هل تغيرت مواقف “عرّابي التطبيع” في مصر بعد أحداث غزة الجسام؟
أيهم كان أكثر صدقا مع نفسه فتراجع واعتذر وأيهم لا يزال متمسكا برأيه ويواصل هجومه على “المقاومة” بشراسة؟ مقال أحدهم قارن فيه بين أبراج غزة ودبي يثير عاصفة من الغضب
القاهرة – “رأي اليوم” – محمود القيعي:
كيف تبدو مواقف حاملي لواء التطبيع في مصر بعد أحداث غزة الجسام؟
هل لا يزالون متمسكين بآرائهم أم تخلوا عنها؟
كيف كانت ردود أفعالهم على الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين؟
المتابع لملف التطبيع يعلم أن هناك ثلاثة أسماء حملت لواء التطبيع، وسعوا إلي تحقيقه ما استطاعوا إليه سبيلا.
الأسماء الثلاثة هي:
د.أسامة الغزالي حرب، د.عبد المنعم سعيد، د. هالة مصطفى رئيس التحرير الأسبق لمجلة الديموقراطية (استقبلت السفير الإسرائيلي في مكتبها بالأهرام وأثارت جدلا هائلا).
فكيف كانت مواقف هؤلاء الثلاثة؟
الأول د. أسامة الغزالي حرب آلمه ما ترتكبه إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين من جرائم إبادة، فكتب مقالا اعتبره الكثيرون عودة للحق.
مقال “حرب” كان بعنوان “اعتذار” استهله قائلا: “هذا اعتذار أعلنه – أنا أسامة الغزالى حرب – كاتب هذه الكلمات، عن موقفى الذى اتخذته، كواحد من مثقفى مصر والعالم العربى، إزاء الصراع العربى الإسرائيلى، بعد نصف قرن من المعايشة ومئات الدراسات والأبحاث العلمية والمقالات الصحفية، والمقابلات الصحفية، والزيارات الميدانية! اننى أتذكر وقائع العدوان الثلاثى الذى شاركت فيه إسرائيل على مصر واحتلال سيناء عام 1956، أتذكر بالتفصيل أحداث الهزيمة المريرة 1967. وأتذكر أيام حرب الاستنزاف، التى أعقبتها حرب أكتوبر المجيدة عام 1973. وتابعت- ليس فقط كمواطن، وإنما كدارس للعلوم السياسية – مبادرة السلام الشجاعة التى أعلنها الرئيس السادات وما أعقبها من اتفاقيات للسلام مع إسرائيل. وقمت عقب تلك المبادرة بزيارة إسرائيل مع وفد برئاسة الراحل الكبير د. أسامة الباز”.
وتابع قائلا: “وتفاءلت بعد توقيع اتفاقات السلام مع الأردن (1994) ثم مع منظمة التحرير بين ياسر عرفات واسحق رابين (أوسلو1, اوسلو2) برعاية أمريكية. وتحملت بعد ذلك الإدانات من معارضى”التطبيع” من المثقفين المصريين والنقابات المهنية وعلى رأسها نقابة الصحفيين ..وكان رأيي، أنه بعد أن استعادت مصر كل شبر من أرضها، رافعة رأسها ومؤكدة كرامتها، يمكنها إقامة وبناء علاقات سلام رسمية، مع الحق الثابت للمواطن المصرى فى أن يتقبلها أو يرفضها. …وكنت أنا ممن قبلوها، متفائلا بأن تسهم تلك الخطوات فى استكمال السلام الذى يعيد للفلسطينيين حقوقهم السليبة!”.
واختتم حرب مقاله قائلا: “إننى اليوم- وقد تابعت بغضب وسخط وألم- ماحدث ولايزال يحدث من جرائم وفظائع فى غزة يندى لها جبين الإنسانية، نقتل فيها آلاف الأطفال والنساء، وتدمر فيها المنازل والمبانى على رءوس البشر، وتصطف فيها جثث الأبرياء لا تجد من يدفنها …..، أقول إنى أعتذر عن حسن ظنى بالإسرائيليين، الذين كشفوا عن روح عنصرية اجرامية بغيضة. أعتذر لشهداء غزة، ولكل طفل وامرأة ورجل فلسطينى. إنى أعتذر!”.
مقال حرب تباينت ردود الأفعال عليه، بين مرحب به، وناقم عليه.
