليس مشروعًا تنمويًا أو تطويريًا إستثماريًا سياحيًا ، بل هو إعادة لإحياء مملكة نعوم التوراتية ، ولتكون عاصمة لمملكة إسرائيل الكبرى المنتظرة بعد إعادة بناء الهيكل المزعوم على أنقاض الأقصى ، بموافقة ودعم من آل سعود ، تنفيذًا للمخطط الصهيوني الماسوني ، كما يهدف الى الترويج لرواية الصهيونية في فلسطين ، وذلك لإبعاد حقيقة أن العبور اليهودي من مصر كان إلى الجزيرة وليس إلى فلسطين ، مع أننا نؤمن انه لا أحقية لهم لا في فلسطين ولا في الحجاز
[ ناهيك عن ان يهود اليوم ليسوا يهودًا ، لأن يهود موسى إنقرضوا والموجودون اليوم هم يهود مملكة الخزر من أتباع الملك الخاقان ملك مملكة الخزر الذي سحقه جيش هارون الرشيد]
مدينة نيوم التي ورد ذكرها في سياق صفقة القرن ، والتي يتم العمل على تأسيسها في المنطقة الواقعة على الحدود بين مصر والسعودية وفلسطين والاردن ، هذا الاسم ” نيوم” لا يعني كما يقولون المستقبل والتطور ، بل نيوم كما ذكرنا سالفًا ما هي إلا كلمة توراتيه ، وورد ذكر هذا الاسم في التوراة وتعني ” نعوم” ، وهي إسم مملكة يهودية” ממלכת נוים ” ، يعاد إحياؤها في تلك الجغرافيا ، شمال السعودية ومصر ، وجنوب فلسطين والاردن
يهدف مشروع “نيوم”الصهيو-سعودي إلى محو آثار الإسلام وتغيير مناسك الحج في جزيرة العرب ، تنفيذًا للمخطط الماسوني ، وإعتبار المقدسات الإسلامية أوثانًا ليس إلا ، وكان مركز القلم للأبحاث والدراسات أول من حذر من خطورة هذا المشروع الماسوني
تأتي أهمية أرض مدين لليهود بناء على تفسيرات من التوراة تشير إلى أنها الأرض التي هرب إليها بنو إسرائيل من مصر ، وعاشوا فيها بعد نجاتهم من فرعون ، وهم يرفضون الرواية السائدة في مصر التي تقول إن الهروب كان إلى سيناء حيث يوجد جبل موسى وصحراء التيه وعيون موسى
الرواية التوراتية الجديدة التي تمتليء بها كتب اليهود في نصف القرن الأخير أن العبور لم يكن من خليج السويس ولم يكن الهروب في سيناء ، وإنما العبور من خليج العقبة والهروب إلى أرض مدين
ولأن مشروع نيوم هو اقتطاع أرض مدين فإن الاسم أيضًا مرتبط بها ، فالجدل حول رمزية الاسم ليس كما زعموا أن لجانًا درست وإستقرت على كلمة مركبة، من كلمة نيو ( new باللاتينية ) مع حرف الميم من كلمة “مستقبل” العربية ه، والحقيقة أن الاسم مشتق من كلمة “مدين”، بقراءتها معكوسة ” نيدم” مع استبدال حرف الدال بحرف الواو الذي له رمزية وعلاقة بقصة الخروج حيث يبدأ سفر الخروج الذي يروي قصة اليهود في مصر والخروج منها إلى مدين بحرف الواو، حيث يبدأ بـ “وهذه أسماء بني اسرائيل الذين جاءوا إلى مصر مع يعقوب”، فأصبح الاسم الصهيوني الجديد لمدين هو “نيوم”
يقول الإسرائيليون أنهم لم يجدوا في سيناء العلامات الموجودة في التوراة عن رحلة الخروج ، وانتهت عمليات البحث في الفترة من 1967 إلى 1982 إلى أن اليهود لم يبقوا في سيناء التي كانت تابعة للحكم المصري ، وأن سيدنا موسى قادهم إلى الطريق الذي يعرفه وسار فيه من قبل إلى مدين ، فكان العبور من خليج العقبة بعد المرور في طريق التفافي بين الجبال يوصل إلى[ نويبع ]
هذا التفسير لطريق الخروج بدأ التأكيد عليه منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي عندما بدأت عمليات الاستكشاف عام 1978، قام بها الطبيب الأمريكي رون وايت الباحث عن الآثار التي وردت في نصوص العهد القديم، وهو الذي اكتشف موقع سفينة نوح في شرق تركيا
