نكبة الفلسطينية في ذكراها 75!
رنا علوان
عندما نسمع بالنكبة الفلسطينية ، يُخيّل إلينا أن النكبة بدأت عام 1948 ، إلا أنها في الحقيقة بدأت قبل ذلك بعقود
والنكبة مُصطلح يرمز إلى [ التهجير القسري الجماعي ] وهو ما حصل فعليًا مع الشعب الفلسطيني عام 1948 ، طال أكثر من زُهاء 750,000 فلسطيني ، تم إجبارهم على ترك بيوتهم وأراضيهم في فلسطين
في عام 1799 ، خلال الحملة الفرنسية على العالم العربي ، نشر نابليون بونابرت بيانًا يدعو فيه إلى إنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين تحت حماية فرنسية ، بهدف تعزيز الوجود الفرنسي في المنطقة
لم تنجح خطة نابليون لإقامة دولة يهودية في الشرق الأوسط في ذلك الوقت ، إلا أنها لم تمت أيضًا ، حيث أعاد البريطانيون إحياء هذه الخطة في أواخر القرن التاسع عشر
وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، [ وقيام الانتداب البريطاني في فلسطين ] ، بدأت قوى الاستعمار البريطانية تنفيذ مخططاتها لبناء دولة صهيونية على أرض فلسطين
بيد أنه في الوقت نفسه ، كانت الحركة الصهيونية تبذل قُصارى جُهدِها في الضغط على قوى الاستعمار لتدعم هجرة اليهود إلى فلسطين والأعتراف بحق الوجود اليهودي على أرض فلسطين
وفي عام 1917 ، أعلن وعد بلفور الدعم البريطاني لإنشاء “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين
جاء وعد بلفور في رسالة كتبها ( وزير خارجية بريطانيا السابق ” آرثر بلفور ” إلى ” البارون روتشيلد” ، أحد زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا) ، لإحالته إلى الاتحاد الصهيوني في بريطانيا العظمى وإيرلندا
وقد دعم هذه الرسالة رئيس وزراء بريطانيا آنذاك ديفيد لويد جورج ، الذي تبنى الفكر الصهيوني عام 1914
رأى الصهاينة هذا الوعد على أنه [ نصر حقيقي ] ، فقد نصّت الرسالة على أن البريطانيين ” سيبذلون قصارى جهدهم لتسهيل إنجاز هذا الهدف “
بعد هذا بدأ توافد الصهاينة إلى فلسطين بدعم من البريطانيين ، وقوبلت هذه التحركات بمقاومة شديدة من قبل الفلسطينيين
يؤكد المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه أن زعماء الصهاينة وقادتهم العسكريين عقدوا اجتماعات دورية لمدة عام كامل ، وبالتحديد من شهر آذار 1947 حتى آذار 1948 للتخطيط والاتفاق على كيفية القيام بعملية تطهير عرقي في فلسطين
سعى اليهود بكل ما ملكت يُمناهم بطرقهم المُلتوية لشراء أكبر عدد ممكن من الأراضي الفلسطينية ، بُغية بناء المستوطنات الصهيونية عليها ، ما أدى ذلك إلى تهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من بيوتهم ، وكل هذا تم بدعم كامل من البريطانيين
وبينما أصرت القيادة الفلسطينية في القدس على متابعة المفاوضات مع البريطانيين لحل النزاع القائم على الأراضي ، بدأ عز الدين القسام ، وهو زعيم سوري مقيم في حيفا منذ عام 1922 ، بالدعوة إلى الكفاح المسلح ضد البريطانيين والصهاينة
وفي عام 1935 ، حاصر البريطانيون عز الدين القسام وقتلوه مع عدد آخر من رفاقه
تأثر الفلسطينيون بمقاومة القسام ، وقامت عام 1936 ثورة عربية ضد الإمبريالية البريطانية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني
سحق البريطانيون الثورة العربية عام 1939 ، ووجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة عدوين [ قوات الاستعمار البريطاني والعصابات المسلحة الصهيونية التي تزايدت أعدادها لتصل إلى 40.000 شخص في ذلك الوقت ]
فعلى الرغم من الدعم البريطاني للهجرة الجماعية لليهود إلى أرض فلسطين ، إلا أن قوى الاستعمار البريطاني بدأت بتحديد أعداد المهاجرين اليهود القادمين إلى المنطقة
جاءت هذه الخطوة في محاولة لاحتواء الغضب العربي بالرغم من إعلان بريطانيا أن فلسطين أصبحت جاهزة لتكون “وطناً قوميّاً لليهود”
وفي الوقت الذي تابع الصهاينة فيه استخدام كل الوسائل الممكنة لتحقيق حلمهم بإقامة دولتهم على أرض فلسطين التاريخية ، اتضح لهم أن المقاومة الفلسطينية كانت ضعيفة جدا في أرض المعركة وهناك تغافل عربي كبير عن نصرتها
في تشرين الثاني عام 1947 ، اقترحت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين : يهودية وعربية
