(65) عاما على تأسيس حركة عدم الانحياز!
خميس بن عبيد القطيطي.
تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة والستون لتأسيس حركة عدم الانحياز، حيث تأسست بمدينة باندونج الإندونيسية في القمة الأولى بتاريخ الـ١٨ من أبريل واختتمت بتاريخ الـ٢٥ من أبريل ١٩٥٥م، وذلك بحضور (٢٩) دولة كانت تتطلع إلى تفعيل هذا المسمى السياسي (عدم الانحياز) في وقت كانت الحرب الباردة بين المعسكر الغربي الرأسمالي والشرقي الشيوعي قائمة على أوجها، بعد أن أفرزت الحرب العالمية الثانية نظاما دوليا جديدا ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، كما تم تأسيس منظمة الأمم المتحدة قبل ذلك في عام ١٩٤٥م وذلك وفقا لهذا النظام العالمي الجديد، وما أجدر العالم أن يحتفي اليوم بهذه المناسبة التاريخية المهمة بتأسيس حركة عدم الانحياز التي يضم مؤتمرها اليوم (١٢٠) دولة بعد اجتماعها الثامن عشر الأخير الذي عقد العام المنصرم في الـ٢٥ من أكتوبر ٢٠١٩م بالعاصمة الأذرية باكو، وذلك تأكيدا لما تمثله هذه الحركة من أهمية في إحياء مبادئها العشرة التي ما زالت صالحة حتى وقتنا الحاضر رغم وجود عدد من المتغيرات الجيوسياسية المتباينة تختلف عما كانت عليه في مرحلة التأسيس، مرورا بكل المتغيرات الدولية خلال العقود الأولى التي أعقبت التأسيس، وصولا إلى تفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ١٩٩١م في تغير للنظام العالمي من ثنائي إلى أحادي القطبية، وتأتي حركة عدم الانحياز في ظل وجود عدد من المنظمات الدولية الإقليمية في القارات الثلاث المشكِّلة لهذا المؤتمر كالآسيان والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والتعاون الإسلامي ومنظمة الدول الأميركية في أميركا اللاتينية، وكذلك مجموعة البريكس التي ضمن (٥) دول نامية صاعدة على الخريطة العالمية، إلا أن هذه المنظمات قد لا تفي بالهدف السياسي المنشود في مواجهة تداعيات الاستقطاب العالمي أو تحقيق المبادئ الإنسانية والدولية على عكس منظمة عدم الانحياز التي تمثل قوة لا يستهان بها في خريطة السياسة الدولية إذا ما توافرت لديها الإرادة السياسية اللازمة، خصوصا في ظل وجود تلك المبادئ الإنسانية والدولية التي تعبر عن احترام حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول، والمساواة بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام حقوق الدول في الدفاع عن نفسها، وعدم استخدام أحلاف الدفاع الجماعية في تحقيق مصالح الدول الكبرى، وعدم ممارسة الضغوط على الدول الأخرى، والامتناع عن التهديد أو العدوان أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، وكذلك الحل السلمي لجميع الصراعات الدولية وفقا لميثاق الأمم المتحدة، وتعزيز المصالح المشتركة والتعاون المتبادل بين الدول، واحترام العدالة والالتزامات الدولية، كل هذه المبادئ السياسية الرصينة التي تأسست عليها حركة عدم الانحياز ما زالت صالحة حتى اليوم، بل يجب تفعيلها في ظل وجود هذا التجمع العالمي الذي كان له صوت في اجتماعات الأمم المتحدة دائما، وخصوصا في مناصرة القضية الفلسطينية كقضية رئيسية ارتبطت بها الحركة منذ تأسيسها. ومن هنا ينبغي التأكيد على أهمية تفعيل حركة عدم الانحياز كحركة تبحث عن المصالح العليا للدول النامية والنأي بها عن الاستقطابات الدولية أو الأحلاف المؤثرة على استقرار الدول من أجل مصالح دولية خاصة، وتفعيل تكتل عالمي يضم أكثر من ثلثي دول العالم تتفق على مبادئ تحفظ حقوق الدول، إضافة إلى أنها تشكل ما يقرب من ٥٥% من سكان العالم، وتمتلك إمكانات سياسية واقتصادية تستطيع من خلالها التأثير على السياسة الدولية، حيث تمتلك ٧٥% من احتياطي النفط العالمي، و٥٠% من احتياطات الغاز في العالم، إضافة إلى إمكانات كبيرة من الطاقات البشرية والموارد الطبيعية، مما يعني قدرة حركة عدم الانحياز على القيام بدورها وإنقاذ العالم من بعض السياسات. فالعالم اليوم مقبل على متغيرات جيوسياسية ـ اقتصادية كبيرة، لذا تظهر أهمية هذه المنظمة الدولية وأهمية تفعيل دورها السياسي والاقتصادي العالمي بشكل يحقق العدالة الدولية ويسهم في بناء الأمن والسلم الدوليين، والحفاظ على استقلال الدول وتجنب الاستقطابات الضارة .
