بلد بلا جواسيس!
ابو زيزوم
أولع منذ الصغر بعالم الجاسوسية، يقرأ القصص ويشاهد الافلام ويستهويه ذلك الحقل المليء بالاسرار والاثارة. الابداع والخوف المستمر والمطاردات والنهايات السوداء في أغلب القصص. وكم توقف عند قصص طويلة استهلكت اموالاً وجهوداً مضنية ولم تستطع في النهاية ان تخرج من الهامش .. كذلك الشاب الفقير الذي اصبح من الاغنياء لمجرد ان أخاه ضابط في موقع حساس. استقطبته جهة خارجية وظلت تنفق عليه عشرين عاماً دون ان تحصل منه على شيء ذي قيمة، كل ما استطاع تقديمه لهم مواعيد اجازات أخيه وعنوان وحدته وبعض الصور. ورجل عُرضت عليه خزائن الارض مقابل ان يقنع صديقاً له ذا سلطة بالتعاون معهم فلم يجرؤ على ذلك، كلما هيأ نفسه لنطق الكلمة الرهيبة وفتح فمه خانه صوته وخذلته الشجاعة واغلق فمه دون ان يتفوه بشيء.
ككل هاوٍ مثابر تطورت هوايته الى امنية وراح يحلم بخوض هذا العالم المسكون بالمغامرات. ولقد ظنها امنية مستحيلة حتى واتته الفرصة ليجد نفسه أخيراً موظفاً على الطابعة في رئاسة الوزراء، وبدأت أعلى القرارات وأشدها (سرية) تخرج من بين يديه فلم يصدق ذلك! أهكذا يستطيع شخص مثله ان يطّلع على عورات الحكومات من غير زاجر او رقيب؟ تلقى في البداية توجيهات بوجوب التكتم على المعلومات والشعور بالمسؤولية وحب الوطن. فشعر وهو يصغي للتوجيهات انها آية على دخوله فعلاً حلبة الحقل السحري الذي هواه منذ الصغر وظل يحلم به ردحاً من الزمن. أدرك الان انه ما عاد يتخيل فالتخيلات أضحت حقيقة واقعة. لذلك خرج في اليوم الاول من عمله الجديد وهو يتلفت مخافة ان يكون مرصوداً او متابعاً. وامتنع عن ارتياد المقهى الذي اعتاد ان يسهر فيه. بل انه لم يبرح المنزل حذراً من الاغتيال او الخطف. وصار يخرج متسللاً ويعود مستنفراً كأنه لص. اذا التقت عينه بعين شخص آخر في باص او سوق راح يبحث لها عن تفسيرات عميقة وأدخلها مختبرات ذهنه المستوحاة من قصص الجاسوسية. واذا مدت له شحاذة يدها تحفّز على الفور وأخذ يتفرسها كما يتفرس الحصيف جحور الثعابين. وابتعد خلال العمل عن اي حركة تثير الارتياب، كان لا يكتفي بفرم الاوراق التالفة بواسطة الجهاز وانما يحرقها بعد ذلك. ويقضي دقائق الفراغ بتمشيط السقف والجدران بحثاً عن الكامرات التي لا بد انها تراقبه عن كثب. ولأنه لم يعثر على كامرات يتسع في رأسه القلق لأن الرقابة كما يبدو أعقد وأخفى. حتى العلاقات العاطفية باتت محرمة عليه، ما ان تسنح له فتاة مغرية يقفز الى باله انها مكلفة من قبل الامريكان او الاسرائيليين للسطو على كنز المعلومات المودع في دماغه.
كان الوحيد الذي يقضي ساعات العمل في حالة انذار قصوى، والناس من حوله يهذرون ويغنون ويتناقرون وعقله عاجز عن استيعاب ذلك حتى اعتقد في لحظة ذهول ان كل هذا الاستهتار المجلجل ما هو الا عملية اختبار للتأكد من أمانته، فيزداد تفانيا.
ولا بد ان يأتي اليوم الذي يشعر فيه بالامان فيتجاسر على أطراف المحرمات. صوّر ، وقلبه يدق بعنف، ورقة وهو يسحبها على الطابعة. صوّرها بهاتفه وشخَصَ واجماً كما لو انه فرغ من ممارسة جنسية غير مشروعة. ليس في الورقة شيء مهم، انها طلب اجازة موجه الى مدير القسم من احد الفراشين. كان يستطلع لا اكثر. ثم تكررت الحالات حتى وثق بأنه قادر على أخذ ما يشاء من الوثائق دون وجل. عندها سال لعابه لو ان جهة ما تحتاج خدماته فيقايض طلباتها بقناطير الذهب.
عرف من القصص والافلام القديمة ان مخابرات الدول تتسلل الى قصور الحكام عبر الخدم والسواق وصغار الموظفين الذين لا ينتبه لهم احد فيضعون سمّاً في كأس او عبوةً تحت كرسي او جهاز تسجيل داخل مزهرية. فما بالهم غافلين عنه وهو القائم على اعمق الاسرار وأخطرها!. انتظر بما فيه الكفاية ثم ضاق ذرعاً بهذا الاهمال من لدن المخابرات الامريكية او الاسرائيلية او الصينية، فدفعه السأم الى المبادرة بالتحرش، مثل فتاة انتظرت المفاتحة من رجل مرموق وكانت في البداية تتهرب عن طريقه حياءً وترعبها فكرة ان يلاحقها ويكلمها، فلما طال انتظارها بدأت تقترب منه، وحين وجدته معرضاً عنها تحول الامر في نفسها الى نوع من التحدي فراودتها احساسات جديدة بأن تبادر هي وتفاتحه. هكذا وجد صاحبنا حيفاً مهيناً بأن تزهد كل دول العالم بالنفائس التي يحوزها. هكذا ما عاد يحاذر وعاود سهراته في المقاهي وعلاقاته الواسعة مع الناس، ولم يثمر كل ذلك شيئاً.
ونتيجة للتحدي المضطرم بين أضلاعه أصبح جاهزاً لتقديم خدماته بالمجان لأول طارق يطرق بابه، فقط ليثبت لنفسه أنه ليس بالتفاهة التي يتصورها كلما عز عليه الخُطاب مثل فتاة بلغت الثلاثين ولم يغازلها أحد، فأضحت تؤكد بدل ان تنفي وجود علاقة لها برجل او رجال.
وفي النهاية سعى بقدميه الى بعض السفارات عارضاً خدماته الجلى، ولدهشته قالوا انهم لا يحتاجونها. هكذا رفضوها بقسوة ولم يؤمّلوه ولو من باب المجاملة بمخاطبة مراجعهم. فتذلل أكثر وقال انه لا يطلب ثمناً لبضاعته. ولم يكن أعد جوابًا لو سألوه عن دوافع استعداده المجاني، غير انهم لم يسألوه واعتذروا عن قبول مروءته.
شعر بالدوار مثل الذي يطيش سهمه الاخير. قام متعثر الخطا فاستوقفوه ليحقنوا في رأسه كلمة أخيرة:
هل تعتقد أن في دولتك أسراراً لا يعرفها الآخرون؟!!.
( ابو زيزوم _ 1409 )
2023-02-27