هل الحريديم قنبلة موقوتة في المجتمع الصهيوني!
الباحث محمد محفوظ جابر
اليهود الحريديم (الأرثوذكس المتشددين) في “إسرائيل” يشكلون اقلية في المجتمع اليهودي، فحسب الإحصاءات الأخيرة، تقدر نسبتهم بحوالي 13% من إجمالي السكان اليهود. في حين يقدر عددهم بحوالي 1.5 مليون شخص. وبينما نحو 60% من الحريديم فقراء، فإن جزءًا كبيرًا من جيل الشاب يعتمد على المعونات الحكومية، في حين أن جزءًا آخر منه يعمل بصورةٍ جزئية جدًا، فإن هذه المجموعة تغدو عبئًا على كاهل المجموعات السكانية الداعمة، لأنهم لا يعملون وجل اهتمامهم هو التعليم الديني.
يميل الحريديم إلى العيش وفقًا لتفسير صارم للتوراة والشريعة اليهودية، ويطالبون بتطبيق قوانين دينية صارمة في الحياة العامة، بينما يرى العلمانيون أن ذلك يتعارض مع قيم الدولة الديمقراطية والعلمانية، وأعتقد ان هذا التعارض مرجح للتطور الى صراع داخلي.
فالحريديم لهم تأثير سياسي بفضل تمثيلهم في الكنيست، حيث يشاركون في الحكومة من خلال أحزاب دينية مثل “يهدوت هتوراة” و”شاس” وغيرها، ونظرا لحاجة الاحزاب الكبيرة المتنافسة على السلطة، لتلك الاحزاب الدينية الصغيرة في تلك المنافسة، يقدمون لهم مكاسب كي يستقووا بهم، مما جعل لهم التأثير في قرارات مهمة تتعلق بالقوانين الدينية، وقانون التجنيد وغيرها.
يشير أنطوان شلحت في مقاله: إضاءة على الحريديم والصهيونية الدينية، ان الحريديم، إجمالًا، لا يتبنّون الأيديولوجيا الصهيونية، ويعتبرون أنها “تسعى إلى إيجاد هوية وشعب يهوديين جديدين كنتاجٍ للفكر القومي الحديث الذي ظهر على خلفية التطوّرات في الغرب، ولذا فهي مرفوضة”. ولم يتطلّعوا، إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي. ويستخلص من عدة ابحاث ان هناك ثلاثة تيارات في هذه المجموعة:
الأول، الحريدي المعتدل الذي يمارس تعاطفًا فعليًا مع الدولة ومصيرها.ويشمل هذا التيار، حركة “حباد” وحزب شاس.
والثاني، تيار راديكالي يتبنّى مواقف متطرّفة في معاداة الصهيونية، وينكر أي حق وجود لأي كيان سياسي يهودي قبل قدوم المسيح المنتظر. ويشمل هذا التيار الطائفة الحريدية، وحركة ناطوري كارتا، وغيرها.
والثالث هو “التيار المركزي”، ويتبنّى مواقف براغماتية في القضايا السياسية من منطلق الحفاظ على التعايش المشترك مع أغلبية الشعب الإسرائيلي. ويعتبر هذا التيار نفسَه غير صهيوني. ويشمل حركة وحزب “أغودات يسرائيل”.
ونظرا للعدوان الصهيوني على غزة، ظهرت خلافات في الوسط الرسمي والشعبي حول تجنيد الحريديم، واتسعت الهوة مهددة بأزمة جديدة في الكيان، بعد ان فقد الجيش في الحرب حسب ما أفادت وزارة الدفاع الإسرائيلية في 25/10/2024 بمقتل 890 من جنود وضباط الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وكان الجيش الإسرائيلي قد أكد في وقت سابق أن عدد المصابين في صفوفه بلغ 5065، وأن 752 من هؤلاء إصاباتهم خطيرة.
والسؤال هو: اذا كان هذا فقط هو حجم الخسائر البشرية للجيش، فهل تحتاج من يقف حلف الناتو سندا لها وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، التي تمدها بالمال والسلاح والمعلومات الاستخبارية، وتضع بوارجها الحربية وقواعدها العسكرية في المنطقة في خدمتها، الى تجنيد هؤلاء الحريديم؟ ام ان الخسائر كبيرة جدا، وان الرقابة العسكرية تفرض التعتيم الاعلامي عليها خوفا من انفجار الوضع العسكري في وجه القيادة السياسية، ام ان الحسابات تقدر ان انفجار الحريديم الاجتماعي سيكون اقل ضررا!! وهل الانفجار الاجتماعي سيبقى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وجه القوى العلمانية وحكومتهم اذا لم ترضخ للحريديم، نعم ولهذا قام ناتنياهو بإقالة غالانت وسحب فتيل القنبلة قبل الانفجار.
