الاستطراق العالمي في أزمة بنك سيليكون فالي الامريكي!
وليد عبد الحي
منذ ان الغى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بعض اجراءات الرقابة البنكية التي تم تشريعها بعد أزمة 2008، تنبأ عدد من علماء الاقتصاد الامريكيين بتكرار أزمة الرهن العقاري ولكن بمحددات جديدة، وكان عالما الاقتصاد الامريكيين جوزيف ستيغلتز(الحاصل على نوبل في الاقتصاد) قد تنبأ بتداعيات قرارات ترامب بخاصة تجاوز مستويات السيولة المطلوبة في البنك والملاءة المالية ، وهو ما شاركه فيه عالم الاقتصاد نورييل روبيني (الذي كان من السباقين بالتنبؤ بازمة 2008)، ذلك يعني ان الانهيار الذي اصاب بنك سيليكون فالي هو امر متوقع من علماء الاقتصاد.
ما الذي حدث تحديدا؟
يعتبر سيليكون فالي الرافد الاكبر لدعم واقراض شركات التكنولوجيا الصغيرة في العالم، ويبلغ نصيب البنك حوالي نصف شركات التكنولوجيا والرعاية الصحية الامريكية والتي دخلت السوق المالي عام 2022، ونتيجة الاندفاع من قبل الشركات في حمى أزمة الكورونا بحثا عن تطوير علاج للوباء وغيره ، ونتيجة التباطؤ الاقتصادي بسبب الوباء ، ضخ الاحتياطي الفيدرالي الامريكية مبالغ ضخمة استفادت منها هذه الشركات الناشئة، التي قامت بايداع الاموال في البنوك بخاصة بنك سيليكون فالي لصلته القوية بالتكنولوجيا والرعاية الصحية، فارتفعت الودائع في هذا البنك أكثر من ثلاثة اضعاف خلال حوالي 3 سنوات لتصل الى ما يقارب 200 مليار دولار، لكن البنك اشترى بحوالي 40% من هذه الودائع سندات طويلة الاجل بعوائد تجاوزت 1.7%، وهذا يعني ان البنك –حتى تلك الفترة- كان يتحصل على فوائد عن السندات التي اشتراها بينما لم يكن يدفع فوائد على الودائع لان سعر الفائدة حينها كان اقرب للصفر.
لكن الازمات الدولية اللاحقة في اوكرانيا وما ترتب عليها من ازمات طاقوية وتضخم وبطالة…الخ، والتوتر الدولي حول تايوان وارتفاع الانفاق العسكري….الخ، قادت كلها لرفع اسعار الفائدة وبشكل متسارع، وهو ما ادى الى تراجع قيمة السندات التي اشتراها البنك لان اسعار الفائدة المرتفعة التهمت ما جناه البنك من السندات ، حيث تراجعت قيمة السندات وبدأت الشركات الناشئة في سحب ودائعها وتراجعت قيمة اسهم هذه الشركات بخاصة التقنية منها والتي شكلتوودائعها العمود الفقري للبنك.
كبف واجه البنك الازمة:؟ اتخذ البنك اجراءات قادت للكارثة:
أ- نظرا لنقص السيولة في البنك بعد السحب الذي اشرت له قام البنك لتعويض الخسائر ببيع السندات التي اشرت لها لتعزيز راسماله، وهو ما جعل المستثمرين يصابون بالقلق على ودائعهم فانهالوا على البنك لسحب اموالهم ، الى حد ان حوالي 25% من ودائعه جرى سحبها في يوم واحد، وهو امر يعد لاي بنك مهما كان راسماله أمرا سيئا للغاية.
ب- عملا بقاعدة الانابيب المستطرقة، انتقلت الازمة الى مؤشر S&P(وهو مؤشر لاسهم اكبر 500 شركة مالية او مصرفية امريكية)، وهو ما يعني ان الاسواق المالية بدأت تتلمس تبعات الازمة.
ويبدو أن الازمة في خلاصة الامر هي نتيجة لتحركات غير منضبطة في اسعار الاصول المالية مما سبب ازمة في النظام المالي الامريكي في ضوء ارتفاع اسعار الفائدة ، ويراهن بعض الاقتصاديين على ان الازمة قد تصل باقتصاد الولايات المتحدة والعالم الى ركود طويل الأمد، قد يصل بمؤشر الشركات ال500 الاكبر الى انخفاض يتراوح ما بين 30% (السيناريو المتفائل) و 40%( السيناريو المتشائم)، وقد تتزايد بعض المظاهر مثل المراجحة (Arbitrage) من خلال شراء الاصول وبيعها لجني فائدة الفروق في قيم هذه الاصول بين الاسواق الدولية المختلفة ، مما يزيد الامر تعقيدا.
وعلى الارجح فان الاسواق المالية العربية ستواجه بعضا من النتائج السلبية لهذه الازمة، كما ان سعر النفط قد يتأثر سلبا بمزيد من التراجع ، وقد تكون الدول العربية الاكثر التصاقا بالاقتصاد الامريكي هي العرضة للتاثر اكثر من غيرها، وقد تكون اسرائيل من بين الدول الاكثر تاثرا نظرا لوجود فرع للبنك في اسرائيل وتعتمد احدى شركات التكنولوجيا الناشئة عليه، ويبدو ان الروابط غير المعلنة بين بعض البنوك العربية والنظام المصرفي الامريكي قد تظهر قسرا في وقت لاحق بفعل تعرية الازمة لهذه العلاقات ، بخاصة ان لحاق بعض البنوك الأمريكية الاخرى (كما حدث مع بنك سيغنيتشر) يزيد الهواجس من هذه الزاوية.
2023-03-14