توجه رون وايت إلى سيناء ، وزار ساحل نويبع (كانت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي) وغاص بالكاميرا تحت الماء في قاع الخليج ، ودخل السعودية متسللًا قبل القبض عليه واحتجازه بتهمة التجسس ثم أطلق سراحه
مما أعلنه رون وايت في فيديو وثق فيه رحلة الخروج الإسرائيلي ، العثور على عمود من الرخام الوردي زعم أن النبي سليمان وضعه على شاطيء نويبع كعلامة لمنطقة العبور في الجانب المصري وتم تثبيته بقاعدة خرسانية ، وموجود حتى الآن
وقد اتفق الإسرائيليون مع الحكومة المصرية على الحفاظ عليه في مكانه ، ثم وجد وايت قاعدة العمود الثاني فقط على الشاطيء المقابل في الناحية الأخرى ولم يعثر على بقيته التي تدمرت
(ومن العلامات التي أكدها رون وايت ، وآخرون قاموا برحلات الاستكشاف من بعده مثل لينارت مولر صاحب كتاب ( The Exodus Case ) أن جبل سيناء الذي تجلى الله عليه وكلم موسى ليس في سيناء وإنما في مدين) ، ويعرف الآن باسم جبل اللوز الذي اشتعل نارا وتظهر الصور قمته سوداء محترقة، والعثور على الصخرة التي ضربها موسى بعصاة فانفجر منها الماء ، ووجدوا بقايا 12 عينًا ، ومكان النخيل (الـ 70 نخلة الواردة في التوراة[ وهنا بكل تأكيد يوجد من يصدّق ذلك التزوير الهائل لحقيقة التاريخ
من أبرز ما أعلنه رون وايت وأكدته صور الأقمار الاصطناعية أن قاع خليج العقبة يبدو أمام نويبع كطريق ممهد ، ومرتفع بشكل كبير عن عمق الخليج يمينًا وشمالًا، ونشر صورًا التقطها بالفيديو تحت الماء ، تظهر بقايا العجلات الحربية الفرعونية تنمو فوقها الشعاب المرجانية ، كما وعثر على بقايا عظام بشرية وحوافر الخيل ، ( البحث عن الأثار أم وضعها عنوة ؟؟؟؟!!!) لدعم مبتغاهم ليس إلا
من ناحية أخرى ، فإن مشروع نيوم ، تقدم فيه “إسرائيل” الأبحاث والمختبرات والأنظمة والموارد البشرية ، وتنسّق في سياق ذلك مع الشركات العالمية الكبرى ، ومع الخليج كواحد من أكبر الزبائن والممولين في الوقت نفسه ، وأيضًا بوابة التسويق إلى الأسواق العربية ، للهيمنة على بنيتها التحتية من خلال أنظمة الحماية الإلكترونية..
نيوم تختصر كل هذا في مكان واحد ، وتؤسس لهذه المرحلة ،[ وتمثل قلبها النابض]، وهي التعبير العملي لما يوصف في وسائل الإعلام الإسرائيلية عن الكيان الغاصبstartup nation ، Technical Hub، وغيرها
إن عقود الشراكة بين الشركات الأميركية والشركات الإسرائيلية الناشئة في مجال التكنولوجيا والـIOT يتضخم بشكل غير مسبوق (ومن ذلك عقدinsight partners مع Armis، بمبلغ مليار دولار نهاية العام 2019)
لا يقتصر الأمر في الخليج على عقود شراء أنظمة حساسة من “إسرائيل”، وتشغيلها في قطاعات حساسة بالنسبة إلى الدولة (4D Security, Logic industries, AGT)، وإنما يصل إلى حد أن كبريات الشركات العاملة في الإمارات مثلاً [ بدأت تعطي الأولوية في التوظيف لخريجي الوحدة 8200 من الجيش الإسرائيلي ] ، وهي الوحدة المختصة في أمن المعلومات (Cyber Security)
ختامًا ، على الرغم من أن الموضوع يحتمل المزيد والمزيد من الإضاءة لشدة أهميته ، وأهمية ما يخطط له فيه
ولكن يبقى نهاية القول أسفًا على كل من أضاع البوصلة ، ورضي بتحالفٍ ذليل مع عدوٍ جائرٍ ، وأما السعودية التي لم تعلن تطبيعها هذا الذي أصبح ثمره (متعفنًا على أمه ) فلو انها لا تنكر ما بات جليًا ومقرفًا ، لكان أفضل لها من إنكارها
