الفاتحون الجدد


ثريا عاصي
تجمّدت «جامعة الدول العربية»، قلْ مَسَخَها المستعمرون وأمراء الخليج على صورة كيان قبيح هلامي، كأنه بقعة زيت تتسرّب من حاملة نفط أميركية، تتمدّد في فناء العرب والإسلام، فتتسبّب بكارثة بيئية من المحتمل أن تسفر عن نتائج فظيعة.
يرتجع في الواقع آل سعود وآل ثاني في قطر وآل خليفة وآل زايد، إلى آخر خرزات السُّبّحة الخليجية، أمام الذاكرة، قصة الضفدع الذي أراد أن يصير ثوراً .
فمشايخ الخليج الذين اقتحموا حاضرنا وارتهنوا مستقبلنا، مستفيدين من جهلنا واستهتارنا وتملّقنا لهم، يظنون أنّ أموالهم، أو بالأحرى يتوهمون أن الفرصة مؤاتية من جديد، لمعاودة فتح العراق وبلاد الشام، وضمّها إلى ملكهم .
وضعاً للأمور في نصابها الصحيح، يتوجّب القول إنّ الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية أيقنت استناداً إلى معايير علمية بحثية (كشف الفضائح تحت عنوان ويكيليكس)، أنّ درجة الانحطاط والتهتّك في مجتمعاتنا وصلت إلى مستوى متدنّي جداً بحيث صار توظيف مشيخات النفط الخليجي، وأموالها وثقافتها، مقبولاً وملائماً من أجل معالجة مجتمعات مفكّكة، اقتسمها وتسلّط عليها عرابو المافيات وأمراء الأحياء وزعماء الطوائف والمذاهب.
لم يبقَ أثر «للوطنية» أو يكاد، في هذه المجتمعات التي «يزعمون أنها ثارت وانتفضت وهبّت» تستنصر الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا، أقرب حلفاء المستعمرين الإسرائيليين توقاً «للديمقراطية والحرية»!
آن الأوان، من وجهة نظري، لكي نضع النقاط على الحروف ونسمّي الأشياء بأسمائها.
لا حرج في القول إننا حيال سيرورة هجومية، عدوانية، بادر إلى إطلاقها تحالف ثلاثي يضمّ الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية إلى جانب آل سعود وتركيا تحت قيادة العثمانيين الجدد، الغاية منها الاستيلاء على العراق وبلاد الشام.
بكلام أكثر صراحة ووضوحاً، إنّ ما يجري هو اقتطاع أجزاء من العراق وسوريا ولبنان تمهيداً لضمّها إلى تركيا من ناحية، وإلى «إسرائيل» من ناحية ثانية .
ذلك بتغطية «عربية» تتمثّل بإلصاق الأجزاء المتبقية بمملكة آل سعود في محاكاة على مقياس أكبر طبعاً، إذا جاز التعبير، لعملية تقسيم فلسطين سنة 1948، حيث تمّ مؤقتاً إلصاق الضفة الغربية بالأردن، بينما أُلحق قطاع غزة بمصر.
من البديهي أنّ هذه الفرضية الاستقرائية عن التحالف الأميركي التركي السعودي، ودوره في إعادة رسم خريطة «الشرق الأوسط الجديد» تحتاج إلى بسط وتفسير، إيفاءً لتفاصيلها؛ وبالتالي لا يتّسع لها هذا البحث، فلا بدّ من العودة إليها في مناسبة أخرى.
أكتفي هنا بالقول إنّ الدلائل متوفرة على الوجود الفعلي لهذا التحالف الثلاثي، بالإضافة إلى أنّ التطابق يكاد أن يكون كاملاً وتامّاً بين «إسرائيل» من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا من جهةٍ ثانية.
بل يحقّ لنا، استناداً إلى التجارب الماضية أن نعتبر آل سعود أضعف طرف في هذا الحلف، وقد يكونون مجرّد وسيلة للتمويه لا أكثر، إضفاءً على عملية السطو الاستعماري مسحة «عربية ـ إسلامية » ليظهر بمظهر «الفتح العربي ـ الإسلامي».
لا مفرّ هنا من التساؤل عن معنى هذا «الفتح العربي ـ الإسلامي»، الذي يعود الدور الرئيسي فيه إلى الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية .
بتعبيرٍ آخر، هل يمكننا أن ننعت ما يجري بالفتح العربي أو الإسلامي، أم أنّنا في الواقع شركاء مساهمون في المتغيّرات والمتبدّلات التي يتضمّنها المشروع الاستعماري الجديد، رغم أنّ هذا الأخير هو من حيث تعريفه، ضدّ مصلحة الناس، جميع الناس، ليس في بلادنا وحسب، ولكن في مختلف البلدان أيضاً.
ينبني عليه، أنّ تقاطر الأطراف والأحزاب والثورات في دنيا العرب على معاونة المستعمرين علانيةً، من دون شعور بالذنب، والترحيب بهم والرجوع إليهم والأخذ بنصائحهم وتنفيذ رغباتهم، يجعل المراقب في حيرةٍ من أمر الناس في بلادنا.
هل هم كمثل الناس في بلاد العالم، أم أنّ علاقتهم بالأرض، بالوطن، هي علاقة عابرة، في اتّجاه واحد؟
2015-11-11