رنا علوان
في ظل ما يشهده الكيان الغاصب من صعوبة في حسم المناقشات حول تشكيل الحكومة ، وانشغال الام الحنون عن طفلها المدلل بقضاياها العالقة ، جاءت العملية البطولية ، لتُعيد العدو 28 عاماً الى الوراء ، وتحديدا الى زمن العياش ( الغني عن التعريف )
وقبل ان آخذكم الى سرد بطولاته دعونا نُسجّل الحدث لكي يُضاف الى سلسلة الانتصارات التي اصبح التاريخ يفيض بها
المكان : القدس المحتلة( محطة الحافلات العامة ، غربي القدس )
الزمان : الساعة 8:19 من صباح يوم الاربعاء الواقع في 23 نوفمبر /تشرين الثاني 2022
الحدث : تفجيير عبوة تم زرعها اسفل الحاجز الحديدي مع الارض المنخفضة المشجرة الخلفية ، اسفرت عن مقتل شخص وجرح 18 آخرين بجروح متفاوتة ، وتلى ذلك وقوع انفجار نجم عن عبوة ناسفة أخرى في حي راموت الإستيطاني في القدس
هذه العملية احيت زمن البطل يحيى العياش التي رَسَخت في اعماق الذاكرة لشدة ما اوجعت ، يحيى (المُلقب بالعبقري المُهندس ) الذي نقل المعركة الى قلب المناطق الآمنة التي كان العدو يدّعي بأن اجهزتهم الأمنية تُحكِم السيطرة على استتبابها ، واستطاع عبر الابطال من رفاقه الذين نفذوا ما خطط له هذا العبقري من عمليات بطولية ، الى زعزعت هذا الامن
ويسرد لنا الكاتب رونين بيرغمان في فصل من كتابه ( انهض واقتتل اولاً ) ، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية ، رواية تداعيات عملية ابعاد قيادة حماس من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى منطقة مرج الزهور في الجنوب الشرقي للبنان
حيث يأتي على ذكر العياش قائلاً : لاحظوا نجاحه والدعم الذي بات يلقاه في الشوارع الفلسطينية ، فبعد ان كان الفلسطيني المُحب للحياة لا يقوَ على تفجير نفسه ، جاء العياش ليغيّر تلك النظرة ( كيف لا وهو الذي حاز على اعجاب القائد عماد مغنية في اول لقاء لهما بذكائه الفذ ، فلم يستطع الرضوان كتم ذلك الاعجاب )
وبعد مدة من عودة القسامي العبقري ، قام مُفجّر بطل من حركة الجهاد الاسلامي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني ، بتفجير نفسه في موقع للجيش العدو عند تقاطع نتزاريم في قطاع غزة فقتل ثلاثة ضباط احتياط
وفي 22 يناير/كانون الثاني 1995 قام احد ابطال حركة الجهاد الاسلامي متنكرا بزي جيش العدو بالتسلل الى وسط تجمع للجنود كانوا ينتظرون الحافلة في منطقة بيت ليد على بعد 25 ميلاً (حوالي 40 كيلومتراً ) شمال شرق تل ابيب وفجر اكثر من 22 رطلاً (حوالي عشرة كيلوغرامات) من المتفجرات كان يرتديها فوق جسده فحوّل العشرات من الجنود الى اشلاء من شدة الانفجار ، وفيما ركض اخرون لمساعدة المصابين قام بطل اخر بتفجيرر نفسه وسطهم وكان من المفروض أيضاً ، ان يقوم بطل ثالث بتفجير نفسه لكنه ضعف امام الامر وتراجع
أدى هذا الهجوم الى مقتل 21 جندياً ومدنياً واحداً فيما أصيب 66 جندياً آخر بجروح بينهم العديد من الجروح البالغة ، وبعد وقت قصير من الهجوم جاء رئيس الوزراء وزير الدفاع حينها اسحاق رابين الى موقع التفجير وكانت بقايا الاشلاء والملابس المبقعة بالدماء لا تزال تغطي المكان فواجه تظاهرة لمدنيين غاضبين كانوا يتقاطرون الى المكان ، ولم يكن المتظاهرون يهتفون ضد الارهاب
بل ضد رابين نفسه قائلين له [ [ اذهب الى غزة ] ] وهي لعنة باللغة العبرية تشبه القول [ [اذهب الى الجحيم] ]