في ظل الخلافات حول سن قانون لتجنيد الحريديم للجيش الإسرائيلي، ازدادت الهوة بين القيادة السياسية نفسها وبينها وبين القيادة العسكرية، قال وزير الأمن، يوآف غالانت، خلال اجتماع مغلق للجنة الخارجية والأمن في الكنيست بتاريخ 01/07/2024 ، انه على خلفية الحرب على غزة والقتال الدائر مقابل حزب الله، أن “الجيش بحاجة إلى 10 آلاف جندي آخر بشكل فوري”.
وأصدرت محكمة العدل العليا قبل ذلك بأسبوع، قرارا بإجماع هيئة قضائية مؤلفة من تسعة قضاة، جاء فيه أنه لا يوجد إطار قانوني يسمح بإعفاء الحريديم من التجنيد، وأن على الحكومة أن تعمل من أجل تجنيدهم، وأنه بسبب عدم وجود صلاحية لدى المحكمة بإعفاء الحريديم من التجنيد، فإنه لا توجد صلاحية لتمويل مؤسسات الحريديم الذين لا يخدمون في الجيش.
وفي تعقيبه على قرار المحكمة، اعتبر وزير شؤون القدس في الحكومة، مئير بروش، إن “حكم المحكمة العليا سيؤدي حتما إلى تقسيم الدولة إلى دولتين. الأولى، هي الدولة التي تُدار الآن. والأخرى سيواصل فيه أعضاء المعاهد الدينية دراسة التوراة كما اعتادوا في الدولة التي أعلن عنها بن غوريون. لا توجد قوة في العالم يمكنها أن تجبر من تتوق روحه إلى دراسة التوراة، على الامتناع عن ذلك.
بدوره اعتبر رئيس كتلة “يهدوت هتوراه”، الوزير يتسحاق غولدكنوبف ، أن قرار العليا “متوقع ومؤسف ومخيب للآمال للغاية. لقد أنشئت دولة إسرائيل لتكون موطنًا للشعب اليهودي الذي تعتبر توراته أساس وجوده. التوراة المقدسة سوف تنتصر”. ردود الفعل هذه وغيرها تنضح بالتحريض القابل لانفجار اجتماعي.
وقال غالانت خلال اجتماع للحكومة، إن “التهديد (على إسرائيل) يتزايد وعدد قوات الجيش يتراجع. من أين تخططون أن نجلب جنودا؟ وكيف تريدون أن يستمر الجيش الإسرائيلي بالقتال؟ نحن بحاجة إلى المزيد من القوات للجيش”.
وصادق وزير الأمن الإسرائيلي، يوآف غالانت، في 9/7/2024، على توصية الجيش بتوجيه أوامر استدعاء أولية للتجنيد إلى الشبان الحريديم.
وعلى الصعيد الشعبي، كتب الزعيم الديني للحريديم الأشكناز، الحاخام دوف لاندو، في رسالة نشرتها الصحيفة الحريدية “ييتِد نئمان”، “الوضع حاليا هو أن المؤسسات أعلنت الحرب ضد عالم التوراة. ولذلك، فإن الأمر الموجه إلى أبناء المعاهد الدينية هو: عدم المثول أبدا في مكاتب التجنيد، وعدم الاستجابة إلى أي استدعاء مهما كان، وكذلك ليس للاستدعاء الأولي”، وهذا بالطبع يعزز الازمة الداخلية في الكيان الصهيوني خاصة ان الآلاف من أتباع الحريديم “الجناح الأورشاليمي” توقفوا عن الاستجابة لاستدعاء التجنيد الأولي، منذ العام 2013، وأصبحوا يعتبرون فارون من الخدمة العسكرية، ولذلك ليس بإمكانهم مغادرة البلاد وهم معرضون للاعتقال بشكل دائم من الناحية القانونية.
والجدير بالذكر هو تظاهر عشرات الآلاف الحريديم رفضا للتجنيد، وشهد الاحتجاج مواجهات عنيفة مع قوات الشرطة وإغلاق شوارع مركزية في القدس، مطالبين ممثليهم في الحكومة بعدم الدخول إلى مفاوضات حول تجنيد طلاب المعاهد الحريدية.
أعلن وزير الأمن الإسرائيلي الجديد، يسرائيل كاتس، في 15/11/2024 عن مصادقته على إرسال 7 آلاف أمر تجنيد للخدمة العسكرية إلى الحريديم، الأمر الذي من شأنه أن يتسبب بأزمة ائتلافية، إذ قالت مصادر في كتلة “يهدوت هتوراة” إن “حزب الليكود قرر إعلان الحرب على الحريديم” الذين يرفضون التجنيد.
وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أنه سيتم إرسال ألف أمر تجنيد للحريديم اولا، وأن 6000 أمر تجنيد سيمتد لفترة شهر ونصف، أي حتى نهاية العام الجاري. وأعلن الجيش أنه يتوقع استدعاء جنود الاحتياط في بداية العام المقبل للخدمة العسكرية. وهذه عملية مماطلة في تنفيذ القرار، يقوم بها ناتنياهو حتى يحافظ على حكومته من الانهيار ويبقى رئيسا لها لتنفيذ برنامجه الصهيوني.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
26/11/2024