المرحبون أسعدهم مقال حرب الذي عاد به إلى الحق، مذكّرين بالحديث الشهير: “كل بني آدم خطّاء”.
الناقمون عليه لم يتقبلوا اعتذار حرب، مؤكدين أن الإنسان البسيط بفطرته يرفض التطبيع، فكيف انخدع أستاذ العلوم السياسية ووقع في الشرك.
ثاني دعاة التطبيع
الكاتب د.عبد المنعم سعيد الذي يبدو أنه متمسك برأيه، ولم يتراجع عنه قيد أنملة.
سعيد واصل هجومه على المقاومة صراحة تارة، وغمزا ولمزا تارة أخرى.
في أحد مقالاته الأخيرة، قال سعيد ما نصه: “حينما وطئت أقدام الرئيس عرفات أرض فلسطين على حدود قطاع غزة كانت الأحلام كبيرة بعد اتفاق أوسلو، وأصبح لدى الفلسطينيين أرض يبدأون فيها مسيرة دولتهم. وقتها قادت أحلام إلى سلام، وفى بقاع جرت التصور لماذا لا يكون هناك مثلث ذهبى يضم فلسطين وإسرائيل والأردن معا فى تشابك يشمل ذلك الذى يجمع بين هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج أو “البينولوكس”. وقتها لمع اسم “سنغافورة” التى باتت “نمرا” فى سماء الشرق الأوسط لأنه لم يعد مهما إذا كانت الدولة كبيرة أو صغيرة، وإنما المهم أن يكون لديها مسار للتنمية وجودة العيش. أيامها تبارت إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية فى أى منهما سوف تكون سنغافورة؛ ولكن الأيام لم تسمح بالنسبة للثانية، بينما الأولى خلقت نموذجها الخاص”.
وتابع قائلا: “نسى الجميع سنغافورة لأنه بات هناك نموذج عربى هو “دبي” الواقعة على الخليج العربي، ازدهرت حتى باتت واحدة من المدن “العالمية” التى يشار لها بالبنان حتى ولو كانت إمارة واحدة من الإمارات السبع التى تكون دولة الإمارات العربية. غزة مثلها مثل دبى تقع على بحر (الأبيض المتوسط)، وإذا كان لدى دبى البترول، فإنه فى ساحل غزة يوجد حقل للغاز لم يستغل حتى الآن ـ لأن إدارة حماس كانت مشغولة بأمور أخرى. مقارنة المعطيات صعبة، وعلى الأغلب فإنها سوف تكون لمصلحة غزة التى بحرها ممتد حتى أوروبا، أما دبى فبحرها يذهب إلى إيران؛ ومن زاوية الطقس فإن التصويت يذهب إلى غزة؛ ولكن الفارق وقع فى مصلحة الإمارة لأن بها قيادة واحدة حسنة التفكير ورائعة الجاذبية لكل ما فى العالم من حُسْن. وعندما زرتها بدا لى مطارها أشبه بسفينة نوح التى تجمع من كل موهبة اثنين على الأقل؛ وللأسف لم يقدر لى الذهاب إلى غزة، ولكن مشاهدها قبل العدوان الإسرائيلى الغاشم كان بها أبراج كثيرة، وعندما سألت قيل لى إنها بنيت من رسوم الأنفاق التى ربطت بين القطاع ومصر!”.
سعيد قال في مقال آخر انه خلال ثلاثة عقود تقريبا من المسيرة الفلسطينية فإن «المقاومة» انتقلت بين خمس حروب بدأت جميعا بعمليات «بطولية» ضد إسرائيل وانتهت بتدمير الشعب الفلسطينى وفى المقدمة منه الأطفال والنساء، مشيرا إلى أنه خلال هذه الفترة لم تحقق حركة التحرر الوطنى الفلسطينية ما حققته جميع الحركات فى العالم.
في مقال ثالث بعنوان “السنوار!” عبد المنعم سعيد قالها صراحة ودون مواربة: “بات لدى إسرائيل ما تندم عليه، والآن فإن السنوار أينما كان، فإن لديه ما هو أكثر يندم عليه”.
ثالث الثلاثة الداعين إلى التطبيع د. هالة مصطفى ويبدو أن موقفها من الأحداث الأخيرة إمساك العصا من المنتصف.
