رغبة العدو الإسرائيلي في توجية ضربة موجعة لايران!
رنا علوان
لعل الاحداث الروسية_الاوكرانية أرجأت الضربة التي كان العدو الإسرائيلي يُحضر لها منذ عقود والموّجهة نحو الجمهورية الايرانية بهدف الحد من طموحاتها النووية ، وقد أصبحت هذه المساعي (أكثر جدية) في الآونة الأخيرة إزاء فشل العديد من المفاوضات حول برنامجها النووي ، وفق ما قدّره محللو السياسة الأميركية
كما ويعتقد البعض أن الحديث المتداول داخل كيان العدو الإسرائيلي حاليًا عن الاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران ستكون بمثابة (تحدي كبير) لها ، [ إذا ما لم تحصل على مساعدة خارجية ، ودخولها في تحالفات أمنية للمساندة في أي حملة هجومية كانت أم دفاعية] ، وهذا ما شهدناه في المناورات الاخيرة للعدو التي شاركت فيها أميركا
كطرف مُساند خصوصاً بعدما استؤنفت المفاوضات سابقًا وبائت بالفشل ، مما دفع اميركا الى المضيّ بهذا الإقتراح [بشكل أكثر جدية منذ أي وقت مضى]
ويؤكد المسؤولون (الإسرائيليون) ، في تصريحاتهم ، أنهم على استعداد لاستخدام أي وسائل متاحة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي ، ولعل ما جرى الاسبوع الفائت ( حادثة المُّسيّرة ) فتحت الباب أمام تساؤلات كثيرة بشأن مدى جاهزية إسرائيل بالفعل لمثل هذا التحرُك
وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ، بينيت نفتالي ، قد طلب في مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية الأميركي ، أنتوني بلينكن طلب منه التوقف عن المحادثات التي لا تأتِ أُكلها ، مُعتبرا أن الجمهورية الايرانية ، تُمارس (ابتزازا نوويًا) وأن الرد المناسب [يجب ان يكون بوقف أي مُفاوضات واتخاذ خطوات صارمة من قبل الدول الكبرى]
وقال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق ، ألون شوستر، [لقد استخدمنا القوة ضد أعدائنا في الماضي ، ونحن مقتنعون أنه في الحالات القصوى ، هناك حاجة للعمل باستخدام الوسائل العسكرية]
وتابع (نأمل أن يتم تعبئة العالم كله لهذه المهمة ، لذلك ، خصصنا مبلغا كبيرا لزيادة استعدادنا)
ويشير تقرير لموقع ” تايمز أوف إسرائيل ” إلى أنه قبل نحو أكثر من عامين ، أعلن قائد الجيش فيف كوخافي البدء في إعداد خطط جديدة لضربة ضد برنامج إيران النووي
ومنذ ذلك الحين ، بدأ الجيش في إعداد القوات الجوية والاستخبارات العسكرية لمثل هذه العملية ، وكثّف التدريبات وركز موارد هائلة على جمع المعلومات الاستخبارية ، وتم ضخ مليارات شيكل إضافية في ميزانية الدفاع خصيصا للتحضير لشن ضربات ضد المنشآت النووية الإيرانية ، وأجرى الجيش أيضا تدريبات على كيفية التعامل مع حرب متعددة الجبهات ، قد تأتي بعد الهجوم على إيران
كما ويعمل جيش العدو على تحسين دفاعاته الجوية ، لاسيما في شمال الكيان الإسرائيلي ، في محاولة لمنع أسوأ الأضرار الناجمة عن قصف الصواريخ وغارات الطائرات بدون طيار في أي مواجهة مستقبلية.
لكن رغم ذلك “لا يزال الجيش الإسرائيلي على بعد أشهر على الأقل من الاستعداد الكامل لشن مثل هذه الضربة، لكن يمكن تنفيذ عملية محدودة في وقت قريب ” ، وفق التقرير
وفي سياقه ايضاً يقول إن أي عملية ضد إيران ستكون “أكثر تعقيدا وصعوبة من( أي عملية أخرى قام بها جيش الدفاع للعدو الإسرائيلي ، بما في ذلك عملية استهداف المفاعل النووي العراقي عام 1981)، التي نفذت من خلال ضربة واحدة استهدفت عنصرا محددا.
