حينما يكون العراق نقطة التقاء لا محطة افتراق!
عادل الجبوري
استطاع العراق طيّ صفحة الفتنة الطائفية، والانتصار على الإرهاب التكفيري بعناوينه ومسمّياته المختلفة، واستطاع إفشال وإحباط المخططات والأجندات الخارجية التي أريد من ورائها إغراقه في دوامة الفوضى والعنف.
خلال الأشهر الثلاثة الماضية، استضاف العراق 3 ملتقيات عالمية-إقليمية-عربية كبرى، الأول تمثل بـ”منتدى الحضارات العريقة” الذي عقد في الـ4 والـ5 من كانون الأول/ديسمبر الماضي، بمشاركة 10 دول من مختلف قارات العالم، تعدّ مهد الحضارات الإنسانية القديمة على امتداد تاريخ البشرية.
وتمثل الملتقى الثاني بتنظيم بطولة “خليجي 25” في مدينة البصرة، للفترة من 6 حتى 19 من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، بمشاركة دول الخليج الـ 6 إلى جانب اليمن والعراق، وقد تميزت تلك البطولة عن سابقاتها بحسن التنظيم والحضور الجماهيري الحاشد من داخل العراق وخارجه، وتداخل الأبعاد والمظاهر الاجتماعية والسياسية مع الأبعاد والمظاهر الرياضية.
أما الملتقى الثالث، فقد تمثل بانعقاد مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي بدورته الـ 34 في بغداد، للفترة من 24 وحتى 27 شباط/فبراير الماضي، وشارك في هذا المؤتمر رؤساء برلمانات وممثلو 22 دولة عربية، وتولى العراق الرئاسة الدورية للاتحاد بدورته الجديدة.
ومع أن كل واحد من الملتقيات الثلاثة كانت له سمة معينة، ثقافية بالنسبة إلى “منتدى الحضارات العريقة”، ورياضية بالنسبة إلى “خليجي 25″، وسياسية بالنسبة إلى “مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي”، فإن المقدمات والظروف التي مهّدت وهيّأت الأرضيات لعقد كل واحد منها تكاد تكون واحدة.
لا شك في أنه من غير المعقول ولا المنطقي، أن تأتي إلى العراق شخصيات سياسية رفيعة المستوى، ووفود رسمية، وفرق رياضية، وحشود جماهيرية من بلدان مختلفة، لو لم تكن هناك قناعة تامة بأن الأمور على ما يرام، ولا توجد أي محاذير أو مخاطر تهدد سلامة القادمين وأمنهم، أياً كانت عناوينهم وصفاتهم ومواقعهم.
وهذه الصورة الراهنة، تبدو مختلفة تماماً عن الصورة التي كانت سائدة خلال الأعوام 2006 و2007 و2008، وربما بعض الأعوام اللاحقة لها. فيما كانت الصورة السابقة طاردة ومرعبة ومفزعة، بحكم الظروف والأوضاع الأمنية والسياسية المضطربة والمرتبكة إلى أبعد الحدود في ذلك الحين، فإن الصورة الراهنة، هي صورة جاذبة ومشرقة وتنطوي على كثير من عوامل التفاؤل وآفاق النجاح.
استطاع العراق طيّ صفحة الفتنة الطائفية، والانتصار على الإرهاب التكفيري بعناوينه ومسمّياته المختلفة، واستطاع إفشال وإحباط المخططات والأجندات الخارجية التي أريد من ورائها إغراقه في دوامة الفوضى والعنف، وبالتالي أعادته إلى الوراء مجدداً، واستطاع أن يلملم الكثير من أوراقه السياسية المبعثرة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وبات العراق، بدلاً من أن يطرق أبواب الآخرين علّها تفتح له، وقلّما كان يحصل ذلك قبل 10 أعوام أو 15عاماً، أصبح الآخرون يطرقون أبوابه المختلفة، لأن الأحداث والوقائع والتجارب أثبتت خطأ كثير من الحسابات الإقليمية والدولية السابقة، ولم يكن العراق بعيداً من مجمل متغيّرات وتفاعلات وتحوّلات المشهدين الإقليمي والدولي، إن لم يكن بشكل أو بآخر جزءاً منها.
