ا.د عامر حسن فياض
هيبودام مهندس اغريقي عاش في اثينا واجاد في تخطيط المدن، بقدر ما اجاد في تقديم افكار سياسية تميزت بالعمق والانتظام حتى وصفه ارسطوا بأنه اول من اعطى فكرة واضحة عن افضل اشكال الدساتير. وخصص واحدا من فصول كتابه (السياسة). ليعالج فيه افكار هيبودام السياسة، ويعرض بنود دستوره. ولكن هيبودام لم يشارك في حياة اثينا السياسية، لأنه كان من الاحرار الاجانب لكنه كان اول من صاغ في الفكر السياسي اليوناني القديم. ومن غير مواطني دولة مدينة اثينا، صورة دولة مثالية ووضع لها دستورها والاسس التي تنشأ وتقوم عليها، ثم تكرر ظهور كثير من قواعدها وعناصرها في دولة افلاطون المثالية وصولا الى دولة الامريكان الحالية.
جعل هيبودام التقسيم الثلاثي احد الاسس المهمة لدولته المثالية التي رأها مكونة من عشرة الاف مواطن موزعين على ثلاث طبقات اجتماعية :
1- طبقة الحكام “المثقفين” ولها لجنة تحضيرية ومجلس شيوخ وسلطة تنفيذية.
2- طبقة العاملين وتتكون من الصناع والفلاحين والتجار.
و وفقا لتقسيم هيبودام الثلاثي تقسم اراضي الدولة الى :
1- اراض مقدسة خاصة بالاغراض الدينية
2- اراض خاصة بالفلاحين
3- اراض خاصة بالمحاربين
على ان تكون ملكية هذه الاخيرة للدولة لكي لا يعاني النظام السياسي من السلبيات التي تعاني منها انظمة الحكم القائمة في كل زمان ومكان، نتيجة الصراع بين الحكام والقادة العسكريين، وليتحرر هذا النظام بفضل ملكية الدولة للأرض من العجز السياسي الناجم عن غياب التخصص وعدم تحديد المسؤوليات، ويتطهر من الفساد السياسي المرتبط دائما وابدا بالثروات.
وكانت القوانين التي وضعها هيبودام لدولة المدينة المثالية، ذات طابع جنائي جزائي تنحصر اهتماماتها بالجرائم المرتكبة ضد:
1- الشرف
2- الارواح
3- الملكية الاقتصادية
وعلى هذا المنوال، قسم اختصاصات الادارة ومؤسساتها في دولته المثالية الى:
1- ادارة تختص بشؤون مواطني الدولة
2- ادارة تختص بالاجانب المستوطنين
3- ادارة تختص بالاجانب غير المستوطنين
وعلى الرغم من تبني هيبودام لفكرة التقسيم الطبقي القائم على التخصص المهني. الا انه لم يمنح ايا من طبقات مدينته حق احتكار ممارسة السلطة السياسية. مفضلا توسيع نطاق هذا الحق وجعله من نصيب المواطن الذي يختاره الشعب بالانتخاب لتحمل مسؤوليات الحكم، مخالفا بذلك قواعد الديمقراطية الاثينية التي رفضت نظام الانتخاب، لأنها رأت فيه وسيلة ارستقراطية لأختيار الحكام، واخذت بدلا عنه بنظام القرعة كأساس للأختيار، لأنها رأت فيه تجسيدا لروح المساومة بين المواطنين في الحقوق والفرص.
واختار هيبودام (النظام المختلط الثلاثي) من بين انواع انظمة الحكم المختلفة لأنه اعتقد انه افضل النظم، واستند في ذلك الى فرضيته القائلة: (ان النظام ذو الطبيعة الواحدة سرعان ما يتعرض للفساد بسبب فساد طبيعته الاحادية هذه، ولكن النظام المختلط تجتمع فيه وتتفاعل طبائع متنوعة، فتتوازن هذه الطبائع، وتمنع كل طبيعة منها الاخرى من الفساد). حيث يجمع هذا النظام المختلط بين طبائع الانظمة الثلاثة:
1- النظام الملكي ذو الطبيعة الفردية
2- النظام الارستقراطي ذو الطبيعة النخبوية
3- النظام الديمقراطي ذو الطبيعة الشعبية
فتخضع فيه السلطة الملكية لقيود المصلحة العامة واشتراطاتها، وتتم موازنة تلك السلطة ذات الطبيعة الفردية بعناصر مستمدة من النظامين الارستقراطي والديمقراطي بطيبعتها النخبوية والشعبية. واخذ فلاسفة السياسة ومفكروها الاغريق(افلاطون وارسطو) لاحقا، فكرة النظام والدستور المختلط ثلاثيا عن هيبودام لكنهم اعادوا تصميمه ليجعلوا منها نظاما ودستورا مختلطا ثنائيا، ثم اخذ الرومان (بوليب وشيشرون) عنهم هذه الفكرة، لكنهم اعادوها الى اصلها الثلاثي عند هيبودام وهي الفكرة التي اخذها عنهم المفكرون الغربيون، واعادوا احياءها من جديد في العصر الحديث حين تبناها وطبقها الاباء المؤسسون للولايات المتحدة. جاعلين نظام الحكم فيها نظاما مختلطا ثلاثيا ( رئاسي يشبه النظام الملكي الفردي، ومجلس شيوخ يشبه النظام الارستقراطي النخبوي، ومجلس نواب يشبه النظام الديمقراطي الشعبي). وتضمن برنامج هيبودام الاجتماعي في ثناياه ملامح الاشتراكية جسدتها دعوته لوضع مصادر الثروة في يد المجتمع، ومناداته بالقضاء على اسباب التفاوت في الثروات لأنها سبب حدوث الصراعات والثورات كما اوضح ارسطوا ذلك لاحقا وبشكل مفصل وموثق، وجعله التعليم ضمن مسؤوليات الدولة واختصاصاتها كما اوضح افلاطون ذلك لاحقا وبشكل مفصل وموثق ايضا، وقوله بمسؤولية الدولة عن الاخلاق والمحافظة على الاداب العامة
2023-01-04