إيران وما تعانيه من خرق!
رنا علوان
تعود ظاهرة التجسس في تاريخها الى العصور القديمة ، فهي بالتأكيد ليست وليدة الحاضر ، حيث تَرافق التجسس مع تطوّر الحياة وكانت ادواته في البداية الحمام الزاجل ، ليصبح اليوم اهم ادواته مُعتمدة على التكنولوجيا الحديثة
الهدف منه هو الحصول على معلومات سرية غير متاحة للجميع بشأن أمر ما ، إما أن يكون أمرًا عسكريًا ، أو سياسيًا ، أو تجاريًا ، وهو فعل غير قانوني ، لذلك تم وضع عقوبات في القانون لمحاسبة هؤلاء المجرمين ، وعادة ما يكون التجسس باستخدام مصادر بشرية ، وهي دخول الجاسوس بين أشخاص والتجسس عليهم ، او القيام بتجنيد اشخاص بهذا الغرض لصالح دول معادية لدولتهم الأم ، ويكون ذلك باستخدام وسائل تقنية حديثة ، ومن أشهر أعمال التجسس هي اختراق أنظمة الحاسوب ، وهي الطريقة الأكثر استخداماً في وقتنا الحالي بسبب التطور التكنولوجي
شهدت الفترة الاخيرة خروقات امنية تجسسية كبيرة لعديد من الدول ، وفي مقدمتهم ايران ، فما تعانيه هذه الدولة خلال الخمس سنوات الماضية على الاقل مثير للدهشة ، بيد ان هؤلاء الاشخاص الذين يعملون كخليات لا يُستهان بهم ، ما دفع بإيران الى الضرب بيد من حديد لإستدراك الأمر ومنع تفشيه اكثر ، فيكون حكم الإعدام مصير كل خائن
كما نجد انه خلال العام الماضي عمل العدو الإسرائيلي على تكثيف نطاق هجماته داخل إيران ، بما في ذلك المواقع النووية والعسكرية التي كانت منظمة طائب مسؤولة عن حمايتها
وقال أحد المسؤولين الإسرائيليين إن جزءا من الاستراتيجية الصهيونية ينطوي على كشف إخفاقات الحرس الثوري في حربه السرية مع العدو الإسرائيلي على أمل أن تؤدي إلى نشوب صراع بين القادة السياسيين ومؤسسة الدفاع والاستخبارات
وبتناولنا لخبر تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق [ علي رضا أكبري المعاون السابق لوزير الدفاع ] ، على خلفية إدانته بالتجسس لصالح بريطانيا التي يحمل جنسيتها
كشفت وزارة الأمن الإيرانية في بيان لها ، أن المدان الذي كان قد شغل مناصب رفيعة وتغلغل في مراكز إستراتيجية حساسة وقع في شراكها من خلال عملية رصد استخباري طويلة ومعقّدة ، مؤكدةً أنه دأب على تسريب معلومات حساسة إلى الاستخبارات البريطانية
كما أوضح البيان ، أن أكبري وقع في شراك الأمن البريطاني جراء ارتباطه بالسفارة البريطانية للحصول على تأشيرة دخول مما مهد إلى توظيفه بالكامل خلال زياراته التي قام بها إلى دول أوروبية ، مُضيفًا أن ضباطًا رفيعي المُستوى أشرفوا على انتزاع المعلومات من أكبري خلال الفترة الماضية
وعلى صعيد مُتّصِل ، أوضح المركز الإعلامي التابع للسلطة القضائية الإيرانية أن أكبري تمت إدانته بالفعل في (جريمة الإفساد في الأرض وتحركات واسعة ضد الأمن القومي) عبر تسريبه معلومات حساسة عن عِلم وإدراك وفي مرات عديدة للخارج
ويُعتبر أكبري الذي اُعتقِل عام 2019 من الشخصيات المقربة من علي شمخاني الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ، وقد شغل منصب نائبه بين عامي 1997 و 2005 عندما كان وزيرًا للدفاع إبان حقبة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي
من جانبها ، عددت وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري المناصب التي تقلدها أكبري خلال العقود الماضية
وفق التالي
مُساعد وزارة الدفاع لشؤون العلاقات الخارجية
مُستشار قائد القوة البحرية للجيش الإيراني
ومُساعد الشؤون الدفاعية والأمنية في معهد الأبحاث الإستراتيجية التابع لوزارة الدفاع
