من البديهي أنّ ظاهر الأمور لا يدلّ في بلادنا على الحقيقة، فهذه الأخيرة أُلبِسَتْ هي أيضا حجاباً كاملاً.
يستتبع ذلك بحسب اعتقادي أنه ليس سهلاً قراءة الجرائم التي تـُقترف بين الفينة والفينة في ضاحية بيروت الجنوبية وتتبنّاها جهات تصدر بيانات ممهورة بإمضاء «داعش» .
أنا لا أقول هنا إنّ «داعش» وهم أو كذبة. لا شكّ في أنّها معطى ملموس على الأرض من مدينة الموصل في العراق إلى مدينة الرقة في سوريا على الأقل .
ولكنه مُعطى مؤقت، كونه يجسّد تحالفاً يضمّ قوى «متعددة الجنسيات» ما يثير الحيرة في الواقع أنّ ما يميز «داعش» هو أنها «دولية»، إذ يتجنّد في صفوفها مقاتلون جاؤوا إلى سوريا من عشرات البلدان، هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فمن المعروف أنّ لدى «داعش» مصادر توفر لها الأموال والسلاح بمقادير كبيرة جداً، تكاد تفوق إمكانيات دول كمثل سوريا والعراق ومصر مجتمعة.
فأغلب الظن، استناداً إلى ما يتناهى إلى العلم، أنّ «داعش» استطاعت أحياناً جرّ الجيش في سوريا والعراق إلى معارك غير متكافئة، فكان مقاتلوها أكثر عدداً وأقوى عدّة وأكبر تجربة عسكرية.
البرهان على ذلك هو امتلاكها دبابات ومدافع ثقيلة وصواريخ تتطلّب إمدادا متواصلاً بالذخائر والوقود، ما جعلها قادرة على احتلال المدن والاحتفاظ بها.
أكتفي بهذه التوطئة لأقول إنّ اعتداء «داعش» على الناس في الضاحية الجنوبية بحجة «أنهم روافض» أو «انتقاماً لعرض النبي» كما جاء في نص البيان المنسوب إلى «داعش» ليس في جوهره عملاً عسكريـاً أو تعبيراً عن نشاط دعوى تبشيري ديني، وإنما القصد منه فقط إثارة النعرات المذهبية . أي أنّه عديم الجدوى ميدانياً.
فاسترجاع المنازعة التاريخية على الخلافة في هذا الزمان من أجل «محاسبة الروافض» ما هو إلا مهزلة واستخفاف بعقول ومعتقدات الناس معاً.
ما أود قوله هو إنّ «داعش» هي واجهة لتحالف عدواني، على شاكلة التحالف الذي ولّد «القاعدة» في ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان، بفارق أنّ تركيـا أخذت مكان باكستان إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية والسعودية ومشيخات الخليج.
ينجم عنه أنّ الجريمة الإرهابية التي وقعت في ضاحية بيروت تُظهر مرة أخرى مدى النجاح الذي أحرزته الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية، من خلال توظيفها لآل سعود ولمشايخ الخليج في استخدام الديانة الإسلامية، من أجل الوصول إلى غاياتها.
لقد سبق ولمّحت إلى أنّ «الفلسطيني» من الجيل الثالث، بعد النكبة، المولود في مخيم اللاجئيين، ليس فلسطينياً، بمعنى أنه لا ينتمي إلى فلسطين على الإطلاق، أو قل أنه يبحث عن انتماء، ضمن المعايير التي تُمليها ثقافته وتربيته.
لا يستطيع أحد، سواء كان «من الروافض أم من القوابل»، أن يُنكر أنّ الضاحية تعرّضت في شهر تموز 2006، لأقسى الهجمات من جانب المستعمرين الإسرائيليين.
ينبني عليه أنه لأمر صادم ومفزع أن يأتي إليها شابان «فلسطينيان» لفـّـا جسميهمـا بأحزمة متفجرة، لينفّذا عملية إرهابية انتحارية ضدّ «الروافض».
أغلب الظن أنهما استبدلا الانتماء إلى وطن فلسطيني بنوع من التديّن البدائي الذي هو أقرب إلى التحزب، وإلى الانقياد الغريزي للعصبية القبلية.