لكن في حالة إيران “فليس لديها منشأة نووية واحدة يمكن لمجموعة واحدة من الطائرات أن تدمرها بضربة واحدة، ولكن العديد منها منتشر في جميع أنحاء البلاد، الأمر الذي يتطلب بالتالي مستويات غير عادية من التنسيق لضمان قصف جميع المواقع في نفس الوقت”
ومما يزيد الأمر صعوبة أن العديد من المنشآت تقع في أعماق تحت الأرض، مما يجعلها غير قابلة للاختراق من قبل الهجمات الجوية ، ولا سيما في مفاعل فوردو ، حيث بدأت إيران مؤخرا في تخصيب اليورانيوم بأجهزة طرد مركزي متطورة
وتمتلك الولايات المتحدة الذخائر الهائلة للتحصينات اللازمة لضرب مثل هذه المنشآت ، وأهمها الذخائر الضخمة GBU-57 التي يبلغ وزن الواحدة منها 13600 كيلوغرام ، لكن واشنطن رفضت حتى الآن تزويد العدو الإسرائيلي بها ، كما لا تمتلك القوات الجوية للعدو الإسرائيلي طائرة قادرة على حملها
وكان الدبلوماسي الأميركي السابق ، دينيس روس ، قد دعا في مقال الإدارة الأميركية إلى تزويد إسرائيل بها في حال فشل المفاوضات ، وقال “سيحتاج البيت الأبيض إلى التوصل إلى تفاهم قوي مع العدو الإسرائيلي حول دوافع استخدام القنبلة ، لكن الاستعداد لتزويد العدو الإسرائيلي بمثل هذا السلاح المخيف وتأجير القاذفة “بي-2″ (التي يمكنها حملها) سوف يكون بمثابة رسالة قوية”
فلو حدث صراع مباشر أو أي إشارات على قرب حدوث مواجهة مباشرة ، سوف تُقدّم واشنطن المساعدة العسكرية اللازمة ، مثل الدعم الجوي والاستخباراتي”
في المُقابل إيران طوّرت قدراتها
كما يُشير تقرير “تايمز أوف إسرائيل” إلى تحد آخر هو أن إيران استثمرت أيضا بكثافة في تطوير دفاعاتها الجوية ، سواء من خلال شراء أنظمة روسية متقدمة أو تطوير قُدراتها المحلية
ناهيك عن ان ( أنظمة إيران الصاروخية وطائراتها من دون طيار تقدمت بشكل كبير) “ولدى إسرائيل مخاوف بشأن مدى قدرة نظام “القبة الحديدية” في صد اي هجوم إيراني ، ومدى قدرتها على التعامل مع هجمات تتعدى الهجمات الإلكترونية ايضًا
وتحدث تقرير “تايمز أوف إسرائيل” عن حتمية استخدام إيران لوكلائها في لبنان واليمن في مثل هذه المواجهة ، وبذلك “لا يمكن لإسرائيل مهاجمة إيران إذا كانت مشغولة بصد الهجمات الصاروخية من حزب الله من لبنان ، كما لا تستطيع السعودية مهاجمة إيران إذا كانت تواجه الحوثيين في اليمن” ، وعليه يتوّجب على العدو الاسرائيلي إضافة حليف عربي آخر ، في صفها بحال اقدمت على ذلك
ونوّه التقرير الى ان مثل هذه العميلة ستوّصل قدرات العدو الإسرائيلي العسكرية إلى “أبعد مدى”، لكن “ستكون أراضيها بالكامل وسكانها وبنيتها التحتية الوطنية معرضة لضربة انتقامية حتمية من إيران ، بما في ذلك ما يصل إلى أكثر من 150 ألف قذيفة فتاكة في أيدي حزب الله”
لكن “هذا لا يعني أن العدو الإسرائيلي سيتراجع ولن يشن هجومًا ضد إيران أبدا خوفا من هجوم حلفائها ، ولكن أي قرار للقيام بذلك يجب أن يُقاس ، ليس فقط بقدرة جيش العدو وقدرته على تنفيذ العملية ، ولكن باحتمالات ما سيحدث بعدها”
وما تتخوف منه أميركا في هذه المواجهة الكاملة مع إيران بأنها ستؤدي إلى “إلحاق أضرار واسعة بالولايات المتحدة” لا محال
لذلك نجد ان الولايات المتحدة لم تكن تُريد اندلاع أي صراع مباشر بين العدو الإسرائيلي وإيران في المنطقة بينما تحاول التركيز على المنافسة مع الصين”
