نحو فقه للتجاوز !
بقلم د. رفعت سيدأحمد*
لقد نشر الاخوان وجماعات التطرف الداعشي في بلادنا العربية خلال السنوات الماضية ما يمكن تسميته ب(فقه القتل والفوضي ) وهو فقه تطلب ولايزال –يتطلب – فقها آخر للمواجهة والتصدي ..فقها يحمل الانفتاح والاستنارة ورفض الغلو ونسميه نحن ب (فقه التجاوز ) وهو ذلك الفقه الذي يحمل صحيح الاسلام العظيم بين جناحيه ويحلق بقيمه الاصيلة عاليا رافضا الغلظة والغلو والتي إبتلينا به مع تنظيمات (الاخوان والقاعدة وداعش وآخواتهم ) ..وذلك لإن التعصّب هو ردّة فكرية، وهو لا يحمي البلاد ولا الدين والمقدّسات بل يؤدّي إلى التفريط فيها *
وبداية لا يختلف إثنان على أن الأمّة بمقدّساتها وقضاياها الكبري عاشت خلال السنوات العجاف الماضية (2011-2024) سنوات إرهاب داعش والقاعدة وأخواتهما؛ مرحلة قاسية تحتاج اليوم، إلى فقه وفكر جديد، يدفع في إتجاه المقاومة القائمة على الانفتاح والحوار والوحدة والتقارُب المذهبي والبعيدة عن الفرقة والتعصّب الذي يضرب في قلب الأمّة بلا هوادة ويهدّد وجودها ذاته وليس فحسب مقدّساتها، *
إن الأمّة العربية والإسلامية تتعرّض لهجمة شرسة تستهدف مصالحها ومقدّساتها، ولهذه الهجمة مظاهر وتجلّيات واضحة في نقاط وبؤر السخونة الرئيسية وبالتحديد في غزة وسوريا وفلسطين والعراق وشمال سيناء وليبيا، حيث تتوسّل قوى الإرهاب مدعومة من الخارج لتحقيق تلك الاستراتيجية العدوانية، استراتيجية الهيمنة بوسائل عدّة لعلّ أبرزها بالاضافة للعدوان المستمر علي غزة ..إثارة الفتنة السياسية والمذهبية والطائفية.
هذا ويمكن القول إن استراتيجية التطرف والقتل و الهيمنة ينظّمها محوران أو مفرقان أساسيان:
الأوّل: هو أن الذين يسيرون في ركب الاحتلال وضد المقاومة يمثّلون محوراً رئيسياً تنتظم فيه الطوائف والمِلل والنِحل والمذاهب مع المشروع الأجنبي العدواني.
والثاني: نجد المقاومين وبداخلهم أيضاً سنجد مسلمين ومسيحيين، اتجاهات سياسية متعدّدة. وبالتالي يمكن القول إن هذه الاستراتيجية الاسرائيلية والداعشية العدوانية قسّمت الأمّة إلي شطرين رئيسيين، ولعبت في الشطرين على محاور الفتنة المذهبية والسياسية والدينية وهذه هي القضية الأولى.
إن التاريخ يحدّثنا عن أن الهيمنة الغربية تأصّلت منذ القِدَم، فمنذ الحروب الصليبية وحملاتها الثماني التي اجتاحت الشرق وإلى الآن، ما زال الاستعمار يعمل في المجتمعات الإسلاميةبأدوات وأشكال متعددة والاخوان وداعش أحد أبرز تلك الادوات خاصة في عقد الربيع العربي الاخير .. ورغم القول بأن الشعوب الإسلامية والعربية نالت استقلالها فإن البحث العلمي يقول إنها لم تستقل بعد طالما ظلّت تابعة ومخترقة في إقتصادها وسياساتها وثقافتها
والقضية الثانية التي علي فقه التجاوز التصدي لها …تأتي قضية الجمود الفكري وحتمية التجديد والاستنارة في إطار فهم صحيح الدين والدنيا وعدم ترك ذلك لتنظيمات الدواعش والاخوان ..ولعله ممايؤسَف له أن المذهبية عندنا مذاهب متجمّدة حول نصوص القرآن وأحاديث الرسول، وكأن نصوص القرآن متجمّدة أيضاً وهذا غير صحيح. لأن الإسلام مَرِن، وكذلك يجب أن يكون المؤمن سمحاً ومرناً في تصرّفاته كلها ولديه الوعي. وينبغي أن يكون لدى الشعوب الإسلامية الوعي لا أن تكون “مُغيّبة”.
*وكما نعلم فإن ثمّة هيمنة أجنبية تسيطر على غالب المجتمعات الإسلامية، وعلى النخبة بكافة مستوياتها، عبء ورسالة تنطلق من الوعي والمسؤولية،..وتلك هي المهمة الثالثة في (فقه التجاوز الذي نقترحه هنا ).. وهو فقه يستلزم نشر الثقافة الصحيحة وتنبيه الناس إلى الأخطار الحقيقية التي تُحيق بنا
ففي الفكر الإسلامي النظرة إلى التعصّب وعدم التسامح ،ردّة فكرية، لأن الفكر الإسلامي بطبيعته يقوم على التسامُح. وإذا كان الإسلام قد سمح بوجود اختلاف فإنه أمر باحترام مَن يختلف معنا. فالاختلاف في الإسلام هو للوصول إلى الرأي الأفضل والأنضج. وليس اختلاف العداوة أو التضاد.
ومن هنا فالتعدّدية سنّة من سنن الله في كونه. والتسامُح المذهبي سِمة العلماء الكبار. فمثلاً الإمام مالك حينما طلب منه وليّ الأمر أن يضع للناس كتاباً سهلاً تتجنّب فيه الرخص والمشدّدات، وضع كتابه “الموطأ” والذي نال إعجاب العلماء في عصره. ولكن عندما أراد الخليفة المنصور أن يفرض العمل بهذا الكتاب في جميع الأمصار رفض الإمام مالك رعاية لأحوال المخالفين له في الرأي.
كذلك فإن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) سمح بالرؤى المتعدّدة والفَهْم الواعي. فسمح بأن يكون هناك تأويل وعمل بالنصّ في الحديث المشهور الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه الخاص بصلاة العصر في بني قريظة. فهناك من الصحابة من أخذ بنص الحديث ولم يصل العصر إلا في بني قريظة رغم مرور وقته. بينما فَهِم البعض الآخر أن المقصود هو الإسراع ولهذا صلّوا العصر قبل أن يصلّوا بني قريظة وعندما اختلف الفريقان وذهبا للرسول أقر تصرّف كليهما. فهو بهذا سمح بأكثر من رأي وفَهْم. والإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم يقول (اجتمعت كلمة أهل العلم على أن المختلف فيه لا إنكار فيه **** الخلاصة إذن …نحن في بلادنا العربية والاسلامية نحتاج وسط التحديات الجسام التي تمر بها الامة بعد العدوان علي غزة وبعد إنتشار تنظيمات الغلو والقتل ليس فحسب الي (تجديد الخطاب الديني) بل الي فقه أوسع وأكثر رحابة سياسية وثقافية ..نسميه ب (فقه التجاوز ) فمتي نبدأ ؟
2024-11-09