لم أكن لأصدق أنّك قطعتِ طريقي في ذلك المساء، وخاصّةً بعدما امتلأتُ بالدموع تارّةً وبالآهات والصراخ تارة أخرى، وكأنّكِ استجابةٌ لما مضى من دعاء كنت أخبئه في جيوب صدري سرًّا، مشيتُ حينها، وأنا أجرُّ خلفي بريق غصّةٍ واضحةٍ تميّزني عن الآخرين. في تلك الليلة، حينما جلتُ الشوارع والطرقات أثناء عاصفةٍ هوائيّةٍ تفقدني التوازن والهدوء، وكأنّها تتناغم مع أعاصير قلبي , حقًّا صدفةٌ سارّةٌ حاكها القدر لي كي أراك عند جسر الاعتراف ذلك الّذي كنتُ أستودعه كلّ مافي جعبتي في كلّ ضيقٍ، كنت ألقنه أشياءً كثيرةً عني وعن وطننا الذي شبع من الموت، ومازلنا نحيا بقوّة الإرادة والوجود، لكن كلّ ماأعرفه أن عينيك هما نجمتا المساء، فلم يعد يسرق أنظاري أي شيء آخر لا الجبل المكسو بالنوافذ المنارة والبيوت المطلّة على شرفة الحنين, حيث كانت هذه رؤيتي الفاخرة والمبهجة، والتي لطالما تعيدني إلى جادّة الفرح والأمل , لكن الآن غدت عيناك مسرح لحظاتي في ليلةٍ كنتِ أنتِ فيها وصيفة القمر، وكأنّ اللّيل قد ولد منك كوكبا دُريًّا على شاكلة وطن جميل يحتضن كلّ مشردي الأحلام والأوطان , ولأجل هذا كله بتُّ أشكو لعينيك سخف حالنا في حوار شفاف وموضوعي، وكيف وصل بنا الحال إلى ما ترين ,الآن غدونا كائناتٍ حيّةً على هيئة عجز وانتظار وموت بطيء يتقدم نحونا، فجميعنا يكافح للحصول على قوت يومه، ويناضل ليصل إلى بيته مُعافًى من الجنون , وأنا مازلت أقتات الحروف من كتاباتي عوضًا عن الموائد الفارغة, أربّتُ على فوضى حياتي بكلماتي الّتي أخطّها من اللّحظة التي أعيش، ومازلت أفاخر بالحرف رغم تفوّق المال والجشع وندرة الأخلاق والمعايير الإنسانيّة , لكنّني دومًا أمتنّ للكتابة في تحويل كل هزائمي وأحزاني إلى كرنفالات للفرح والأمل والحبّ , إلّا أنّني لن أنسى هذا الحدث الجلل في هذا المساء، وكيف أنّكِ استطعتِ أن تجعليني أشعرُ على هذا النحو الذي امتلكتُ فيه كلّ أسباب ومسوّغات السعادة في ظلّ وجودكِ , شكرًا ياسيدتي الجميلة، لكن لمَ لمْ تكوني سوى عابرةً ؟!
دمشق ،
2022-12-05