وفي واقع الأمر، شهدت الأعوام الثلاثة الماضية بقدر أكبر تبلور ملامح ومعالم تغيّر صورة العراق، ولعلّ المنطلقات والمؤشرات الأولية، ظهرت وتجلّت في الأفق مع هزيمة تنظيم “داعش” الإرهابي في أواخر عام 2017، ذلك الحدث الذي بدا للبعض خارج نطاق التوقعات والحسابات والتقديرات والقراءات السياسية لمختلف الأوساط والمحافل الغربية والإقليمية والعربية. وشيئاً فشيئاً، راح العراق يغدو طرفاً في الحلول والمعالجات بعد أن كان-أو أريد له أن يكون-جزءاً من المشكلات والأزمات.
وأبلغ وأوضح دليل على ذلك هو دوره المحوري والمهم في تهيئة الظروف المناسبة لتقريب وجهات النظر، وتذويب ولو جزءاً من جبل الجليد بين أكبر خصمين إقليميين في المنطقة، ألا وهما الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية، بعد 4 عقود متواصلة من القطيعة والخصام والصدام. فضلاً عن ذلك، فقد كان للعراق دور فاعل في حلحلة ملفات خلافية وجدلية شائكة ومعقدة بين بعض دول المنطقة. وقد يكون دوره واضحاً في إنهاء القطيعة العربية مع سوريا، التي بدأت على خلفية الأزمة والحرب المفتعلة منذ ربيع عام 2011، في إطار أجندات ما أطلق عليه “ثورات الربيع العربي”.
وعلى مدى عدة أعوام، كانت الوفود والشخصيات السياسية العراقية، تتحرك بين دمشق وعواصم عربية وإقليمية مختلفة من أجل حلحلة وفكّ العقد الشائكة والمستعصية، انطلاقاً من حقيقة أن استمرار الحروب والصراعات، لا يعني سوى مزيد من المشكلات والأزمات والكوارث والويلات لدول المنطقة وشعوبها، والعراق من بينها إن لم يكن في مقدمتها، والتجارب الماضية، طوال 4 عقود من الزمن أو أكثر حفلت بكمّ كبير من المصاديق على ذلك.
وإذا كان الحراك السياسي والدبلوماسي العراقي في هذا الاتجاه، قد أخذ سياقاً ومستوى معيّناً بالتوازي مع حراك أطراف عربية أخرى، فإن انعقاد مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي في بغداد، مثّل فرصة جيدة، لإعطاء ذلك الحراك زخماً أكبر وأوسع وأشمل، بالاستفادة من مجمل المواقف العربية الإيجابية حيال سوريا.
فالمواقف والتوجّهات المتعاطفة مع سوريا، والتي برزت واضحة من خلال كلمات معظم المشاركين في المؤتمر، وكذلك من خلال بيانه الختامي، عززتها زيارة رئيس مجلس النواب العراقي ورئيس الاتحاد البرلماني العربي محمد الحلبوسي للعاصمة السورية دمشق، على رأس وفد ضم عدداً كبيراً من رؤساء برلمانات الدول العربية، في خطوة غير مسبوقة منذ 12 عاماً.
ولا شك في أن هناك عوامل وظروفاً ساهمت في زيادة وتيرة الحراك العربي الإيجابي نحو سوريا، لعلّ من بينها، كارثة الزلزال الذي ضرب كلاً من تركيا وسوريا في 6 شباط/فبراير الماضي، وخلّف خسائر وأضراراً مادية وبشرية هائلة، بيد أنها لم تكن العامل الوحيد والحاسم في هذا الخصوص، إذ كانت على مدى بضعة أشهر، مغاليق الأبواب الموصدة أمام دمشق تتحرك وتنزلق شيئاً فشيئاً لتفتح تلك الأبواب، ولو قليلاً وبالتدريج، وخصوصاً من قِبل بعض الأطراف التي تبنّت بكل قوة خيار إسقاط النظام السوري في بادئ الأمر، كالإمارات العربية المتحدة وتركيا والسعودية.
ولم تكن خطوة الاتحاد البرلماني العربي الأولى من نوعها على الصعيد العربي حيال دمشق، لكنها بالتأكيد كانت الأكثر وضوحاً وسعة وشمولية، والأفضل من حيث الإعداد والتوقيت، إذ إنها مثلت موقفاً عربياً موحّداً غير مسبوق.