لقد حقق المؤسسون الأوائل منجزا عالميا بتأسيس مؤتمر عدم الانحياز، إلا أن ما يميز تلك المرحلة الزمنية في الخمسينيات هو وجود قيادات تاريخية كبيرة اتفقت حول مبادئ سياسية مشتركة مع بروز أصوات ولغة جماعية لهذه الدول تتجه نحو التحرر من نير الاستعمار، فكانت مرحلة الخمسينيات والستينيات حافلة بتلك الحقيقة الدولية الساطعة، وكانت العديد من الدول تتطلع إلى نيل حريتها واستقلالها، وكان الرأي العام في العديد من الدول يناضل من أجل تحقيق ذلك الحلم، وتحقيق العدالة الاجتماعية والدولية والمساواة في الحقوق، لذا فقد اعتبر زعماء تلك المرحلة المؤسسون الكبار للحركة أبطالا محررين داعمين لاستقلال الدول والشعوب، وكان على رأس أولئك الزعماء الزعيم جمال عبدالناصر والرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو ورئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو والرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو الذي استضافت بلاده القمة الأولى في مثل هذا التاريخ من عام ١٩٥٥م ليشهد ميلاد هذه الحركة، إضافة إلى الرئيس الغاني نكروما وعدد من الزعامات الدولية التي حققت لدولها وأقاليمها حراكا سياسيا مرموقا على الساحة السياسية الدولية، لذلك تمثل دول عدم الانحياز اليوم ثقلا في ميزان السياسة الدولية إن أحسنت الأنظمة الدولية اليوم تفعيل أدوار هذه المنظمة نظرا لما أسلفنا الحديث عنه من معطيات وعناصر قوة تجتمع لهذه المؤسسة، وتبقى الإرادة السياسية الدولية هي المرتكز الحقيقي الذي قد يبنى عليه كل تلك الآمال والتطلعات .
إن هذه الدول التي تضمها هذه المنظمة الدولية ينبغي أن تستشعر القيمة والأهمية الجماعية لهذه المنظمة الدولية، وأهمية مبادئها الإنسانية والسياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي ترتكز عليها، مما يستدعي اليوم أكثر من أي وقت مضى تفعيلها لتحقيق قيم المساواة والعدالة في نظام دولي بدأت ملامح تغيراته ترسم المشهد السياسي الدولي القادم، فالدول الـ(٢٩) التي اجتمعت في باندونج في أبريل عام ١٩٥٥م لا تملك من القوة ما تمتلكه الدول الـ(١٢٠) التي تشكل هذه المنظمة الدولية اليوم؟! والمتغيرات العالمية المتصاعدة تستوجب العمل على المشاركة في رسم المشهد العالمي من خلال التعاون الدولي بين دول حركة الانحياز، كما ينبغي توجيه الدعوة لضم عدد من الدول النامية الأخرى للانضمام إلى هذا التكتل العالمي، وتشكيل مواقف سياسية موحدة في مواجهة الاستقطابات الدولية، والحفاظ على الأمن والسلم الدولي، وتحقيق المساواة والحرية للدول والشعوب، والسعي لما فيه خير ومصالحها وازدهارها، فهل تستطيع دول المنظمة تحقيق تلك التطلعات والآمال في هذه المرحلة الزمنية الدقيقة؟
2020-04-27