هذا مافعله ملك بلجيكا “ليوبولد الثاني” بأبناء الكونغو.
كانت الكونغو تُعرف باسم “مملكة الكونغو”، يعمل معظم سكانها صيادين ومزارعين، اضافة الى الاعمال التجارية، وأرضها تزخر بالموارد الهامّة اقتصادياً، التي يمكن أن توفر للبلاد إيرادات هائلة وبتكلفة منخفضة. ومساحة مستعمرة “دولة الكونغو الحرة” تضاهي مساحة بلجيكا 76 مرة.
وفي عهد الملك ليوبولد الثاني احتلت بلجيكا الكونغو. كانت الكونغو حصة بلجيكا من الكعكة الافريقية، كما وصفوا القسمة الاستعمارية تلك، فقد منح مؤتمر القوى الاستعمارية المنعقد في برلين بين عامي 1884- 1885منح بلجيكا حق استعمار الكونغو لتعمل بها ماتشاء. فاطلقت السلطات البلجيكية عليها بعد الغزو اسم “دولة الكونغو الحرة” .. اية سخرية هذه.
انعقد مؤتمر تقسيم بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية هذا لنهب واستنزاف ثروات الشعوب، بتهور وجنون عبر مصادرة حرية الناس وإراقة دمائهم بلا حساب.
كان الراسمال الاستعماري وحشياً، يعجز الوصف عن وحشيته، ولم يكن هنالك ارخص من دماء سكان البلدان التي يغزوها المستعمرون، كانت الوحشية هذه وسيلتهم القذرة في الحصول على ثروات طائلة بلا مقابل، بل مجاناً كما يعتقدون.
ما الذي حصل في الكونغو؟
لم تتردد بلجيكا في استغلال ثروات الكونغو من العاج والمطاط والذي كان يرسل إلى مصانع السيارات الأوروبية. ثم ومن أجل توفير يد عاملة كافية “لاستخراج المطاط من الاشجار”، عمدت السلطات البلجيكية إلى استعباد شعب الكونغو.
فقد إنشأت بلجيكا لهذا الغرض فرقاً مسلحة من المرتزقة ، يقودها ضباط وقادة بلجيكيون. مارسوا القتل والترهيب لإجبار السكان على العمل في استخراج المطاط.
ولتنظيم النهب؛ وفي خطوة أولى من المخطط الاستعماري، فرضت بلجيكا ضريبة على الملكيات والاعمال، وحين عجز السكان عن دفع الضريبة صادرت أراضيهم بالقوة، فوجدوا انفسهم يعملون لدى ملك بلجيكا، وحين استمر عجزهم عن الدفع لقوانين ليوبولد وجدوا انفسهم عبيداً عند ملك بلجيكا ليوبولد.
((للمناسبة:- في العراق وفي خطوة استعمارية مشابهة للبدء بتنظيم النهب أيضاً، فرضت بريطانيا عام 1919 كخطوة أولى ضريبة على الأعمال الزراعية والتجارية بعد استباب الامر لها في العراق. فأصاب الناس العوز وشعروا بالظلم – وقد نشرت جريدة الاستقلال بياناً يستجير فيه الناس من الضريبة، في عددها الصادر قبل انطلاق ثورة العشرين باشهر قلائل- فلم ينتظر اعراقيون طويلاً، فانتفضوا وكان رفض الضريبة تلك اهم اسباب ثورة العشرين التي دفعت البريطانيين إلى التراجع، فيما بعد، عن سياستهم التي لو قُدّر لها ومرت لسارت اوضاع العراق الى ماهو اسوأ حتماً. لكن احرار العراق افشلوا تلك المخططات الاستعمارية القذرة)).
في الكونغو طفقت وحشية الملك تستعر؛ فقد اترط تحديداً لكمية المطاط المنتج لكل فرد، وحينما يفشل المواطن الكونغولي في تحقيق المطلوب منه، فهو يعرّض نفسه وعائلته لعقوبات قاسية.
بدأت العقوبات بالجلد والحرمان من الطعام، ومع مرور الوقت اصبحت العقوبة أشد وحشية حيث اخذ البلجيكيون يقومون ببتر يد من يفشل بجلب المطلوب منه من المطاط. وازداد سعار الملك، فصارت فرق المرتزقة تعاقب السكان بحرق المنازل وتدمير القرى بالكامل. ثم صار جمع العوائل نموذجا مبتكرا لاجبار الناس على الكدح دونما مقابل، فصار الاطفال عرضة لانزال العقوبة بهم اذا عجز آبائهم عن جلب الكمية المطلوبة من المطاط. فكان الملك يأمر بقطع يد الطفل او قطع قدمه حينما يفشل والده. إضافة الى أن السلطات البلجيكية لم تتردد في إعدام الملايين من الكونغوليين غير القادرين على العمل، خاصة الشيوخ والأطفال،او قطع ايديهم. ناهيكم عن الاغتصاب وقطع الرؤوس. ولم يتورع المحتلون عن قتل قرى بكاملها.
وخلال 23 سنة من الاستعمار الدموي ما بين 1885و 1908 قتلت السلطات البلجيكية نتيجة هذه السياسة 13 مليون كونغولي، ثلث سكان البلاد. وبقيت الكونغو تحت نير الاستعمار 8 عقود حتى نيل استقلالها عام 1960 بالنضال التحرري الوطني الذي كان من بين اعلامه وقادته الوطنيين الأحرار المناضل (باتريس لومومبا) الذي قتلوه غدراً.
ومن المفيد التذكير؛ أن أول من عرض الناس في أقفاص في حدائق الحيوان، بوصفهم حيوانات للفرجة، هو ملك بلجيكا المتوحش “ليوبولد الثاني”.
وفي النتيجة وبسبب ظاهرة قطع الأيدي الواسعة تلك، لقّبت الصحف العالمية الكونغو بأرض الأيدي المقطوعة.
لنترحم على شهداء ثورة العشرين الذين غمسوا حريتنا بدمائهم الزكية، وانقذوا مستقبلنا ومستقبل اطفالنا من همجية المستعمر وافشلوا مخططاته.. المجد لهم والفخار كله.
عاش ثوار العراق، ثوار ثورة العشرين.. المجد للاحرار العراقيين..