شكل اليهود في فلسطين وقتها ثلث السكان ، غالبيتهم قدموا من أوروبا خلال السنوات القليلة التي سبقت هذا التاريخ ، وكانوا يسيطرون على مساحة تصل إلى أقل من 6% فقط من دولة فلسطين التاريخية
إلا أن الخطة المقترحة من قبل الأمم المتحدة خصصت لهم 55% من مساحة دولة فلسطين التاريخية
رفض الفلسطينيون وحلفاؤهم العرب الخطة المقترحة
من جهتها ، وافقت الحركة الصهيونية على الخطة المقترحة ، خاصة أنها أضفت صفة الشرعية على فكرة بناء دولة يهودية على أرض فلسطين التاريخية ، إلا أنها لم توافق على الحدود المقترحة
فلقد كانت رسالة الصهاينة واضحة [ إما أن يغادر الفلسطينيون أراضيهم أو سنقتلهم ]
لقد خطط الصهاينة لتطهير أرض فلسطين من سكانها ، وبذلوا قصارى جهدهم لمسح التراث والثقافة الفلسطينية من الوجود ، لأن الهدف الرئيسي للأجندة الصهيونية هو : [ مسح فلسطين من خارطة العالم ]
ومع بداية عام 1948 ، سيطر الصهاينة على عشرات المدن والقرى الفلسطينية وطردوا سكانها الفلسطينيين من بيوتهم بالقوة ، كل ذلك تم تحت أعين سلطات الانتداب البريطاني الموجودة في المنطقة ، كما ارتكب الصهاينة مجازر جماعية منظمة ضد الشعب الفلسطيني
قرر البريطانيون إنهاء فترة انتدابهم لفلسطين يوم 14 أيار 1948
ومع اقتراب هذا التاريخ ، كثف الصهاينة جهودهم للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية ، ففي شهر نيسان عام 1948 ، سيطر الصهاينة على مدينة حيفا ، إحدى أكبر المدن الفلسطينية ، وكان هدفهم التالي مدينة يافا
وفي اليوم نفسه الذي انسحبت فيه قوات الانتداب البريطاني رسميّاً من فلسطين ، أعلن ديفيد بن غوريون ، رئيس الوكالة الصهيونية ، إقامة دولة إسرائيل الغاصبة
[ وفي ليلة وضحاها ، أصبح الفلسطينيون بلا دولة ]
[ لم يستغرق ذلك سوى دقائق قليلة ، حيث اعترفت فيها أكبر قوتين من قوى العالم المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي ، بدولة العدو الإسرائيلي ]
وبينما واصل الصهاينة حملات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين ، نشبت حرب بين بعض الدول العربية المجاورة والدولة الصهيونية الحديثة
عينت الأمم المتحدة الدبلوماسي السويدي فولك برنادوت وسيطاً لها في فلسطين. اعترف برنادوت بمأساة الشعب الفلسطيني وحاول إيجاد حل لإنهاء معاناتهم التي تسبب بها الصهاينة
انتهت جهوده الحثيثة للتوصل إلى حل سلمي لإيقاف حملات التطهير العرقي الصهيونية المستمرة ضد الفلسطينيين ، عندما اغتاله الصهاينة في أيلول عام 1948
وفي عام 1949 ، تحول أكثر من 750.000 مواطنًا فلسطينيا إلى لاجئ ، بينما قتل أكثر من 13.000 آخرين على أيدي العدو الغاصب
تابعت الأمم المتحدة جهودها للتوصل إلى اتفاق هدنة بين إسرائيل والدول العربية المجاورة ، وبعد اغتيال برنادوت ، تم تعيين نائبه ، الوسيط الأمريكي رالف بنش
ترأس بنش المفاوضات بين العدو المحتل والدول العربية ، والنتيجة كانت تنازل الدول العربية عن المزيد من الأراضي الفلسطينية للعدو ، وبعد يوم واحد من توقيع اتفاق الهدنة الأردني الإسرائيلي في أيار 1949 ، انضم الاحتلال الغاصب الى الأمم المتحدة كدولة عضو
لم تنته النكبة الفلسطينية عام 1948 ، بل لا زالت عمليات التطهير العرقي في فلسطين التاريخية مستمرة حتى يومنا هذا ، ولا زال المشروع الصهيوني يقطع أشوطًا كبيرة في طريق تحقيق أهدافه ، إزاء صمت عالمي رهيب ، بدليل إقامة العدو الإسرائيلي على 78% من فلسطين واحتلاله للباقي في العام 1967 ، والعمل لا زال جارٍ على قدم وساق من أجل تهويد الضفة الغربية وضمها ، وتهجير قسم كبير من سكانها ، وتصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها
ولا شك أن الإنجازَ الأهم للحركة الصهيونية احتواءُ الحركة الوطنية الفلسطينية ، كما تحقق في توقيع اتفاق أوسلو ، ثم شق الطريق للانقسام الذي حدث في العام 2007 ، هذا الحدث المشؤوم والمستمر منذ ذلك التاريخ ، ويتعمق باستمرار ، ولكن في المقابل ، لا تزال المقاومة الفلسطينية مستمرة ، ويومًا بعد يوم تزداد عزيمة وقوة وإصرار حتى رد النكبة الى نحورهم ، فلقد بدأ العد العكسي وجاء دور نكبتهم ، وهذا الكيان لن ولم يكون له ما يبتغيه على ارضنا ولو كان العالم كله مناصرًا له ، وكنا نحن فُرادة
2023-05-14