لا يمكن في أي حال من الأحوال التغافل عن حقيقة دور العراق المحوري والأساسي في الدفع في اتجاه عودة سوريا وإعادتها وإنهاء عزلها وعزلتها عن محيطها العربي، لأن التجربة أثبتت عقم ذلك الخيار وعدم جدواه. ولم تخرج جهود العراق ومساعيه لإعادة سوريا إلى الحضن العربي، عن سياق دوره الإيجابي وسياسته الخارجية القائمة على مبدأ تطويق الأزمات أو تصفيرها، والتركيز على نقاط التوافق والتفاهم والالتقاء، والابتعاد عن محطات التقاطع ومنعطفاته والتصادم والافتراق، والتمحور حول المصالح المتبادلة والقواسم المشتركة. فلم تكن بغداد غائبة أو بعيدة عن تهيئة أجواء التقارب بين دمشق من جهة، وأبو ظبي وأنقرة والقاهرة والرياض، من جهة أخرى.
وطبيعي أن كل ذلك الحراك، وارتباطاً بظروفه والعوامل المؤثرة فيه والدافعة له، لن يتوقف أو يتجمد عند حدود المظاهر السياسية والدبلوماسية وانعكاساتها وأصدائها الإعلامية، بل على ما يبدو، هناك إرادة لتفعيله لتكون له مخرجات عملية واقعية على الأرض، وما الزيارات المتعاقبة لوزراء خارجية الإمارات والأردن ومصر لدمشق إلا مؤشرات واضحة على ذلك، تعززها التسريبات التي تقول إنه من المزمع أن يزور وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، دمشق في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، علماً أنه كان قد صرّح في كلمة له في مؤتمر ميونيخ للأمن بأن، “إجماعاً بدأ يتشكل في العالم العربي على أن لا جدوى من عزل سوريا، وأن الحوار مع دمشق مطلوب في وقت ما حتى تتسنى على الأقل معالجة المسائل الإنسانية، بما في ذلك عودة اللاجئين”.
ومثلما كان العراق طرفاً رئيسياً وفاعلاً في إيجاد ذلك الحراك، فإنه يفترض أن يبقى كذلك لإدامته ومواصلة تحقيق النتائج والمخرجات الإيجابية، وبما ينسجم ويتوافق مع مسارات سياساته الخارجية وأولوياته القائمة على الانفتاح والحوار وتطويق المشكلات والأزمات، وبما يعكس ظروف الاستقرار السياسي والأمني، وحضوره الإيجابي.
وربما لا يختلف اثنان اليوم على أن العراق يعدّ الطرف العربي والإقليمي الأكثر فاعلية وقدرة على الاضطلاع بالأدوار والمهام الإيجابية، سواء تعلق الأمر بسوريا، أو غيرها من دول المنطقة. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن العراق، للمرة الأولى خلال تاريخه الحديث والمعاصر، ليس له أي خصومات عميقة وكبيرة مع جيرانه وعموم محيطه العربي والإقليمي، وحتى القضايا والملفات الإشكالية المتعلقة بالحدود والمياه وجماعات المعارضة وغيرها، لم تؤثر كثيراً في المسارات العامة للعلاقات بمنحاها الإيجابي العام، كما هي الحال مع تركيا وإيران.
والنقطة الأخرى المهمة التي يجب الالتفات إليها، تتمثل في أن علاقات بغداد الإقليمية والدولية، التي كانت تتمحور في الماضي حول المشكلات والأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، باتت اليوم تتمحور حول تعزيز الشراكات الاستراتيجية، وتكريس المصالح المتبادلة، والبحث في السبل والآليات الناجعة لتقليل المخاطر والتهديدات القائمة والمحتملة.
ولأسباب وعوامل جغرافية وتاريخية وأمنية وسياسية، يمثل استقرار سوريا وازدهارها وأمنها الشيء الكثير والكبير للعراق، والعكس صحيح. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تكون بغداد بوابة دمشق الرئيسية للعودة إلى الحاضنة العربية، تلك العودة التي لا بد منها لتصفير أزمات كبرى، إذ إن بقاءها واستمرارها يعني الانزلاق والانسياق إلى مزيد من الفوضى والتخبّط والخراب والدمار.
2023-03-08