نعم انهم يرون في غزة جحيم ومقبرة لهم ، وفي طريق عودته الى تل ابيب كان رابين غاضبا والدماء تغلي في عروقه ، بحسب ما وصف رئيس مكتبه ايتان هابر انذاك ، فدعا الى اجتماع عاجل لكل قادة اجهزة الدفاع ، وقال لهم [يجب ان يتوقف هذا الجنون، آتوني بالصفحات الحمراء] اي الوثائق التي تتضمن الامر بعمليات اغتيال ضد اشخاص محددين ، ليتم وضع اسم العياش على اول القائمة ، حيث تجمعت كل الأدلة واتفقت على انه هو القائد الذي يُخطط لكل هذه الفوضى
وترجع بدايات المهندس مع العمل العسكري إلى أيام الانتفاضة الأولى ، وعلى وجه التحديد عامي 1990 و 1991 ، حيث توّصل إلى مخرج لمشكلة شح الإمكانات المتوفرة وندرة المواد المتفجرة ، وذلك بتصنيع هذه المواد من المواد الكيماوية الأولية التي تتوفر بكثرة في الصيدليات ومحلات بيع الأدوية والمستحضرات الطبية
وجرت العملية الأولى بتجهيز السيارة المفخخة في رامات افعال بتل أبيب ، لتبدأ بعد هذه العملية رحلة المطاردة له حيث داهمت قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود يرافقها ضباط ومحققين من الشاباك بلدات سلفيت وقراوة بني حسان بحثاً عن زاهر جبارين وعلى عاصي اعتقاداً بأن أحدهما أيضاً قد نجحا في التوصل إلى المعادلات الكيميائية
وفي عام 1992 استكمل الفريق الرباعي المكون من المهندس يحيى عياش بالاضافة الى زاهر جبارين و علي عثمان عاصى و عدنان مرعي مستلزمات الانتقال نحو مرحلة اكثر قوة [بتنفيذ العمليات وتحديد الأهداف ، وذلك بعد أن حقق المهندس العبقري مبتغاه بالوصول الى تحويل المواد الكيماوية والأولية لمتفجرات ]
وفي 25 نيسان /إبريل عام 1993 بدأت المطاردة الرسمية ليحيى ، حيث اضطر الى مغادرة منزله ، مُلتحقاً برفاقه الذين كانوا يتخذون من كهوف ومغارات فلسطين قواعد انطلاق لهم ضد جنود ودوريات الاحتلال
وفي مقال ل ( ألكس فيشمان الذي نشرته صحيفة معاريف ) (تحت عنوان اعرف عدوك المهندس )
بأن البداية كانت مع تفجير الحافلات ، حيث قام بتركيب العبوات التي قدر وزنها بأربعين كيلو غراماً من المواد المتفجرة ربطت بجهاز التفجير وأربع اسطوانات غاز لزيادة قوة التأثير ( وحسب الخطة ، وضع المهندس بمساعدة أبو إسلام ، العبوات في حافلة صغيرة من طراز (فان فولكسفاغن) تحمل لوحات معدنية صفراء استولى عليها أحد أعضاء حماس من مدينة تل أبيب مساء يوم الجمعة الموافق 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1992 وعليه ، يعد هذا التاريخ بداية (قصة الحب التي يعيشها المهندس مع الحافلات الإسرائيلية)
وفي 5 يناير 1996 كان عياش على موعد مع مناسبة جميلة ، وهي أن الله عز وجل منَّ عليه بمولود جديد ، فكان متلهفا لنقل الخبر السعيد إلى والديه ، للحديث عبر الهاتف الأرضي ، وفي منتصف المكالمة ،تم التشويش على الاتصال، فانتقل للحديث عبر الجوال آخر الأ انه كان مُلغم ، وبمجرد ما تم التعرف إلى صوته ، ضُغط على زر التفجير ، فدوى الانفجار وارتقى العياش شهيدا
ختاماً ، ما جرى بالأمس من عمل بطولي ما هو الا ضربات استباقية للعدو الذي بات من السهل على القيادات أن تقرأ خططه الغادرة ، ولعله ايضاً ( استدراج له ) لإستخدام سلاح البر الذي يفشل به فهو دائماً ما يعتمد على سلاح الجو كونه يحقق الاهداف باقل خسائر ، لكن هذا ايضاً تنبهت له الفصائل وأعدت له العُدة والعتاد ، فغزة اليوم التي كانوا في الامس يعتبرونها جحيم ، اصبحت اليوم هيجاء تستعر وفي كامل جهوزيتها
2022-11-24