كما انها تعتقد بأن اي مواجهة لن تؤدي إلى “انتصار حاسم للعدو الإسرائيلي ، وستكون النتيجة متقاربة” ، مما يؤكد حاجة العدو الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي ، والشركاء الإقليميين
ووفقًا لما ذكره رئيس الموساد يوسي كوهين ، [ طالما ظل النظام الحالي قائمًا، مع الاتفاق النووي أو بدونه ، فإن إيران ستظل تشكل التهديد الرئيسي لأمن إسرائيل ]
ويشتبه العدو الإسرائيلي في أن طهران تسعى إلى تحقيق هدف إقامة جسر بري مستمر من إيران (عبر العراق وسوريا) إلى لبنان ، وإذا نجحت طهران فإنها ستكون مغيرًا استراتيجيًا للعبة وفي الحرب الأهلية السورية ، وأملًا في تعزيز قدراتها اللوجستية وقدراتها المتوقعة في المنطقة ، كما تهدف طهران إلى تطهير الطريق من العاصمة الإيرانية إلى دمشق وساحل البحر المتوسط
وفي حال بدأ العدو الاسرائيلي فالردود الإيرانية ، ليست بالضرورة ستكون عبارة عن خيارات تصطف وراء بعضها البعض ، ولا نظرية متكاملة ، لكنها قد تتصاعد في حال تدهور الازمة لدرجة عدم القدرة على إيقافها
فعلى سبيل الميثال ، يمكن أن يكون الردّ الإيراني الأوّل محدوداً ، ولكن سينتج عنه ردٌّ إسرائيليٌ قويٌ ، وفي أعقابه تصعيدٌ لردٍّ إيرانيٍ أكثر قساوة
رد (العين بالعين) هذه تُعرف بالإستراتيجية التفاعلية الكلاسيكية لأنّها تقلّد إستراتيجية المهاجم ، فردّ إيران على الهجومٍ ضدّ المنشآت النووية للدولة سيكون هجوماً على المنشآت النووية للعدو الإسرائيلي ، وفي هذا السيناريو ، سيتمّ إطلاق عددٍ كبيرٍ من الصواريخ من إيران ولبنان باتجاه ديمونا أو أيّ هدفٍ آخر في إسرائيل يُعتبر “ذا صلة بالنووي”، وذلك لإيصال رسالة من التكافؤ بين إيران والعدو الإسرائيلي ، وربّما أيضاً لإحداث أضرار بمنشآت العدو ، كما هناك احتمالٌ كبيرٌ أن يتمّ اختيار أسلوب العمل هذا ، بشكلٍ مُستقلٍّ أو كجزءٍ ضمن ردٍّ إيرانيٍ أوسع
رد (التصعيد الإقليمي) هنا ستردّ إيران على هجومٍ غربيٍ بكلّ قوّة وضدّ كلّ أعدائها- الولايات المتّحدة ودول الخليج وإسرائيل ، وفي هكذا سيناريو ، قد تهاجم إيران أهدافاً أمريكيةً وإسرائيليةً في الخليج بكلّ قدراتها “المحدودة”، بما فيها التهديد بإغلاق مضيق هرمز بشكلٍ فعلي ، ومع ذلك ، فإنّ التقدير بأنّ هجوماً على المنشآت النووية العسكرية الإيرانية سيؤدّي بالضرورة إلى حربٍ إقليميةٍ مطوّلةٍ وعلى نطاقٍ واسع هو محلّ تساؤلٍ كبير ، إنّ سيناريو التصعيد الإقليمي يتطلّب تدخّل الولايات المتّحدة وسيغيّر بشكلٍ كبيرٍ ميزان القوّة الإقليمي
ولذلك ، ستختار طهران هكذا ردّ فقط في حال لم تخشَ من أن تؤدّي هكذا خطوة إلى إحداث ضررٍ كبيرٍ إضافيٍ لممتلكات النظام ، أو كخطوةٍ أخيرةٍ في مسعىً لإحراق المنطقة برمّتها وذلك بهدف الضغط لاستجرار تدخّل دولي “وبشكلٍ واضحٍ بقيادة روسيا” للوصول إلى وقفٍ لإطلاق النار بأسرع ما يمكن، وقبل أن يخسر النظام حصّةً كبيرةً من مقدراته
وبما أنّ هذه ستكون مقامرةً كبيرة ، فإنّ التقدير هو أنّ إيران ستسعى إلى تجنّب هكذا ردّ ، ولهذا السبب فإنّ هذا السيناريو عند بداية الأزمة له احتمالٌ ضئيل جداً
أخيرًا ، الردّ الأكثر تطرّفاً ضدّ أهداف إسرائيلية ، فبصرف النظر عمّا تمّ الإشارة إليه حتى الآن ، يحتمل أن تسعى إيران إلى ردٍّ عنيفٍ ومتطرّفٍ وذلك ردّاً على مهاجمة برنامجها النووي العسكري واعتبارها القومي ، وذلك من خلال محاولتها عزل العدو الإسرائيلي عن الولايات المتّحدة
