ثقافة العار في العقل العربي!
نبيه البرجي
من تراه يشكك في كون اسرائيل المثال في الانغلاق الايديولوجي , مثلما هي المثال في التعفّن الايديولوجي . هذا ما جعل ناعوم تشومسكي يتساءل عن “الغباء الغربي” في فتح الأبواب أمام دافيد بن غوريون لبناء مفاعل ديمونا وبالتالي لصناعة القنبلة النووية التي لن تتردد اسرائيل , وبدافع توراتي , في استخدامها …
السياسات الأميركية , ومنذ أكثر من نصف قرن , تمحورت حول تحويل الدولة العبرية الى أرمادا عسكرية , تزامناً مع التألق التكنولوجي , والتألق الاقتصادي , وان كانت هناك عوامل مختلفة أدت الى ذلك , من بينها امساك اليهود بالأسواق المالية الكبرى في العالم .
على امتداد القرن المنصرم لم تنظر الحكومات الغربية , على ضفتي الأطلسي , الى البلدان العربية أكثر من كونها ظواهر آنية غير قابلة للتفاعل مع ديناميات الحداثة , وقد تكون أكثر قابلية للانفجار , أو للتفكك , ما دامت المفاهيم الغيبية فيها تتقاطع مع المفاهيم القبلية .
مؤلفات قليلة غاصت في عمق المشكلة (هل هي الضحالة الفكرية حقاً ؟) . ليست البداوة وحدها ما حال دون الدخول في لعبة القرن . ديزموند ستيوارت تحدث كثيراً عن الدور الأميركي في ذلك , ومنذ أن لاحظ فرنكلين روزفلت أن المنطقة تطفو فوق أوقيانوس من النفط . من يسيطر عليه انما يسيطر على مفاصل القوة في الكرة الأرضية …
شمعون بيريز , وكان اليد اليمنى لبن غوريون (دوره المكوكي في ملف ديمونا) اتهمه الحاخامات بالعبث , وحتى بتخريب الارث الالهي لليهودية حين حصر الحدود الجغرافية لاسرائيل بالضرورات الاستراتيجية , مشدداً على الحدود الاقتصادية باعتبارها حدود المستقبل .
المثير , في هذا السياق , أن ثمة ساسة , ومفكرين , عرباً (ان وجدوا) يروجون لتلك الفكرة الهائلة حول شرق أوسط يكون بمثابة “فردوس للآلهة” , بحسب تعبير أرنولد توينبي . كيف ؟ بالمزاوجة بين الأدمغة اليهودية والثروات العربية . الأدمغة الخلاقة والثروات التائهة .
ولكن ألم يلاحظ المؤرخ شموئيل صاند , مؤلف كتاب “كيف تم اختراع الشعب اليهودي” , أن دولة تقوم على القاعدة الكلاسيكية للقوة دولة قابلة للاندثار . حدث ذلك للأمبراطورية الرومانية , كما لأمبراطورية جنكيز خان , ولأمبراطوريات أخرى . سأل ما اذا كان هناك من شبه بين بنيامين نتنياهو أو ايهود باراك , وكل من نابليون بونابرت وأدولف هتلر اللذين ابتلعتهما الثلوج على أبواب موسكو .
ماذا نرى الآن سوى صرير الأسنان , اسنان الضباع ؟ ذروة الأداء البربري على الأرض , وحيث القتل للقتل . الغاية تدمير حياة الفلسطينيين ليرحلوا “الى جهنم , وفي يدنا مفاتيح جهنم” , الكلام للحاخام مئير كاهانا . قطعاً لا يختلف عنه الحاخامات الآخرون …
مقابل كل هذا “ثقافة العار” التي تسللت بل واستوطنت العقل العربي . مفكرون , ومثقفون , واعلاميون , يلاحظون الآن أن كل الدول العربية التي خاضت اختبار القوة مع اسرائيل منيت بهزائم رهيبة ما زالت آثارها حتى الآن . استطراداً , لاواقعية الفصائل , أو الحالات , الفلسطينية التي تواجه الاحتلال , وحيث تنتفي كلياً معادلة التوازن , الحد الأدنى من التوازن , بين الجانبين .
بثقافة العار اياها , مقارنة بائسة بين عدد الضحايا لدى كل من الفلسطينيين والاسرائيليين . الخسائر ايضاً في الممتلكات وفي الأعمال , وفي المنشآت .
انظلاقاً من هذا المنطق , هل كان هناك توازن بين جبهة التحرير الجزائرية وجيش الاحتلال الفرنسي ؟ وهل كان هناك توازن بين الفيتكونغ والترسانة العسكرية الأميركية ؟ حتى على المستوى العربي , هل كان هناك الحد الأدنى من التوازن بين المقاومة في لبنان , وآلاف القاذفات , والدبابات , الاسرائيلية ؟
هنا الانسان هو المحور , وهو الذي يعيد , بدمه , صياغة التاريخ , وحتى ما فوق التاريخ . مؤرخون كثر اشاروا الى التردي السيكولوجي لدى الفرنسيين , ولدى الأميركيين , وبطبيعة الحال لدى الاسرائيليين الذين يرون , أكانوا من أتباع اسبارطة , وهم الأكثرية , أم كانوا من اتباع أثينا , وهم الأقلية , في الصواريخ التي تطلق عليهم , وفي السكاكين التي تلاحقهم , التهديد الوجودي .
جدعون ليفي اعترف بأن المسألة ليست في ما تصنعه الصواريخ , وفي ما تصنعه السكاكين , بل في أولئك الفلسطينيين , “الحرائق التي لا تنطفئ” . هي من تحرق اسرائيل اليوم , وغداً , وبعد غد …
2022-08-27