ومُساعد رئيس المنظمة العسكرية التي أشرفت على تنفيذ القرار 598 الأممي الذي أنهى الحرب العراقية الإيرانية (1980 /1988)
ونقلت الوكالة عن مصادرها ، أن أكبري كان قد نقل معلومات عن المفاوضات النووية والشخصيات المؤثرة في الجمهورية الإسلامية بما فيهم رئيس البرنامج العسكري السري في البلاد ( مُحسن فخري زاده ) الذي اغتيل عام 2020 بمنطقة دماوند شرق العاصمة طهران ، وإفشاء الأساليب التي تعتمدها طهران للإلتفاف على العقوبات الغربية
ويرى مراقبون إيرانيون أن الكشف عن مثل هذا الجاسوس دليل على إختراق البلاد أمنيًا وأن الاغتيالات التي طالت عددًا من عُلمائها النوويين ، والمعلومات الحساسة التي يتم تسريبها عن برنامجها النووي ، توحي بوجود ثُلة من الجواسيس قد لا يمثل أكبري سوى أحدهم
في المقابل ، تحاول شريحة من الإيرانيين قراءة ما بين ( طيات البيان الصادر عن وزارة الأمن ) الذي يُؤكد أن [ الاستخبارات البريطانية لا تعرف أيًا من المعلومات التي حصلت عليها من الجاسوس إذا كانت مزورة وموجهة من قبل الأمن الإيراني ]
وكانت الأجهزة الأمنية الإيرانية قد اعتقلت عام 2008 علي رضا أكبري بتُهمة التّجسُس لصالح استخبارات أجنبية ، ثم أفرجت عنه بكفالة مالية ، إذ غادر إثرها إلى بريطانيا ، مما يفتح باب التكهُنات بتعاونه مع الجانب الإيراني لنقل معلومات مغلوطة إلى لندن
ليطرح سؤال نفسه إزاء ذلك ،( لو ان هذا التكهن صحيح ، لماذا تم اصدار حكم الاعدام يحقه ، بعد ان تعاون مع الجهات الايرانية زُهاء الاربعة عشر سنة كما فُند لنا ) ؟
في السياق عينه نجد ان ايران التي تواجه أعداء كثر مجتمعةً ، وليس عدو واحداً ، الا انها ايضاً اثبتت نديتها في هذا المجال
فبعد ان إعتدنا على حربٍ نفسيّة إسرائيليّة أبرز أدواتها التّركيز دائمًا على التفوّق العسكري والأمني للعدو الإسرائيلي ، والمُبالغة في قُدرات جِهاز [الموساد] في اختِراق حُكومات ودول عربيّة وزرع الجواسيس في أماكنها الحسّاسة ، يبدو اليوم أنّ هذه (الأساطير الكاذبة) في طريقها للتّآكُل ، والإندثار بشَكلٍ تدريجيٍّ ومُتسارع ، هذا إذا لم يكن مُبالغًا فيها من الأساس
فقد كشفت أجهزة الأمن الإسرائيليّة [الشاباك] العام الماضي عن اعتِقالها عامل نظافة في منزل بيني غانتس ، وزير الحرب الإسرائيلي ، بتُهمة التجسّس لصالح إيران ، ووجّه المدّعي العام للشاب عومري غورن ، وهو من سكّان مدينة اللّد الفِلسطينيّة المُحتلّة تُهمة التجسّس، وزرع أجهزة رصد في حواسيب مُخدّمة ، وبث صور عن المنزل وتجهيزاته ومداخله ومخارجه ، وخزنة الأسرار، وإرسال هذه الصّور إلى جهاتٍ مُرتبطةٍ بإيران
اللّافت في الموضوع أنّ الشّاب غورن (34 عامًا) ليس عربيًّا وإنّما يهودي ، ويعمل في منزل الجِنرال غانتس مُنذ عدّة سنوات ، أيّ بما يشمل الفترة التي كان يشغل فيها منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ، المنصب الأكثر أهميّةً وخُطورةً في الدولة العبريّة
يُعد هذا الحدث ( وهو بكل تأكيد غيضٌ من فيض ) ، اختراقٌ أمنيٌّ غير مسبوق لدولةٍ تتباهى بقُدراتها الاستخباريّة ، وتُتاجر فيها وتجني من جرّائها مِليارات الدّولارات ، وهو اختراقٌ لا يُمكن أنْ يُقدِم عليه بنجاحٍ إلا جهاز استخبارات مُضاد عالي الاحترافيّة والتقدّم في هذا المجال المُعَقَّد جدًّا
ختامًا ، ان مثل هذه الخروقات هي بمثابة حرب ناعمة قد لا يكون أثرها جليًا ، إلا انها تضرب في الصميم ، ولا اظن بأنها ستتوقف يومًا ، فهي( سلاح ذو اهمية للدول ) لذلك يجب التصدي له بكل ما أوتينا من قوة ، فنعالج اسبابه والدوافع وراء انجارار مثل هؤلاء لخيانة وطنهم
2023-01-17