ففي مقال أخير للدكتورة هالة مصطفى، قالت: “أبدى رئيس السلطة محمود عباس خلال لقائه الأخير ببلينكن منتصف الشهر الحالي, موافقة مبدئية على هذا الحل, لكنه ربط عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة بعملية سياسية شاملة, حيث أشار إلى أن قطاع غزة هو جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين, وستتحمل السلطة مسئوليتها كاملة فى إطار حل سياسى شامل على كل من الضفة الغربية, بما فيها القدس الشرقية, وقطاع غزة.
والواقع ورغم وجاهة هذا السيناريو من الناحية النظرية, إلا أنه يواجه عقبات عدة, إذ سيكون من الصعب على أى جهة خارجية أو فلسطينية أن تحظى بقبول شعبى وسياسى بعد حجم الدمار الذى أصاب القطاع, ما لم تكن هناك خطة ضخمة لإعادة إعماره, على غرار مشروع مارشال الأمريكى لمساعدة أوروبا عقب الدمار الهائل الذى خلفته الحرب العالمية الثانية, كما أن كثيرا من القوى الدولية والعربية ستتحفظ على تولى هذه المسئولية, حتى لا تُستهدف من المقاومة أو يُنظر إليها على أنها قوة احتلال, والأهم أنه مازال من غير المعلوم إلى الآن ماذا سيكون مصير حماس, بمعنى هل يمكن تحولها إلى حركة سياسية وإدماجها ضمن منظمة التحرير الفلسطينية ومن ثم يصبح من الممكن تشكيل حكومة ائتلافية تتولى إدارة الضفة وغزة معا؟ أم أن الرهان هو على اختفائها تماما من المشهد, والأمر الأخير يصعب الجزم به لأنه متوقف على النتيجة النهائية للعمليات القتالية, وحتى بفرض الإجهاز عليها فستبقى المقاومة كفكرة, ما لم ينته الصراع.”.
وأضافت: “ومع ذلك, هناك مباحثات أوروبية أمريكية جارية لنشر قوات دولية فى غزة بعد انتهاء الحرب, واقترحت بعض الدول وعلى رأسها إيطاليا أن توكل هذه المهمة لحلف الناتو, إضافة إلى أن الاتحاد الأوروبى أكد أنه لا يعترف إلا بالسلطة الفلسطينية كممثل وحيد للفلسطينيين. فى المقابل, تبدو هذه المقترحات فى واد وإسرائيل فى واد أخر, حيث رفض رئيس وزرائها مجددا تسلم السلطة الفلسطينية إدارة القطاع, لتكون لدولته الإدارة الأمنية والمدنية, لتغييره جذريا, على حد قوله, على غرار ما حدث لألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية, وبالمنطق الإسرائيلى ستمتد الحرب ليس فقط للقضاء على البنية التحتية لحماس, وإنما لإعادة تشكيل القطاع ثقافيا وحضاريا, لتصبح الأمور أكثر تعقيدا وطولا”.
اللافت في موقف هالة مصطفى أنها لم تدن الإبادة الجماعية التي استنكرها شرفاء العالم، وأكدت في مقال أخير لها أن عملية «طوفان الأقصى» التى شنتها حركة حماس على إسرائيل ستظل تداعياتها الخطيرة التى تتجاوز حدودها الجغرافية, لتنعكس على المنطقة برمتها، مشيرة إلى أنه لم يُقتل هذا العدد الهائل من المدنيين الإسرائيليين فى يوم واحد منذ عقود طويلة, وهو ما يفسر رد فعلها العنيف على غزة والمعاقبة الجماعية لسكانها, وتصميمها على إعادة هيكلة القطاع بصورة جذرية, ربما تُفضى لتهجير معظم مواطنيه سعيا لتدمير البنية التحتية لحماس والقضاء على الفصائل المتعاونة معها.
وأضافت أن كل ما يعنيها الآن هو محو آثار تلك الصفعة القوية التى تلقتها واستعادة قدرتها على الردع, وحماية أمنها, دون النظر إلى الأسباب الجوهرية التى أدت إلى تأجيج هذا الصراع والحروب المتكررة التى قاد إليها, والمتمثلة فى فشل الوصول إلى حل نهائى له وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشروعة فى إقامة دولتهم المستقلة.
وتوقعت أن مسلسل العنف سيستمر ما دامت التسوية السياسية غائبة.
2023-12-02