وقد تُطلق إيران عشرات الصواريخ يومياً باتجاه المدن الإسرائيلية ضمن عددٍ من الهجمات يومياً ،( الهدف الإستراتيجي سيكون معاقبة العدو الإسرائيلي بسبب الهجوم) ، وشلّ الحياة في الكيان ، كما يجب أن يكون بمثابة أكبر ثمن يمكن جبايته من العدو الإسرائيلي ، وأن يؤثّر الهجوم نفسياً على السكان الإسرائيليين
وقد تسعى إيران إلى تحقيق أقسى تأثير ردعي في ما يخصّ الصراع المستقبلي ، ويحتمل بأنّ النظام في طهران يفترض بأنّ هكذا ردّ سيؤدّي إلى ردٍّ إسرائيليٍ كبيرٍ وقد يؤدّي إلى تصعيدٍ في الصراع بين البلدين- ما قد يسمح في المقابل بتنفيذ هجومٍ آخر ضدّ البنية التحتية النووية وهجومٍ واسعٍ وشاملٍ على الممتلكات الاقتصادية والحكومية الإيرانية
هكذا تصعيد قد يخرج عن السيطرة ويشجّع على التدخّل العسكري الأمريكي ، والذي قد يؤدّي بدوره إلى تهديد استمرارية بقاء النظام ، وبحسب هذه المعطيات ، يبدو أنّ النظام الإيراني سيُحجِم عن هكذا ردّ ضدّ العدو الإسرائيلي طالما أنّ الهجمات الغربية تركّز على البرنامج النووي
وفي حال شعر النظام الإيراني بأنّ الهجوم يعكس جهداً لتهديد بقائه أو أنّ العدو الإسرائيلي والولايات المتّحدة ليستا راغبتين بالردّ بقوّة ، فحينها يصبح من الصحيح الاعتقاد بأنّ لدى إيران القليل لتخسره من تصعيدٍ محتمل
هذا السيناريو ، في تصوّرٍ متطرّف ، قد يتضمّن أيضاً استخداماً إيرانياً لأسلحة غير تقليدية ، ومع ذلك ، فإنّ القيود العملانية لأسلحة إيرانية إلى جانب طموحات طهران بمنع ردٍّ إسرائيليٍ كبيرٍ وتدخّلٍ أمريكي ، قد تصبح بمثابة عوامل ردع في ما يخصّ استخدام هذا النوع من الأسلحة
ووفقاً لذلك ، يبدو أنّ هناك احتمالاً محدوداً بأن طهران قد تستخدم أسلحة غير تقليدية عند بداية أيّ أزمة مستقبلية تنتج عن مهاجمة إيران ، أو في سيناريو صراع مع إسرائيل والذي لا يتطوّر إلى صراعٍ شاملٍ والذي يهدّد بقاء النظام بشكلٍ واضح
ما يتخوف منه العدو الاسرائيلي هو أن إيران المسلحة نوويا أو حتى مع وصولها للعتبة النووية سيجعلها قادرة على التصرف مع قدر أكبر من الإفلات من العقاب في المنطقة ، بما في ذلك تسليح وكلائها وترسيخ نفسها بشكل أعمق في سوريا ولبنان واليمن والعراق
لكن المسؤولين الإسرائيليين يرفضون وضع شرط محدد لشن هجوم ، ويرجع ذلك جزئيا إلى حقيقة أن الاعتبارات لا تكمن فقط في قدرات إيران ، بل في التوازن بين التهديدات التي تواجه إسرائيل وقدرتها على مواجهتها
وحسب المعلومات المتداولة فان ايران بدأت بتخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 90% – الذي تعتبر بشكل عام درجة “صنف أسلحة” وهذا ما لن يسكت عليه العدو الاسرائيلي
ختاماً ، لا يمكن لنا ان نتجاهل سوالاً بديهياً يحضر على اذهاننا بقوة وهو ان واشنطن الغارقة في حربين كونيتين ، الأولى مع روسيا ، ويتوقف عليها مصير “النظام العالمي” و”القيادة الأميركية”
والثانية مع الصين ، وتدور رحاها في مضيق تايوان وفوق المحيطين وعلى شواطئ اليابان وجزرها ، ويتوقف عليها كذلك ، مصير “النظام العالمي” و”الزعامة الأميركية” ، فهل ستكون الولايات المتحدة قادرة على خوض غمار حرب ثالثة ، وهي التي بالكاد تنجح في جرجرة أذيال الخيبة في حربين متتاليتين ، (أفغانستان 2001، والعراق 2003 ) وبقية القصة معروفة؟
2023-02-06